فهرس الكتاب
أما تقديرات السكان في العالم في هذا الوقت ، فقد كان المجموع يصل إلى 400 مليون نسمة، يسكن آسيا 240 مليونًا وأوروبا 80 مليونًا وأفريقيا 70 مليونًا والأمريكتين حوالي 12 مليونًا وبقية العالم مليونان.
وبنظرة واحدة إلى الكثافة السكانية لأوروبا مقارنة بمساحتها ستجد أنها تتفوق على كل من قارة أفريقيا والأمريكتين، الأمر الذي سيكون له أثره بعد قرون طويلة (1) .
ويجب أن نسجل هنا بعض القضايا الهامة:
1.إن من يظن أن الأوربيين امتلكوا الحضارة لأنهم أكثر ذكاء قد أغفل نقطة هامة، وهي أن موطن الإنسان الأصلي كان في الشرق، ثم توالت الهجرات، فلا يوجد جنس مفضل على آخر.
2.كانت الكثافة السكانية العالية في أوروبا من أهم أسباب الإبداع، إذ كلما كثر عدد السكان كلما قلت فرص العمل. فيزاد التحدي وتتعدد المواهب وتزداد المنافسة، والحرص على التميز. وهذا التحدي هو الذي يولد الإبداع. كما أن الكثافة البشرية بطبيعتها تؤدي إلى وفرة في الطاقات.
3.إن الكثافة السكانية العالية في القارة الأوروبية وقلة فرص العمل كانت من عوامل الطرد، مما أدى إلى الهجرات المنظمة من أوروبا إلى استراليا والأمريكتين للبحث عن مواطن جديدة للعمل.
قصة التتابع الحضاري
4000 ق.م
476م
حتى الآن
622م- الهجرة
1600م
3000 ق.م
-المصرية
-ما بين النهرين
(السومريون- البابليون -...)
الفارسية
اليونانية
الرومانية
الإسلامية
الغربية الحديثة
التاريخ
الحضارات
حضارة شرقية
حضارة غربية
2000 ق.م
1000 ق.م
ميلاد المسيح
1000م
2000م
4000 ق.م
1100 ق.م
612 ق.م
486 ق.م
2000 ق.م
330م
509 ق.م
1492م
يبين الشكل كيف أن أغلب الحضارات جاءت موافقة لأفول نجم حضارة أخرى كانت تأخذ منها أفضل ما فيها ثم تزيد عليها إبداعًا لتصنع حضارة جديدة متميزة.
إن معرفة تاريخ الحضارات في صورته الزمنية، يعطي القارئ شيئًا من الإحساس بأن العالم لم يبدأ من هذا القرن، بل إن صنع البشرية فعل تراكمي، يضاعف في كل مرة من رصيد البشرية، ويجعل كل قفزة جديدة، تبدو وكأنها القفزة التي لا تضاهيها قفزة أخرى. وإليك تعاقب الأمم والحضارات وتداولها بين الشرق والغرب:
إن نظرة واحدة إلى ما خلفته الحضارات المصرية والآشورية والكلدانية والفينيقية والفارسية في الكتابة والبناء والطب والفلك، وفي التراث الفلسفي والديني تؤكد لنا مبدأ التلاقح الحضاري للمتجاورين. وتبين كيفية تراكم المعرفة الإنسانية لتعطي في كل مرة نبضًا جديدًا للحياة. وينطبق الأمر على اليونان الذين جاوروا جغرافيًا كل الحضارات التي ولدت حول وقرب البحر الأبيض المتوسط، فورثوا تراث المشرق العظيم ثم أضافوا من إبداعهم إبداعًا وقدموا للبشرية فكرًا وعلمًا سيرثه أهل المشرق بعدها ليعيدوا النظر فيه وينقدوه وينظموه عبر فلاسفتهم العظام كابن رشد وابن سينا وغيرهم. ثم يبدع الشرق قفزته العلمية التي ستنقل البشرية للعصور الحديثة في مختلف العلوم، لتستلم الأمم الغربية هذا التراث فتضيف له ما شاء الله لها ثم سيرثها من يرثها وهكذا.
التقاطع التاريخي
مما سبق يتبين أن نسيج الحضارة صاغته أمم عدة. ولا عجب أن اللاحق يزيد على من سبقه، ولكنه قطعًا لا يبدأ من فراغ. كما يتضح أن الحضارات القديمة هيأت للحضارة العربية الإسلامية كما هيأت الحضارة العربية الإسلامية للحضارة الغربية أرضيتها، رغم كل ادعاءات المبهورين بحضارة الغرب اليوم. وكما ستهيئ الحضارة الغربية الحاضرة الأرضية لحضارة الشرق القادمة بإذن الله. ولطالما التقت الحضارات ببعضها سلبًا وإيجابًا ولكن ما يعنينا نحن هنا هو تقاطعنا الحضاري مع الغرب.
إنه تقاطع تاريخي عميق بين الشرق الإسلامي والغرب، على مساحة الأرض، وعلى مساحة الفكر والتوجيه والقيادة. أمتان، ومشروعان يتدافعان بسبب طبيعتهما. فعلى الجانب الإسلامي أمة سادت الدنيا لمدة عشرة قرون (622م - 1566م) منها ستة قرون تبدأ من القرن السادس إلى الثاني عشر وسيادتها شبه كاملة لا يطمع فيها طامع، وأربعة قرون كانت لها فيها الكلمة الفاصلة وهي ترد الحروب الصليبية منكسرة وتدخل إلى قلب أوروبا لا تلوي على شيء. وعلى الجانب الآخر تقف أوروبا اليوم بكتلتها البشرية العملاقة، وإرثها الديني والوثني، مدججة بمبتكرات القرون الثلاثة الأخيرة الحاسمة في العلم وتطبيقاته، لتنتصر لهزائمها في عشرة قرون، وتسود العالم من أقصاه إلى أقصاه، ولا تعتقد بوجود المقاومة والاستعصاء، إلا فيما أسمته بالخطر الأخضر، هذا الجزء من العالم الذي يبدو مستعصيًا لسبب أو لآخر على الذوبان، في حضارة المنتصر.
ويجب أن نسجل هنا بعض القضايا الهامة:
1-إن كل الحضارات إنما قامت في مكان متقارب حول البحر الأبيض المتوسط فهي ليست حضارات متباعدة. وإن ادعاء أن إبداعها خالص غير متأثر بالآخرين أمرٌ تنقصه العلمية. فقد كان الاتصال فيما بين هذه الحضارات في الحرب والسلم كان قائمًا فالتلاقح بينها كان مستمرًا.
2-إن سبعًا منها هي حضارات شرقية، فالشرق هو منبت الحضارات على سبيل الحقيقة لا على سبيل الاستعلاء الجغرافي، وهو الأغزر إنتاجًا في مجالات عدة. ولقد عرفت أقدم هذه الحضارات - وهي الحضارة المصرية - الهندسة والمعمار وفنون الزراعة والري والطب، وكونت لها فلسفة حول الإله والبعث والحساب، وكتبت، ونقشت، ولونت. بينما اختفى الغرب عن الخارطة الحضارية، حتى ظهور الحضارة اليونانية. فادعاء أن العلم بدأ في الغرب اليوناني غير صحيح.
3-إن تنظيم الجيوش وتدريبها كان قائمًا في كل الحضارات وقوتها العسكرية خضعت لأمور كثيرة فليس كل من انتصر عسكريًا كان الأكثر تحضرًا. ولا ينبغي أن يستشهد على عظمة الحضارة الرومانية بقوة الجيش الروماني وتوسعه بقيادة الإسكندر المقدوني. فإن الحضارة الرومانية عندما انحسرت لم تترك شيئًا يذكر في تشكيل عقلية شعوب تلك المناطق. بينما نجد الحضارة الإسلامية تستوعب الشعوب في ظلالها. فتنتشر اللغة العربية، بل وتدافع هذه الشعوب التي دخلت في الإسلام حديثًا عن حمى الدولة الإسلامية. هذا مع قلة أعداد الفاتحين المسلمين بالمقارنة بالجحافل الجرارة للمستعمر الروماني. ولا تزال شعوب المستعمرات الرومانية السابقة تعتنق الإسلام. هنا تأتي الفاعلية الحضارية كمعيار وليست القوة العسكرية. كما أن الانتصار لا يعني بالضرورة التحضر. فقد ينتصر المؤمنون بأفكارهم، والمستعدون للتضحية في سبيلها،و الذين يجمعهم قائد مقدام، قد ينتصرون على الشعوب الأكثر تحضرًا. فها هم التتار يجتاحون العالم الإسلامي المتحضر. بينما كانوا قبائل تحيا البداوة. كذلك سقط الرومان - الأكثر تحضرًا - في أيدي البرابرة.
6-إن بلاد الإغريق دخلت تحت حكم الفرس في عهد سطوتهم. فقد شربت من حضارة
المشرق مباشرة.
7-إن بلاد اليونان لا تشكل من أوروبا إلا نقطة في بحر وكذلك روما. فادعاء أن أوروبا كل أوروبا مهد للحضارة وهم لا صحة له.
8-إن امتداد الحضارة الرومانية كان شرقيًا، أما ما وراء حدود روما من الشعوب بكل أقسامها (الجرمان والساكسون...) حسب التعبير الروماني هم قبائل برابرة. وكان الرومان يستعلون على شعوب أوروبا، وينظرون إلى من خارج أسوار روما أنهم متوحشون، ولم يكن الرومان يرون بقية أوروبا امتدادًا حضاريًا لهم. وكان سقوط الرومان في أيدي البرابرة بمثابة نكبة للحضارة الغربية، إذ بدأ بعدها ما يسمى بالعصر الوسيط أو"عهود الظلام".