فهرس الكتاب

الصفحة 650 من 1942

ولعل مما تحسن الإشارة إليه أن دار الأيتام القائمة حاليًا في المدينة المنورة تعد من الأوقاف التي أنشأها حجاج القارة الهندية قبل قرابة سبعين عامًا لأيتام المدينة المنورة ففي عام1352هـ قام الشيخ عبدالغني دادا- يرحمه الله- بتأسيس مكان يأوي أيتام المدينة المنورة وأوقف عليها دارا له واستمر الصرف عليها من غلة ذلك الوقف بالإضافة إلى المساعدات التي كانت تصله من الهند إلى أيتام الدار، حتى أنشئت وزارة العمل والشئون الاجتماعية وتولت الإشراف الكامل عليها، وما زال مبناها الحالي وقفًا على أيتام المدينة المنورة، وهذا مثبت في صك شرعي صادر من محكمة المدينة المنورة عام (1356 هـ) (8) .

وخلاصة القول فيما يذكر من جوانب عملية آنفة تجاه رعاية الأيتام والعناية بهم توفير حياة كريمة لهم مثل باقي أفراد المجتمع يدل على أن الوقف كان له دور كبير في سد ثغرة اجتماعية كان سيعاني منها المجتمع المسلم في حالة إهمالها، وهذا يؤكد أهمية الوقف في علاج بعض المشكلات الاجتماعية في المجتمع.

ب) في مجال رعاية الغرباء والعجزة:

لقد أدت الأوقاف دورا مهمًا في تحقيق الرعاية الاجتماعية الشاملة للغرباء والعجزة بشكل عام، فما من مدرسة ينشئها الواقفون إلا ويوضع بجوارها بيت خاص للطلاب المغتربين ويجري عليهم فيها ما يحتاجونه من غذاء. لذا لا عجب أن نجد تلك الحركة البشرية المتواصلة بين المدن والقرى في العالم الإسلامي، طلبًا للعلم في المدارس الوقفية، فلا يوجد ما يعوق طلب العلم فالطرق قد أمنت بالأسكنة الوقفية، والمدارس قد تم تجهيزها بالغرف الخاصة بالغرباء، وقد تزايدت تلك الظاهرة بشكل ملفت للنظر، وقد أبدى ابن جبير إعجابه الشديد لما لمسه في بلاد المشرق الإسلامي من عناية بالغرباء، فقال: (إن الوافد من الأقطار النائية يجد مسكنًا يأوي إليه ومدرسًا يعلمه الفن الذي يريد تعلمه، واتسع عناية السلطان بالغرباء حتى أمر بتعيين حمامات يستحمون فيها ونصب لهم مارستانًا لعلاج من مرض منهم، ولقد عين لهم السطان خبزتين لكل إنسان في كل يوم وزكاة العيد لهم) وحسبك من هذا أن صلاح الدين قد خصص للغرباء من المغاربة جامع ابن طولون في مصر يسكنونه وأجرى عليهم الأرزاق في كل شهر.

أما الربط وهي الأماكن التي تم إعدادها على الثغور للمجاهدين وصد هجمات الأعداء فقد تحولت مع الوقت هي والحانات والتكايا والزاويا إلى أماكن للمتفرغين للعبادة من الجنسين، فكان ينقطع فيها من يرغب التفرغ للعبادة، ويجري عليها الواقفون الجرايات اليومية من غذاء وكساء، وهذا النوع من الأوقاف ينتشر بشكل كبير جدا في مدن وقرى العالم الإسلامي فمن يطلع على رحلة ابن بطوطة فسيجد العجب فما مر على قرية أو مدينة في البلدان الإسلامية التي زارها في رحلته إلا ويذكر مثل هذه الأربطة والزوايا بل كان من المستفيدين منها وسكن في بعضها، ومع تطور الوقت تحولت بعض هذه الأربطة إلى ملاجئ مستديمة للذين يستحقون الرعاية، وخاصة أصحاب العاهات وكبار السن والعميان والمطلقات وهذا التحول أدى بها إلى تحقيق رسالة اجتماعية، ذلك أنها غدت مأوى للغرباء والعجزة وضعفاء المجتمع، وجميع هذه المنشآت وجدت في نظام الوقف أكبر رافدًا مكنها من مواصلة رسالتها. ولازالت بعض هذه الأربطة تؤدي هذه الرسالة في العالم الإسلامي ويمكن رؤية العديد منها في كل من مدينة مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث أصبحت مأوى للعديد من العجزة، والمرضى، والمعاقين، وكبار السن وأحيانًا العاطلين، وهذا ما أظهرته الدراسة التي قامت بها وزارة العمل والشئون الاجتماعية عام 1419 هـ عن الأربطة في منطقة مكة المكرمة (مكة المكرمة، جدة الطائف) ومنطقة المدينة المنورة.

ج) في مجال رعاية الفقراء والمعدمين:

لاشك أن الأوقاف باعتبارها صدقة جارية قد قامت بدور كبير في مجال الرعاية الاجتماعية والضمان الاجتماعي في المجتمع المسلم، فمن اللافت للنظر أن وثائق الأوقاف في غالبها تنص على مساعدة الفقراء والمحتاجين، بل إن هذا يعد ركنًا أساسيًا في الوقف، إلا أن المساعدات تكون بأشكال وأنواع مختلفة، فمن ذلك توزيع المساعدات النقدية، وأحيانًا أخرى العينية ومما يذكر في هذا المجال أن السطان الظاهر بيبرس أوقف وقفًا لشراء الخبز وتوزيعه على المعدمين.. وتجاوز الأمر إلى رعاية أولئك الفقراء حتى بعد وفاتهم ويكون ذلك بتحمل تكاليف تغسيلهم وتكفينهم ودفنهم، ومن أشهر هذه الأوقاف (وقف الطرحاء) الذي جعله الظاهر بيبرس برسم تغسيل فقراء المسلمين وتكفينهم ودفنهم.

ومن وجوه البر التي اهتم الواقفون بالصرف عليها من ريع أوقافهم كسوة العرايا والمقلين وستر عورات الضعفاء، والعاجزين وإرضاع الأطفال عند فقد أمهاتهم ووفاء دين المدينين، وفكاك المسجونين المعسرين وفك أسرى المسلمين العاجزين وتجهيز من لم يؤد الحج من الفقراء لقضاء فرضه، ومداواة المرضى غير المقتدرين وكان مما حدده السلطان المملوكي الأشرف شعبان لمصاريف أوقافه أن جعل منها نفقات خيرية سنوية تشمل تأمين الإبر والخيوط للفقراء بمكة المكرمة.

كما كان هناك أوقاف خيرية تنفق على اسر السجناء وأولادهم، حيث يقدم لهم الغذاء والكساء وكل ما يحتاجونه لحين خروج عائلهم من السجن، كما وجد مؤسسات وقفيه لتجهيز البنات إلى أزواجهن ممن تضيق أيديهم أو أيدي أوليائهم عن نفقات تجهيزهن.

ثالثا: الدور ا لاجتماعي للأوقاف

لا تخلو أي دراسة عن الوقف من ذكر الآثار المترتبة عليه، إلا أن التركيز غالبًا ما يكون على الأدوار الاقتصادية أو الأدوار التعليمية للأوقاف رغم أن الدور الاجتماعي للأوقاف لا يقل عن الأدوار الاقتصادية والثقافية والصحية إن لم يفارقها ولا يكاد يوجد جانب من جوانب الحياة في المجتمع المسلم إلا ولها صلة بنظام الأوقاف من قريب أو بعيد، بل يرى أحد الباحثين أن الأوقاف عمل اجتماعي دوافعه في أكثر الأحيان اجتماعية وأهدافه دائمًا اجتماعية، فالأوقاف الإسلامية في الأصل عمل اجتماعي، ويمكن أن نورد بعض الآثار الاجتماعية المترتبة على الوقف، أو التي كان للوقف دور في تعزيزها في حياة المجتمع وترسيخها على مدى القرون الماضية، فلقد ساعد الوقف على تحقيق الاستقرار الاجتماعي وعدم شيوع روح التذمر في المجتمع وذلك نوع من المساواة بين أفراده فقد تمكن الفقير من الحصول على حقه من المتطلبات الأساسية في الحياة من خلال نظام الوقف بل إن بعض الأوقاف كان يخصص ريعها للفقراء ويشير بعض الباحثين إلى أن (الآلاف الكبيرة من المجتمع من العلماء المبرزين في مختلف التخصصات كانوا من فئات اجتماعية واقتصادية رقيقة الحال) .

كما تمكن الوقف بما يمتلكه من مرونة من بسط مبدأ التضامن الاجتماعي وشيوع روح التراحم والتواد بين أفراد المجتمع وحمايته من الأمراض الاجتماعية التي تنشأ عادة في المجتمعات التي تسود فيها روح الأنانية المادية وينتج عنها الصراعات الطبقية بين المستويات الاجتماعية المختلفة، وهناك من يرى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد حمت مجتمعها من امتداد ثورة العمال التي برزت مع الثورة البلشفية في روسيا إلى المجتمع العمالي في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال التوسع في فتح أبواب العمل الخيري وتشجيع الشركات والأثرياء بإعفاءات كبيرة لمن تقدم منهم على الأعمال الخيرية فزادت المؤسسات الخيرية وتضاعفت الهبات حتى بلغت مئات الملايين في وقت مبكر من هذا القرن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت