فهرس الكتاب

الصفحة 651 من 1942

كما أن في الوقف توزيعا عادلًا في الثروات وعدم حبسها بأيد محدودة مما يجعلها أكثر تداولًا بين الناس لأن الواقف عندما يوصي بتوزيع غلة موقوفاته على جهة من الجهات، يعني توزيع المال على الجهة المستفيدة وعدم استئثار المالك به.

إن المتأمل لنظام الوقف في الإسلام يرى بوضوح كيف عمل ذلك النظام المتكامل علي تعزيز روح الانتماء بين أفراد المجتمع وشعورهم بأنهم جزء من جسد واحد تحقيقًا لحديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) (رواه البخاري) .

وهذا الشعور بالانتماء يشمل الطرفين الواقف والمستفيد من الوقف فالواقف استشعر دوره المناط به في المجتمع وخصص جزءًا من ماله لسد حاجة من حاجات المجتمع والمستفيد من الوقف يستشعر بعين التقدير مدى حاجته للانتماء لجسد المجتمع الواحد الذي قام أثرياؤه بإسعاد فقرائه من خلال نظام الوقف.

إن الدارس للأثر الاجتماعي للوقف لابد أن تستوقفه نوعية الطبقة الاجتماعية التي استفادت بشكل كبير من الوقف وكيف استطاع تغييرها وتحقيق ما يسمى بظاهرة (الحراك الاجتماعي) في بنية المجتمع. والحراك الاجتماعي يقصد به: انتقال الأفراد من مركز إلى آخر في نفسي الطبقة.. وقد يكون رأسيًا وهو انتقال الأفراد من طبقة اجتماعية إلى طبقة اجتماعية أعلى ولقد مكن التعليم الوقفي و الرعاية الاجتماعية والوقفية من تغير طبقات المستفيدين منه أفقيًا رأسيا وفق مفهوم الحراك الاجتماعي، فساعد نظام الوقف على تحسين المستويات الاقتصادية، والعلمية والثقافية لكثير من أفراد المجتمع، فالتعليم الجيد الذي قد يحمله شخص موهوب قد ينقله ليس! لأن يتسلم مرتبة الإفتاء والقضاء فحسب، بل يتمرس في العمل الإداري وتيسير أمور الدولة أو في أي مهنة متخصصة كالطب أو الإدارة أو غيرها والتي قد لا تتاح له لولا أن أموالا موقوفة قد سهلت له سبيل التعليم.

وإضافة لكل ما سبق فقد كان لنظام الوقف ومصارف غلالها الدور الكبير في تعزيز الجانب الأخلاقي والسلوكي في المجتمع من خلال التضييق على منابع الانحراف، فقد كانت توجد العديد من الأوقاف لرعاية النساء اللاتي طلقن أو هجرهن أزواجهن حتى يتزوجن أو يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهم وللمجتمع ويكون ذلك بإبداعهن الرباط، حيث ينقطعن عن الناس، وفيها من شدة الضبط وغاية الاحتراز، وتؤدب من خرجت عن الطريق بما تراه، وتجرى عليهن من الأوقاف. فتنقطع حاجتهن التي قد تلجئهن إلى سلوك دروب الانحراف بسبب الحاجة.

كما وجدت أوقاف خاصة لتخليص السجناء ووفاء ديونهم، وفكاك أسرى المسلمين، كما وجدت أوقاف خيرية تنفق على أسر السجناء وأولادهم، حيث يقدم لهم الغذاء والكساء وما يحتاجونه من أمور أخرى. وعلاوة على الصرف على المساجين وعوائلهم من أموال الوقف كانت هناك بعض الأوقاف مخصصة للصرف على الفقهاء بشرط أن يؤموا المساجين أوقات صلواتهم وأن يدرسوا ويفقهوا السجناء ويقودوهم في حياتهم العملية ليخرج هؤلاء من السجن وقد استفادوا علمًا من العلوم أو حرفة من الحرف، وهذا ما يسمى في الوقت الحاضر بالرعاية اللاحقة وهي الرعاية التي تقدم للسجين وأسرته في أثناء سجنه، حتى لا يعود إلى الانحراف مرة أخرى، وحتى لا ينحرف أحد أفراد أسرته بسبب غيبته عنهم وعدم وجود الولي والرقيب عليهم.

وجماع القول في هذا المبحث أن للوقف دورًا اجتماعيًا كبيرًا ومهما، ورغم عدم وضوحه في بعض الأحيان وذلك يعود إلي تأخر ظهور الآثار الاجتماعية في حياة المجتمعات واحتياجها إلى سنوات وأحيانًا إلى عقود طويلة من السنين والأعوام لتتضح للعيان، وهذه الآثار في جملتها آثار إيجابية نافعة، وهذا ما يؤكد ضرورة العودة بالوقف إلى دوره الفعال في المجتمعات المسلمة لجني ثماره الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بشكل متوازن ومتكامل.

