فهرس الكتاب

الصفحة 617 من 1942

ويقول علماء البحوث الإنسانية أن الناس ينقسمون من حيث الرأي العام إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قادة الرأي. وهؤلاء يصنعون الإعلام ويصنعون الدعاية السياسية ولا يتأثرون بها لأنهم يعلمون أنها أداة من أدوات الصراع.

القسم الثاني: المثقفون. والرأي العام المثقف يقرأ وينظر ويمحص بدرجة من الدرجات، ويشارك في أوقات السلم في صناعة الرأي، فإذا احتدمت الحرب انقلب إلى رأي عامي أيضًا. وتلك مفارقة كبيرة تلمحها في فترات الأزمات حيث ترى أن كثيرًا من الكتاب والمفكرين يجنحون إلى الحديث بلغة الشارع ويخاطبون نفس العواطف ويتحدثون بنفس المنطق.

القسم الثالث: الرأي العام العامي. وهؤلاء هم نقطة الفعل ومحط التركيز من جهاز الإعلام.

و نحن نأمل اليوم أن نرتقي بالرأي العام المثقف أو قطاعات منه إلى مستوى الرأي العام القائد الذي يصنع الإعلام ولا يتأثر به.

أنواع العقول التي تتلقف الدعاية

قادة الرأي

المثقفون

الرأي العام العامي

إن فهم هذه النقطة المحورية يعيننا على إدراك أهمية إحياء الذاكرة التاريخية للأمة. فالهجوم على التاريخ الإسلامي وإعادة تشكيله وانتقاصه وتعظيم تاريخ القوى الغازية لبلاد الإسلام يؤثر تأثيرًا كبيرًا حتى على صفوف من يُظن أنهم يقعون في طليعة المتحركين لعملية النهضة. ولقد رأيت في أثناء التجوال والنظر أن الكثيرين من العاملين للنهضة لا يمتلكون خارطة واضحة للتاريخ البشري، وكثير من الاستشهادات والاستدلالات التي يلجأون إليها تبدو مبتورة وفي غير موضعها. ويأتي هذا البحث لمحاولة ردم هذه الفجوة.

لمن هذا الكتاب

إنّ القارئ الذي يشق عليه في خضم مشاغل الحياة المتعددة أن يلجأ إلى أمهات المراجع والبحوث هو هدفنا الأول في هذا البحث الوجيز، حيث إن هذه الشريحة الكبيرة من المجتمع الإسلامي هي التي تمثل أمل الغد المشرق إن شاء الله. وكل جهد في سبيل العمل على تكوينها ثقافيًا يخدم ولاشك مشروع نهضة الأمة.

إن الكتابة في موضوع البحث تستهدف كذلك كل من يريد أن يسهم في مشروع نهضة الأمّة، وكل من يريد أن يخرج من الأنا الضيقة إلى فسحة الإنسانية الرحبة. لهؤلاء نكتب ونستصحب كل من يعتقد أنه منتمٍ لهذه الأمة دينًا أو حضارة لا نستثني منهم أحدًا، ما استصحب الجميع عقد الأمة الواحد وروحها، ونحن وإن تحدثنا عن أمتنا فإن هدفنا الأسمى هو خير الإنسان، وكل الخلق، في كل أرض ومصر، حتى يتحقق قول الله عز وجل لرسوله {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} (1) ، وهذا الكتاب نرجو له أن

يسهم في مسيرة الأمّة نحو تحقيق ذاتها واستعادة دورها، خاصة وأن تباشير الفجر تظهر في كل مكان رغم الصعاب الداخلية والخارجية التي تواجهها.

هدف الكتاب

لقد هدفنا من خلال هذا البحث إلى الوصول إلى عدة أمور:

* فهم أطوار الحراك التاريخي التي تمر بها أي حضارة حتى تقوم.

* رسم خارطة مبسطة لصعود وهبوط الحضارة الإسلامية.

* رسم خارطة مبسطة لهبوط وصعود الحضارة الغربية.

* رسم خارطة توضح تقاطع مساري الحضارتين الإسلامية والغربية.

* معرفة دور الأمة الإسلامية في نقل البشرية من طور الطفولة العلمية إلى طور الرشد العلمي.

* معرفة العوامل التي تراكمت في أوروبا وأدت إلى النهضة.

* معرفة العوامل التي تراكمت في العالم الإسلامي وأدت إلى التخلف.

ولقد حاولنا أن نجيب على تلك الأسئلة المتكررة حول ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وكيف حدث؟ كما حرصنا على الاختصار والإيجاز بقدر الإمكان. لأن الغرض هنا وضع أسس وخطوط عريضة يستطيع القارئ المتوسط أن يضع فيها معلوماته بعد ذلك، ويؤسس على تصور أكثر حنكة ودراية بالتاريخ. وبالتالي لا يقتصر التاريخ على تسجيل الوقائع، وإنما يساعد على تكوين رؤية فاحصة تستدعي نهضة الأمة وإعادة ثقتها بنفسها، مع الالتزام بالحقيقة وبمنطق العلم. وبالتالي نكون قد وضعنا لبنة هامة في المكون الفكري الأساس للفرد الذي نريد.

إن الفهم هو النقطة الحرجة في إنجاح عملية"النهضة"، ونقصد به وجود صورة أو إطار واضح المعالم يستند إليه الساعون إلى النهضة، وينطلقون من خلاله. إطار مرشد، تتدفق بين ضفتيه مياه النهضة في حركتها ونشاطها لتلتقي في المصب فلا تتشتت الجهود ولا تضيع، ومن أهم خطوات بناء هذا الإطار الجامع السعي لإحياء الذاكرة التاريخية للأمة.

طريقة تناول كل باب

وحتى يمكن تنظيم الخارطة المعرفية للعقل المسلم رأينا أن نبدأ كل باب:

* بأهم الأسئلة التي سيجيب عليها الباب.

* ثم الشرح التفصيلي.

* وبعد ذلك نموذج (شكل توضيحي) لملخص ما قيل، بحيث يسهل رسمه ومن ثم استدعاؤه وتذكر خلاصة الباب وشرحه للآخرين.

* ثم خلاصات تحتوي على أهم النقاط التي ذكرت في الباب.

لماذا هذه المنهجية في التناول؟

إن تيار النهضة المتدفق كالسيل لا يزال عاجزًا عن إحداث نقلة نوعية حقيقية تنقله من مرحلة إلى أخرى؛ بل إن هذه المراحل ذاتها تعاني من الضبابية والتداخل الذي يعجز معه طلاب النهضة وقادتها من تحديد بدايات هذه المراحل ونهاياتها. وهذا العجز وليد مجموعة من العوامل من أهمها تعامل العاملين للنهضة مع العلوم الإنسانية كعلوم وليس كأدوات.

فالمادة التاريخية يتم التعامل معها كمادة أكاديمية. وفي أحسن الأحوال تؤخذ منها الدروس والعبر المغلوطة والمبتسرة والمقتطعة من سياقها التاريخي. ونحن نرى أنه من الضروري أن ننفض الغبار عن هذه المادة التاريخية وأن ننتقل بها من رفوف المكتبات وعقول المؤرخين إلى ميادين الصراع والتدافع وعقول الاستراتيجيين. فالتاريخ هو مخزن الاستراتيجي الذي لا ينضب.

إن إتقان التعامل مع المادة التاريخية لتصبح أداةً من أدوات العاملين للنهضة - تعينهم في التفسير والشرح والتنبؤ - هو من الضروريات وليس من الحاجيات أو التحسينيات. وقديمًا قال أوغست كونت:"إن المعرفة قوة.. إنها تعني أن نعرف فنتنبأ فنستطيع". فالمعرفة إذا لم تتحول لتصبح أداة للاستطاعة والتمكين فهي ليست معرفة حقيقية؛ بل هي معرفة مجتزأة لا يتعدى دور صاحبها دور كتاب من الكتب أو موسوعة من الموسوعات.

وانطلاقًا من هذه الرؤية تم التعامل مع المادة التاريخية. لذلك فإن القارئ سيلحظ أن المادة مصاغة بشكل أشبه ما يكون بالدورة الحية، تجنبنا فيها الشكل السردي الصرف. كما أنها مصاغة لتكون أداة عمل وليست ثقافة مجردة.

وعلى ذلك تم عرض الدراسة في سبعة أبواب:

تناول الباب الأول منها صورة من فلسفة التاريخ لرسم إطار ونموذج معرفي تندرج فيه المعلومة التاريخية، ويُمَكِّن القارئ من فهم المسار التاريخي لأي حضارة، كما يمكنه من تحديد الطور الذي تمر به أمتنا والأطوار التالية التي علينا طرق أبوابها والولوج إليها.

والباب الثاني أسس لمفهوم الحضارة واضعًا إجابات على ادعاءات الغرب بامتداد العلوية الحضارية له، ومفندًا لمقولة الرجل الأبيض الذكي. كما أنه يوضح العوامل المؤثرة في قيام الحضارات وتتابعها وتواليها على قمة المجد الحضاري.

أما الباب الثالث فيرسم صورةً لتقسيم التاريخ كما تتناوله الأدبيات الغربية، فيوضح النقاط المفصلية في تاريخ البشرية من وجهة نظر المؤرخين الغربيين وأسباب اختيارهم لهذه النقاط كفواصل كبرى بين كل مرحلة وأخرى من مراحل التاريخ البشري. ثم هو يتناول الدلالات الخفية في التقسيم وطريقة التناول التي تعزز الدور الحضاري والقيادي للرجل الغربي وتنفي أدوار الحضارات المشرقية الأخرى عامة والإسلامية والعربية خاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت