فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 1942

ولا ريب في أن جملة ما تضمنه هذا الكتاب في المقدمة والبابين والخاتمة هو من العلم النافع الذي عني به الفلكيون وعلماء الفلاحة وتداولوه، وظل موضع نظر ودرس واعتبار على مسار رحلة العلم من زمن إلى آخر، ومن أوطان في الشرق إلى أوطان في الغرب، لا تحجزه حدود مغلقة النوافذ، ولا تقيده قيود (18) ... ومع أن الدمنهوري لم يأت بجديد في كتابه، إلا أنه امتاز ببراعته في تلخيص الأصول التي أشارت إلى استنباط المياه، وغدت أصولها في حكم المفقود في زماننا (19) ... يدل تأليف ذلك الكتاب في هذا الزمن المتأخر، فيما تدل عليه جملة معانيه، على مبلغ تعلق علماء الإسلام على تعاقب العصور بعلوم الحياة، دقيقها وجليلها، يدرسونها ويعلمونها، ويؤلفون فيها لا يفترون.

علم المياه الجارية

أحدث ما كتبه علماء المسلمين في هذا المضمار، ما خطه الشيخ محمد حسين العطار الدمشقي (1243-1177هـ/1827-1764م) (20) تحت عنوان علم المياه الجارية في مدينة دمشق، أو رسالة في علم المياه. يقول العطار عن سبب تأليف الرسالة ما يلي: >عنَّ لي أن أضع في ذلك تأليفًا وافيًا بالمقصود كافيًا، إذ لم أر في ذلك رسالة ولا كتابًا مع كونه من مهمات الحسابهو علم يتعرف منه كيفية استخراج المياه الكامنة وإظهارها، ومنفعته إحياء الأرضين وأفلاجهاذهبوا إلى أن جوف الأرض فيه منافذ ومسام، وفيها إما هواء أو ماء، فإن كان أصابه مدد من جهة أخرى لا يسع ذلك الموضع تنشق الأرض إن كانت رخوة، ويظهر وجهها إن لم يكن لها قوة الخروج، فيحتاج إلى أن ينحي عنه التراب حتى يظهر كماء القنوات والآبار...زعموا أن الشمس إذا أشرقت على الماء والأرض حللت من الماء أجزاء لطيفة مائية تسمى بخارًا، ومن الأرض أجزاء لطيفة أرضية تسمى دخانًا. فإذا ارتفع البخار والدخان في الهواء وتدافعهما الهواء إلى الجهات من فوقهما، برد الزمهرير ومن أسفلهما مادة البخار غلظًا في الهواء وتداخلت أجزاء بعضهما في بعض، فإنه يكون منهما سحاب مؤلف متراكم، ثم إن السحاب كلما ارتفع أنمت أجزاء البخار بعضها إلى بعض حتى يصير ما كان منهما دخانًا وركامًا، وما كان بخارًا ماء، ثم تلتئم تلك الأجزاء المائية بعضها إلى بعض، فتصير مطرًا، ثم تأخذ راجعة إلى الأسفل. فإن كان صعود ذلك البخار بالليل والهواء شديد البرد، منعه من الصعود وأجمده أولًا، فصار سحابًا رقيقًا، وإن كان البرد مفرطًا أجمده البخار في الغيم، وكان ذلك ثلجًا، لأن البرد أجمد الأجزاء المائية ويختلط بالأجزاء الهوائية وينزل برفق، فلذلك لا يكون له في الأرض وقع شديد كما هو الشأن بالنسبة للمطر والبرد، فإن كان الهواء دفيئًا وارتفع البخار في الغيوم وتراكمت منه السحب طبقات بعضها فوق بعض كما ترى في أيام الربيع والخريف، كأنها جبال من القطن مندوفًا. فإذا عرض لها برد الزمهرير من فوق غلظ البخار، فإنها تصير ماءًا وانضمت أجزاؤها فصارت قطرًا عرض لها الثقل، فأخذت تهوي من أعلى السحاب وتلتئم القطرات الصغار بعضها إلى بعض حتى إذا خرجت من أسفلها صارت قطرًا كبارًا. فإن عرض لها برد مفرط في طريقها، جمدت وصارت بردًا قبل أن تبلغ الأرض، وإن لم تبلغ الأبخرة إلى الهواء البارد، وكانت كثيرة صارت ضبابًا، وإن كانت قليلة وتكاثف ببرد الليل ولم تجمد، نزلت صقيعًاوللقرنين ــ وهي مدينة مياه جارية وقني من تحت الأرض كثيرةوليس بمكة ماء حار إلا شيء أجري إليها من عين كان قد عمل فيها بعض الولاة فاستتم في أيام المقتدروبها عيون جارية حارة ومستنبطها على نحو فرسخين من المدينة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت