والباب الرابع يرسم المسار التاريخي الأوروبي وأهم محطاته. ويوضح النقاط المفصلية في التاريخ الأوروبي، ويتناول عصور الظلام وعصر النهضة الأوروبية بالتحليل موضحًا تطور الفعل الحضاري في أوروبا.
والباب الخامس يرسم المسار الإسلامي وأهم محطاته وعوامل التحلل فيه.
والباب السادس تحدث عن تقاطع المسارين الإسلامي والأوروبي. فبين بداية مرحلة الصحوة الأوروبية وبداية خط الانكسار في مسار الحضارة الإسلامية. كما وضح أهم النقاط التاريخية المشتركة بين الحضارتين الإسلامية والأوروبية، وكيف أثرت نقاط التقاطع تلك سلبًا وإيجابًا على كل من الحضارتين، وكيف أدت بإحداهما إلى القمة وأدت بالأخرى إلى الانحدار.
والباب السابع يضع الحدث الحاضر في سياقه التاريخي وفي الإطار والنموذج الذي تم شرحه في الباب الأول. فيحدد المرحلة الآنية والمستقبلية، ويوضح طبيعة الاستجابات العربية والإسلامية الحادثة والمرجوة في العوالم الثلاث (عالم الأفكار وعالم الأشياء وعالم العلاقات) .
إن هذا الكتاب هو خطوة هامة على طريق الانتفاع بالعلوم الإنسانية وتحويلها لأدوات تدفع عنا غائلة الخصوم في هذا العالم المتدافع. وهو لبنة في بناء الشخصية التي تستطيع التصدي للحرب النفسية والإعلام الموجه. كما أنه - إذا أُحسن التعامل معه - يمكن استخدامه في الدعاية المضادة لينتقل بك من مقعد المتفرج والمفعول به إلى الفاعل.
الباب الأول
قبل البدء
(إطار فلسفة التاريخ)
أهم الأسئلة التي يجيب عليها الباب
1.كيف يمكن فهم المسار التاريخي لأي حضارة؟
2.هل هناك عصا سحرية أو وسيلة ذهبية تؤدي إلى قيام الحضارات؟
3.هل التحديات التي تواجه أمتنا فوق طاقتها ولا يمكنها التعامل معها واقعيًا؟
4.ما التحديات التي تعرقل أمتنا عن بناء حضارتها؟
5.ما الأطوار الطبيعية التي تمر بها أي حضارة؟
6.على أي ضوء يمكن تفسير حالة التخبط التي تحياها الأمة اليوم؟ وهل هذه العشوائية يمكن أن تقود إلى حضارة؟
7.ما الطور الذي نمر به اليوم؟ وما هو الطور المرتقب؟
حتى نتمكن من فهم مسارات الحراك التاريخي للحضارات، ونستطيع وضع إطار شامل لذاكرة أمتنا، ينبغي لنا أولًا أن نتعرف على نظرية التحدي والاستجابة. والتي تبين الكيفية التي يتحرك بها مسار أي أمة من الأمم نحو بناء الحضارة.
نظرية التحدي والاستجابة
يعني التحدي وجود ظروف صعبة تواجه الإنسان في بناء حضاراته، وعلى قدر مواجهة الإنسان لهذه الظروف تكون استجابته إما ناجحة - إذا تغلب على هذه المصاعب - أو استجابة فاشلة إذا عجز الإنسان عن التغلب على هذه المصاعب.
وصاحب هذه النظرية هو"أرنولد توينبي". وقد ذكر أن الظروف الصعبة التي تتحدى قدرة الإنسان وتستحثه على العمل لتكوين الحضارة تتمثل إما في بيئة طبيعية أو ظروف بشرية (1) .
أولًا التحديات
إن التحديات هي سر نهضة الأمم، ولولا التحديات لما وجدت الحضارات، ولما كانت هجرات الشعوب واكتشافها لمواطن جديدة تصلح للحياة، ولذلك فإن الرغبة في حياة ليس بها تحديات يعتبر بمثابة حبس طاقات الإنسان. وفي هذا يقول روبرت شولر:"إن الصراع هو مكان ولادة الإبداع الأعظم" (2) . ويقول الدكتور كاريل:"الأهداف التي تعمل على إثارة الحافز فينا تقوم بتقديم أجمل الهدايا لنا على شكل إنجازات" (3) .
مستويات التحديات
أنواع التحديات
تحدي قاسي
أكبر من طاقة الإنسان
تحدي ضعيف
غير مستفز
تحدي خلاق
مستفز لطاقة الإنسان
1.تحدي قاسي أكبر من قدرة المجتمع ولا يستطيع الإنسان تطوير آليات التغلب عليه، مثل شعب الإسكيمو ومعاناته من الطبيعة الثلجية. فكانت النتيجة بقاء الإسكيمو على حالهم منذ أن استوطنوا ألاسكا.
2.تحدي ضعيف غير مستفز لطاقة الإنسان كي يطور ذاته. وبالتالي يظل على حاله من غير تقدم مثل شعب نيوزلندا، حيث قلة السكان ووفرة الموارد وسهولة الأرض، فلم يتقدم سكان نيوزلندا الأصليين.
3.تحدي خلاق يستفز طاقة الإنسان ولكنه - أي الإنسان - قادر على تطوير آليات للتغلب عليه مثل حالة كل الشعوب التي صنعت حضارات فطورت أدواتها المعرفية والعملية حتى ووجهت بتحد داخلي أو خارجي أو بيئي، ولم تستطع الاستمرار أو تقاصرت حركتها فسبقها غيرها.
مساحات التعرض للتحديات
إن التحديات التي تعاني منها أي أمة من الأمم تكون على أربعة أصعدة:
1-تحد على الصعيد النفسي: حيث تعمل كل الأجهزة المناوئة لفرض الهزيمة النفسية على الأمة.
2-تحدٍ على الصعيد الفكري: حيث تشهد الساحة خليطًا واضطرابًا في النسق الفكري معوق لحركتها.
3-تحدٍ على الصعيد التنظيمي: حيث تنعكس الحالة الفكرية على جميع أشكال العلاقات الفردية والجماعية.
4-تحدٍ على الصعيد المادي: حيث أن عالم الأشياء الذي تبدعه الأمة يتقلص وتصبح عالة على الآخرين.
التحديات
مادي
فكري
نفسي
تنظيمي
التحدي النفسي
إن التحدي النفسي يعد من أخطر التحديات التي تواجه أي أمة من الأمم. فعندما تفقد الأمة الإحساس بقدرتها على التفوق و التقدم والانتصار؛ عندها تبدأ عملية الهبوط. فالعامل النفسي هام جدًا. ففي فترة الطموح وفترة الهمة وفترة الشعور القوي بالذات تبدأ عملية انطلاقات الأمم. وفي فترة الانهيار يفقد الإنسان ذلك البريق الداخلي والإحساس بالذات وينطفيء الوهج الخلاق الذي يدفعه إلى التحرك والعمل. وكل أمة تفقد هذا الوهج فمصيرها إلى الانهيار. و لم تعد اليوم قضية الباعث النفسي متروكة للصدف إنما تعمل أجهزة الإعلام والتعليم على زرع وبعث هذه الثقة بالذات. كما تقوم أجهزة الخصم على الطرف اللآخر بتحطيم هذه الثقة بالذات من خلال إعلامها وتعليمها.
التحدي الفكري
يتمثل التحدي الفكري في فوضى لا مثيل لها في عالم الأفكار .فعندما تكون قاعدة بيانات العقل مضطربة، فإن إضافة مزيد من البيانات لها تؤدي إلى مزيد من الفوضى. وينتج عن ذلك اضطراب وتشوه في عملية اتخاذ القرارات. إن التنظيم الكبير والأساس المتين الذي تنطلق منه كل أمة يبدأ بتنظيم خارطتها الذهنية. بحيث يكون للمعلومة قيمة وظيفية، وحتى يتسنى استدعاؤها واستخدامها بشكل صحيح.
كما أن انتشار كثير من الأفكار القاتلة التي تكرس الوضع القائم، ولا تبشر بحدوث التغيير المأمول يكون لها دور كبير كمعوق يحول دون النهضة.
التحدي التنظيمي
فكل أمة من الأمم تحتاج إلى نظم في السياسية والاقتصاد والمال والاجتماع وغير ذلك، وكل منظومة من النظم تشكل عمادًا من أعمدة هذا البيت الكبير، فإذا انهارت النظم في أي مجتمع من المجتمعات كالنظام السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الخلقي فقد انهار جزء من البناء.
التحدي المادي
وهناك تحد في الجانب المادي. فالأمم التي لا تنتج شيئًا يذكر في عالم المعرفة وفي عالم التطبيقات؛ هيهات أن تجد مكانها بين الأمم.
ثانيًا الاستجابة
يؤمن"أرنولد توينبي"- صاحب نظرية"التحدي والاستجابة"- أنه كلما ازداد التحدي تصاعدت قوة الاستجابة حتى تصل بأصحابها إلى ما يسميه بالوسيلة الذهبية.
الوسيلة الذهبية
إن أي حضارة تقوم بمواجهة التحدي الذي يقابلها بسلسلة من الاستجابات، والتي قد تفشل في حل معضلة الحضارة، وحين تهتدي إلى الحل النموذجي تكون قد وصلت إلى الوسيلة الذهبية.
الوسيلة الذهبية
الاستجابة
الحضارة