رابعًا: كيف يعاد دور الوقف في مجال الرعاية الاجتماعية؟

لعل فيما ذكر في المباحث السابقة ما يوضح الأثر الكبير المتوقع من الوقف في مجال الرعاية الاجتماعية وليس ذلك بغريب، فإن المتأمل في تاريخ الأمة ليجزم وبقوة أن الرعاية الاجتماعية في المجتمع المسلم طوال القرون الماضية لم توجد إلا عن طريق الوقف.

وفي عصرنا الحالي، ورغم وجود مفهوم الدولة القائم بشكله المعاصر، بكثير من الخدمات الاجتماعية التي كانت تقدم بها الأوقاف سابقًا، إلا أن الظروف المالية للدول توجب إعطاء الوقف دوره الحقيقي في المساهمة في جوانب الرعاية الاجتماعية وهذه المشاركة من قبل أثرياء الأمة لا تعني تقليل الأعباء عن الحكومات بقدر ما تؤدي إلى ترسيخ قيم الانتماء في النفوس للمجتمع المسلم الكلي وجعل أفراد الأمة أكثر استعدادا للمشاركة الفعالة في تبني هموم المجتمع والتخفيف من الإتكالية الشائعة لدى الناس اعتمادًا على جهود الدولة، والدولة فقط.

وهذا الأمر ليس بدعًا من القول، فلقد كانت الأوقاف على مر التاريخ إحدى الروافد الأساسية لبيت المال يصرف ريعه على جهات البر المختلفة من مؤسسات دينية وصحية إلى جانب كثير من المنشآت التعليمية والصحية والمرافق العامة الأخرى. ومما يدعو إلى الأخذ بهذا الاتجاه هو النتائج الإيجابية المتوقعة من اضطلاع الوقف بدوره في مجال الرعاية الاجتماعية، ذلك أن الأوقاف وإدارتها يمكنها أن تملك من المرونة الإدارية والاجتماعية مالا تملكه الإجراءات الرسمية وهذه المرونة هي ما تحتاجه برامج الرعاية الاجتماعية بشكل عام بعيدًا عن الجمود الروتيني والأنظمة المقيدة.

وهذا لا يعني أن عدم الاستفادة من الوقف في الوقت الحالي عائد إلى كون الأوقاف تسيرها الأنظمة الروتينية المقيدة في كثير من الأحيان، بل إن معوقات الاستفادة من الأوقاف في مجال الرعاية الاجتماعية في العصر الحالي قد يكون من الواقفين أنفسهم وذلك بجعل مصارف الوقف في أشياء قد تكون الحاجة الحقيقية للمجتمع قد تجاوزتها، ومن هذا كله فإن الحاجة ماسة لتكثيف الدعوة نحو إعادة الوقف لموقعه الطبيعي في نهضة الأمة الإسلامية بشكل عام، والمملكة العربية السعودية بشكل خاص فهي كيان مهم في العالم الإسلامي، فما يتم على الأوقاف في المملكة يعد مثالًا يحتذى به لاعتبارات عدة لا تخفى.

وفيما يلي طرح لبعض المقترحات عن كيفية إرجاع في دور الوقف في مجال الرعاية الاجتماعية واقتراحات أخرى تتعلق بوضع الأوقاف في المملكة، وهي مقترحات عامة أجزم أن في مناقشتها إثراء لها للوصول إلى ما يطمح إليه الجميع بإذن الله فمن ذلك:

1-تنفيذ حملة إرشاد وتوعية تهدف إلى إبراز قيمة الصدقات وأجر الإنفاق في سبيل الله، وبخاصة ما كان منها صدقة جارية (الوقف) للإقبال على إحياء هذا النظام وجعله يؤدي دوره.

2-استمرار عقد الندوات العلمية المتخصصة في الأوقاف وطرحها بشكل موسع بحيث تكون المشاركات من دول العالم الإسلامي وعدم قصرها على المستوى المحلي.

3-إبراز دور الوقف الاجتماعي في النهضة الإسلامية وطرحها عبر القنوات الإعلامية، مع التركيز على ضرورة التنوع في مصارف غلال الأوقاف وفق حاجات المجتمع التي تسد الثغرات الاجتماعية.

4-طباعة أبحاث الندوات التي أقيمت عن الوقف في كتب وطرحها إلى الأسواق للبيع وعدم الاقتصار على التوزيع المجاني لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت