إن منحنى تقدم الأمم نحو الحضارة لا يسير في خط مستقيم. ولكنه يمر بمنحنيات متغيرة متقلبة تشير بوضوح إلى سلسلة المحاولات السلبية التي مرت بها الأمة أو الحضارة في طريقها نحو القمة، حتى تأتي الوسيلة الذهبية (الاستجابة الصحيحة) فتعيد المنحنى مرة أخرى نحو الصعود. وهكذا تتكرر المحاولات السلبية والوسائل الذهبية حتى تصل الحضارة إلى ذروتها.
إن أمتنا ليست عقيمًا أن تلد أفكارًا تصل بها إلى الوسيلة الذهبية، غير أنها تحتاج سعة أفق وجرأة على التصدي للمشاكل.
الطريق نحو التكرار
نحو النمو
ويبين الشكل كيف أن الاستمرار في الأخذ بالوسائل المجربة التي لم تجد يمثل الدوران حول النفس، بينما لو جربت الأمة طرقًا جديدة لوصلت إلى النهضة، فقط يتطلب الأمر الجرأة على طرق الأبواب الجديدة وعدم الاكتفاء بالوسائل المجربة سالفًا.
لذلك يقول روبرت شولر:"أفضل أن أغير رأيي وأنجح على أن أستمر على نفس الطريقة وأفشل" (1) .
ويقول أديسون:"العديد من التجارب الفاشلة في الحياة تكون عندما لا يدرك الناس أنهم كانوا قريبين من النجاح عندما استسلموا" (2) .
وسئل أديسون ذات مرة هذا السؤال:"لقد قمت بألف تجربة فاشلة قبل التوصل للحل الصحيح. فما هو شعورك؟"فأجاب:"أنا لم أقم بألف تجربة فاشلة، بل تعرفت على ألف طريق لا يؤدي إلى الحل الصحيح".
الطريق نحو التكرار
الطريق نحو النمو
لا أهداف ... أهداف جديدة
كل شئ مألوف ... إثارة
ركود
... إنتاجية أعلى
يوم أمس آخر ... غد جديد
شئ تعيش عليه ... شئ تعيش له
إرهاق ... جودة
تسلية بالعمل المعروف ... استمتاع ببذل الجهد المثمر
مشاكل ... مشاكل
إن المفاصل المؤثرة في تاريخ الحضارات عادة ما كانت تصنعها الأقلية المبدعة، التي تعشق المحاولات، وتهيم بالعثور على الوسيلة الذهبية.
اللبنة المؤثرة
عادة ما تكون أحد هذه الوسائل الذهبية من الضخامة والتأثير بحيث تمثل لبنة هامة وخالدة تبني عليها الحضارات كثيرًا من وسائلها وأشكالها وتحولاتها التالية. وبإمكاننا أن نطلق على هذه الوسيلة (اللبنة المؤثرة) . وسنمثل لذلك بمثالين:
الأول: ما فعله الملك هنري في بريطانيا ونظامها السياسي. ففي القرن الثاني عشر الميلادي قام الملك هنري بتنظيم (1) وضبط الدولة بالقانون، وطبقه بصرامة على جميع المستويات، ودرب الجميع على احترامه. ورغم أن السبعين سنة التالية كانت من نصيب ملوك ضعاف إلا أن نموذج هنري كان قد طبع المجتمع الإنكليزي وأصبح مطلبًا مستمرًا.
والثاني: هو ما فعله نابليون بونابرت في فرنسا بعد قيام الثورة الفرنسية عندما أدخل أساليب الإدارة الحديثة و أنشأ الجامعة لمجابهة التحديات التي كانت تواجهه، ورغم أن تجربته كانت قصيرة إلا أنها بقيت ما يكفي لجعل عدة تغييرات راسخة لا رجعة فيها. وما زال الكثير من هذه النظم معمول بها حتى الآن.
أنواع الاستجابات
1.استجابة فاشلة: وهي تؤدي إلى التخلف. ولها أعراضها الداخلية المتمثلة في الفوضى والتخبط ولها أعراضها الخارجية، المتمثلة بحدة في اعتماد الأمة على الغير في مأكلها ومشربها وحمايتها، بل وحتى في فكرها ونظمها. إنها حالة من الاستلاب للآخر وهي حالة بها كل مقومات"القابلية للاستعمار".
2.استجابة ناجحة: وتمر بعدة أطوار: الصحوة، ثم اليقظة، ثم النهضة، ثم الحضارة.
وسنستعرض بشيء من التفصيل هذه الأطوار الأربعة التي تمر بها أي حضارة حتى تقوم. وهذه الأطوار لا تمثل أطوار الصعود والهبوط للحضارات، وإنما تمثل أطوار الصعود فقط. (1)
أطوارقيام الحضارات
الصحوة:
هي أولى مراحل انقشاع سحب التبلد الذهني. وسنستخدمها هنا لوصف المرحلة الأولى في البعث الحضاري.
من أعراضها الإيجابية: الإحساس بالذات والهوية. ويشعر الإنسان فيها بوجوب الحركة، ولكنه غير مدرك بالمحيط الذي يتحرك فيه.
من أعراضها السلبية: عدم تمتع أشكالها التنفيذية الانطلاقية بالرشد الكامل، فهي في جزء منها قد تبدو فوضوية غير منضبطة.
فالصحوة هي إرهاصات لحالة جديدة تعتري مجتمعًا ما، واضحة أحيانًا ومشوشة أحيانًا أخرى، ولكنها صرخات الجنين الأولى وحركة من صحا من نومه فجأة ولكنه لم يستيقظ بعد ويتنبه لمحيطه الخارجي بشكل سليم، فربما اصطدم بمقعد أو دولاب دون أن يقصد أو يريد ولكن هذه الأخطار تزيده صحوًا وتنقله للاستيقاظ الكامل.
وقد جاءت مرحلة الصحوة للأمة بعد مرحلة سبات عميق وركود مميت مكَّن أقدام المستكبرين من أن تدوس أرضها، وأن تخترق سهام الأفكار الغازية فضاءها العقلي. فانطلقت عمليات البعث الفكري الأولى بدءًا خجولًا في شكل دفاعي؛ لتطور نفسها بعد ذلك في شكل هجومي، ولكنها ظلت حركة عقلية للنخب والمثقفين، وليست زادًا للأمة بعمومها. فقيض الله من رجالات الأمة من نزلوا بهذه الأفكار لجماهير الأمة فبينوا عظمتها وسموها على غيرها، وكشفوا للأمة نقاط ضعف غيرها من الأفكار. ونجحت جهودهم في حشد الجماهير حول الإسلام, فتراجعت أمامهم جميع الأفكار وانزوت وانحصرت، ولولا سطوة السلطان ما بقى منها شيء.
والصحوة في جوهرها تيار عاطفي ضخم. تيار مؤمن بالإسلام ومبادئه, ولكنه قليل الخبرة، ضحل المعرفة بتفصيلات واقعه. تيار يفتقد الخبرة والصبر ليكتشف مناهج التغيير وطرائقه. تيار يتعجل قطف الثمار ولا يحسن فن ترقب الفرص. وفي خضم هذه العجلة دفعت الأمة وطلائعها الشابة الدم والدمع والعرض في مقابل القليل من النتائج. تضحيات كبيرة وثمرات قليلة. إنها مرحلة تعلمت الأمة فيها عقم واقعها وعظمة فكرتها، ولكنها لا تمتلك المناهج وخطط التعامل مع مشكلة الزمان والمكان، ولا تمتلك ما تحتاجه من تعدد الوسائل وطرق العمل وما يلزم لذلك من سعة الفكر والقدرة على الابتكار. وهي مرحلة على ما بها من حركة عشوائية أو شبه عشوائية، وما بها من عثرات طبيعية في مسارات الأمم والشعوب - مرت بها فرنسا واليابان وبريطانيا وغيرهم كثير - إلا أنها ظاهرة إيجابية تدل على أن الأمة قد أفاقت. فإذا نظرنا إلى فرنسا أو أوروبا وتأملنا محاولة التحرر من أسر عصر الظلمات أو الفترة الوسيطة؛ سنجد استجابات عشوائية في البداية، تمثلت في الصراع والتفتت والتجارب والاقتتال الديني وغير ذلك من الأشكال التي عانت منها كل الأمم أثناء تحركها من أجل نهضتها. إنها مرحلة تطول أو تقصر ولكنها موجودة لا محالة. إنها بشارة - رغم ما بها من آلام ومخاض - تقول أن الأمة قررت أن تهجر السكون.
إن طور الصحوة طور التمرد على الواقع، وعدم الاستسلام له، والبحث عن مخرج. وفي هذه الفترة من حراك المجتمعات والأمم ترتكب الأخطاء وتوجد الانفجارات غير العاقلة والصراعات المريرة والتجارب الفاشلة لكن هذا التراكم الضخم من الخبرات يقود إلى مرحلة لاحقة وهي مرحلة اليقظة.
وأما اليقظة:
فهي حالة تالية تنقشع فيها بقايا الخِمار العقلي، ويعرف فيها المرء مكانه ووضعه بالنسبة لما يحيط به من أشياء وبشر، فيكيف حركته ليسير بين عالم الموجودات المادية حوله وينظم علاقته بعالم البشر المحيط به.
* أعراضها الإيجابية: الرشد والوعي والعمل المخطط المدروس. في ظل رؤية تجمع الجهود العملية التي كانت تبدو متباينة أو متضاربة في مرحلة الصحوة. وتصبح القوى الفاعلة في هذه المجتمعات أقدر على رؤية الأرض، وتحديد الزمان والمكان، والممكن وغير الممكن في داخل بنائها. وبالتالي تؤسس لحركة منضبطة تسير شيئًا فشيئًا بالأمة نحو تحقيق أهدافها.