فهرس الكتاب
بل إن أوروبا لم تتعرف على التراث اليوناني إلا عبر الحضارة الإسلامية. واكتشاف قيمة التراث اليوناني في الفلسفة والمنطق لم يتم إلا عن طريق الفلاسفة المسلمين كابن رشد وابن سينا وغيرهم، الذين درسوا للغرب كتابات أرسطو، ونقحوا التراث الغربي وقدموه لأوروبا. إن التراث اليوناني يعد اكتشافًا إسلاميًا، تم حفظه وتنقيحه وإعادة إنتاجه وتصديره للإنسانية عن طريق المسلمين.
البندول الحضاري
تصور الكثيرون - وبسبب ضغط اللحظة الحاضرة - أن الحضارة بضاعة غربية، ونحب أن نؤكد حقيقة بسيطة وهي أنّ الشرق الذي يندب اليوم حظه، وينظر بإعجاب إلى الغرب المتفوق؛ يجب أن لا تغيب الحقيقة عن عينيه، وهي أن منبت الحضارة كان هنا في الشرق لقرون متطاولة، فهذه الأمم المتراجعة اليوم، كانت يومًا تعتلي قمة الحضارة البشرية، ومنها بدأت تهب رياح التغيير على الإنسانية. ومع ذلك فإن حركة البندول الحضاري لم تتوقف عندها. فما هو هذا البندول؟
إن التاريخ ينبئنا أن الحضارات العظمى قد بدأت في مصر، وبلاد ما بين النهرين، وفارس وكلها حضارات شرقية، وما لبث البندول أن تحرك إلى الغرب ليقرع أبواب اليونان وروما، ثم غادر الغرب لقرون متطاولة تقرب من ألف عام ليستقر في مكانه في الشرق على يد الحضارة الإسلامية، وهو اليوم في الغرب ثانية على يد الحضارة الأوروبية، وهو عائد إلى مبتدئه مهما بدا للإنسان- كما
هو الحال في كل الفترات السابقة - أن حركة البندول قد انتهت وأنه قد توقف وإلى الأبد في مكان واحد لا يغادره.
الشرق
الحضارة المصرية القديمة.
حضارات ما بين النهرين.
الحضارة الفارسية.
الحضارة المرتقبة
الشرق
الغرب
الغرب
الشرق
الحضارة الغربية
الحديثة
الشرق
الغرب
الشرق
الغرب
الحضارة اليونانية.
الحضارة الرومانية.
الحضارة الإسلامية
النموذج الثاني
تراكم معرفي وإبداع جديد
تقاطع تاريخي
تقاطع تاريخي
تقاطع تاريخي
نشأة الإنسان
(في المشرق)
هجرات متتابعة غير منظمة
استيطان حول الأنهار
قيام حضارات شرقية
(المصرية -الآشورية -الكلدانية - ...)
قيام حضارات غربية
(اليونانية - الرومانية)
قيام حضارة شرقية
(الإسلامية)
قيام حضارة غربية
(الحديثة)
هجرات متتابعة منظمة
الحضارة المرتقبة
(شرقية)
تراكم معرفي وإبداع جديد
تراكم معرفي وإبداع جديد
تراكم معرفي وإبداع جديد
تقاطع تاريخي
تراكم معرفي وإبداع جديد
هذا النموذج يعينك على استيعاب تسلسل وتلاقح الحضارات.
الخلاصات:
* إن مفهوم الحضارة عكس مفهوم البداوة. وأي أمة تنتقل من طور الترحال والبداوة إلى طور الاستقرار والإضافة في المجالات العلمية والتطبيقية فهي أمة متحضرة.
* إن معرفة تاريخ الحضارات في صورته الزمنية، يعطي القارئ شيئًا من الإحساس بأن العالم لم يبدأ من هذا القرن، بل إن صنع البشرية فعل تراكمي، يضاعف في كل مرة من رصيد البشرية.
* إن من يظن أن الأوربيين امتلكوا الحضارة لأنهم أكثر ذكاء قد أغفل نقطة هامة، وهي أن موطن الإنسان الأصلي كان في الشرق، ثم توالت الهجرات، فلا يوجد جنس مفضل على آخر.
* كانت الكثافة السكانية العالية في أوروبا من أهم أسباب الإبداع.
* إن تنظيم الجيوش وتدريبها كان قائمًا في كل الحضارات وقوتها العسكرية خضعت لأمور كثيرة فليس كل من انتصر عسكريًا كان الأكثر تحضرًا.
* لم تتعرف أوروبا على التراث اليوناني إلا عبر الحضارة الإسلامية.
* إن فكرة البندول الحضاري تؤكد أن حركة البندول لا تتوقف عند أمة بعينها، بل إن تداول الحضارات قائم ومستمر بين الشرق والغرب. والبندول عائد للشرق لا محالة.
الباب الثالث
تقسيم التاريخ
أهم الأسئلة التي يجيب عليها الباب
* كيف قسم علماء الغرب التاريخ البشري؟
* ما هي النقاط المفصلية في تاريخ البشرية من وجهة نظر المؤرخين الغربيين؟
* لماذا اختار المؤرخون هذه الأحداث كنقاط مفصلية بين كل مرحلة وأخرى من مراحل التاريخ البشري؟
* ما الذي تستنبطه من هذا التقسيم بنقاطه المفصلية؟
* ما الذي تستفيده من معرفة تقسيم التاريخ؟
يقسم المؤرخون الغربيون (1) التاريخ إلى قسمين كبيرين يفصل بينهما"اختراع الكتابة"وهذا القسمان هما:
1.عصور ما قبل التاريخ
وتبدأ بأول وجود للإنسان على الأرضٍ قبل مليونين من السنين على وجه التقريب إلى أن توصل الإنسان"لاختراع الكتابة"في الألف الرابعة قبل الميلاد (ميلاد المسيح) .
2.عصور التاريخ
وتبدأ من 3500 ق.م. حتى اليوم وتقسم إلى ثلاثة أقسام حسب التصور الغربي وهي:
* التاريخ القديم: منذ 3500 ق.م. إلى سقوط روما 476م على يد البربر (2) الجرمانيين.
* التاريخ الوسيط: منذ سنة 476م إلى سقوط القسطنطينية 1453م (أي ما يقرب من عشرة قرون) .
* التاريخ الحديث: ويبدأ من سقوط القسطنطينية إلى يومنا الحاضر.
ونلحظ من هذا التقسيم أن المؤرخين الغربيين اختاروا ثلاث نقاط مفصلية لتكون الفاصل بين مرحلة وأخرى وهي:
1.اختراع الكتابة (3500 ق.م.) .
2.سقوط روما سنة 476 م على يد قبائل البربر الجرمانيين.
3.سقوط القسطنطينية سنة 1453م على يد محمد الفاتح.
أولًا: اختراع الكتابة
اعتبر المؤرخون الغربيون اختراع الكتابة حادثًا هامًا جدًا وفاصلًا بين مرحلتين كبيرتين في تاريخ البشرية، وهما: مرحلة ما قبل التاريخ ومرحلة التاريخ القديم. وذلك لأن هذا الاختراع يمثل بداية عصر التدوين والتأريخ وهو ما يتيح للبشرية معرفة الأحداث التي مرت بها في عصورها القديمة وتتبع صعود وهبوط الحضارات والأحداث الكبرى التي أثرت في مسار التطور البشري.
ثانيًا: سقوط روما سنة 476م
يعتبر المؤرخون الغربيون سقوط روما على يد البربر الجرمانيين من الأحداث الهامة والفاصلة في حياة البشرية، والتي تعد فاصلًا بين مرحلتي التاريخ القديم والتاريخ الوسيط. وهنا لابد أن ننتبه إلى عدة أمور:
* أن أوروبا تنظر إلى العالم من خلال منظارها، وترى أنها رائدة البشرية وأن الأحداث التي مرت بها القارة الأوروبية هي أهم الأحداث في تاريخ البشرية. ونشير هنا إلى أن حدث سقوط روما قد يكون حدثًا مفصليًا في التاريخ الأوروبي ولكنه ليس بالضرورة حدثًا حول مجرى التاريخ البشري كله خاصة وأنه عاصر هذا الحدث العصر الذهبي للحضارة الهندية مثلًا والذي تجلى في سعادة الشعب الهندي وثرائه وإشاعة الأمن والاستقرار وتشييد المدن
الكبرى والمستشفيات وغيرها من مؤسسات الإحسان التي امتلأت بها البلاد، وغصت الجامعات والأديرة بالطلاب وامتازت القصور الملكية بالفخامة والعظمة، وهكذا نرى أن هذا الحدث الذي تراه أوروبا فاصلًا في حياة البشرية لا يعد كذلك بالنسبة للحضارة الهندية القديمة.
* اعتبر المؤرخون الأوربيون سقوط روما على يد البربر الجرمانيين خطبًا جليلًا رغم أن هذا السقوط تم على يد أوروبيين أيضًا، وهذا يوضح طبيعة الحضارة التي كانت سائدة في أوروبا في هذا الوقت. فهي لم تكن حضارة ؛ بل كانت بداوة تغير فيها القبائل على المراكز الحضرية.
ثالثًا: سقوط القسطنطينية سنة 1453م
يعتبر هذا الحدث فاصلًا بين مرحلتين وهما التاريخ الوسيط والتاريخ الحديث. ولابد أن نعلم أن التاريخ الوسيط يطلق عليه في التاريخ الأوروبي عصر الظلام، بينما كان في التاريخ الإسلامي هو عصر الازدهار بل العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.