فهرس الكتاب

الصفحة 733 من 1942

فهذه القواعد السالفة الذكر ، وغيرها مما جاء بها القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وتكون بتكاملها المنطلق الأساس لعقد المواطنة في نظام الإسلام وشرعته ، الذي يؤكد أن المواطنين على اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والعرقية ، وهم أمة واحدة تتساوي مصالحهم ، وتتكامل حقوقهم وواجباتهم ، وأن أمنهم واحد ، ومصيرهم واحد ، من غير تمايز ولا تفاضل بينهم إلا بالعمل الصالح ، ميثاق المواطنة (العقد الاجتماعي الوطني ) في الإسلام يقوم على ما يلي:-

أ. دين الدولة: الإسلام (دين الأكثرية ) القرآن والسنة النبوية المطهرة هما المصدر الأساس والوحيد لمطلقات وثوابت الشريعة الإسلامية ، والإسلام هو أساس الهوية الثقافية والحضارية للمجتمع .

ب. عقد الإيمان: وهو للجميع وذلك بإنفاذ شريعته سبحانه وتعالي في تحقيق مصالح المواطنين، وإقامة العدل بينهم وصون كرامتهم ، وتوفير أسباب رزقهم وأمنهم واستقرارهم.

ت. عقد الأداء: وهو عقد بين الحاكم والمحكومين من المسلمين ، يلتزم الجميع بموجبه بإنفاذ ما اتفقت عليه إرادة الأمة ، من قيم ومبادئ ونظم وأعراف وتقاليد مثل: الدستور وغيره في إطار عقد الإيمان وما تضمنه من ثوابت ومنطلقات ، والعمل معًا على تحقيق مصالح الناس وصون البلاد وأمنها واستقرارها وسيادتها .

وهذا يعني ويؤكد بوضوح ما يلي:-

1.أن الله تعالى: على أساس من ( عقد الإيمان ) هو المصدر الوحيد لثوابت ومنطلقات التشريع في المجتمع المسلم ( مجتمع الأكثرية) .

2.أن الحاكم على أساس من ( عقد الإيمان ) ،والتزامًا بعقد (الأداء) : مسؤول أمام الله تعالي ، و مسؤول أمام الشعب عن التزام وتطبيق شريعة الإسلام والتزام وإنفاذ ما اتفقت عليه إرادة الأمة من مواثيق ونظم (الدستور وغيره ) ، والعمل بأمانة وإخلاص على إقامة العدل بين الناس جميعًا .

3.أن الشعب على أساس من (عقد الإيمان) والتزامًا بما ينص عليه (عقد الأداء ) ويتناقص مع مواثيق عقد الإيمان وعقد الأداء ومطالب كذلك بتحمل مسؤولياته في إعانة الحاكم [ولي الأمر] وبذل النصح والمشورة له بما يعينه على أداء مهامه ومسؤولياته وواجباته ,وفق عقد الإيمان وعقد الأداء ,وبما يحقق مصالح المواطنين وأمن البلاد وسيادتها وارتقاءها . والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا: وماذا عن موقع المواطن غير المسلم في ميثاق المواطنة (العقد الاجتماعي الوطني ) في الإسلام ؟.

ونجيب فنقول: وحيث أن المظنة بأهل الإيمان بالله تعالى أيًا كانت طبيعة اعتقادهم أنهم من حيث الأصل والمبدأ يحرصون على تحقيق إرادة الله تعالى ومرضاته ، وعلى أساس من هذا الظن الحسن أعتقد أن العقد الاجتماعي في الإسلام يتسع بكل موضوعية وجدية للمواطنين غير المسلمين في ضوء التوضيح التالي:

أولًا: أحسب أن عقد الإيمان يتسع لهم ، باعتبار أن ثوابت الشرائع الربانية التي جاء بها الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام متكاملة ، ولا تصادم ولا تناقض بينها من حيث الأصل، وقد أكدت جميعها على إقامة العدل ، وكرامة الإنسان وحريته ، وعلى الحب والتسامح في مرضاة الله ، والتعايش الآمن بين الناس ، وعلى سلامة البيئة وعدم إفسادها، وحثت على استثمار ما في السموات والأرض لصالح كرامة الإنسان وصون حياته، والشريعة الإسلامية تؤكد على ذلك كله

وثانيًا: فعقد الإيمان هو الضامن والحارس الوجداني لتحقيق هذه القيم الربانية وغيرها من أجل صون كرامة الناس جميعًا.

ويتسع ( ثالثًا ) لفعاليتهم وممارسة حقوقهم وأداء واجباتهم ، باعتبار أن كل مواطن من حيث الأصل والمبدأ يحرص على:

1.حرية اعتقاده وممارسة عبادته .

2.احترام خصوصياته وحقه بالاحتكام إلى قيمه الدينية فيما يتعلق بشؤونه الشخصية.

3.تأمين مصالحه الدنيوية دون الإضرار بمصالح غيره ، ومن دون انتقاص أو تميز.

4.تحقيق طموحاته وآماله الشخصية والوطنية في سياق المصالح العامة للمواطنين.

5.العيش بكفاية وأمن واستقرار.

6.المشاركة في خدمة بلده ، والمحافظة على أمنه واستقراره وسيادته.

وباعتقادي أن ذلك كله وغيره مضمون ومكفول في العقد الاجتماعي في الإسلام ، ولمزيد في التوضيح نقول أن الإسلام كما هو معلوم عقيدة وشريعة.

والعقيدة: وهي التي تمثل الخصوصية الدينية للمسلم ..فقد حسم الإسلام أمر الآخرين معها بقول الله تعالى: ( لكم دينكم ولي دين) ، أي أن المواطن غير المسلم في المجتمع غير المسلم له حرية الاعتقاد وله حرية ممارسة العبادة.

أما الشريعة: فهي تتكون بصورة رئيسة من شقين اثنين:

1.قواعد وأحكام ومبادئ تتعلق بالأحوال الشخصية .

2.قواعد ومبادئ ونظم وضوابط تتعلق بالحياة العامة للناس.

فيما يتعلق بالأحوال الشخصية ، فقد حسم الإسلام أمر المواطنين غير المسلمين بشأنها ، بأن أعطاهم حق التحاكم في ذلك إلى شرائعهم الخاصة إن رغبوا .

أما ما يخص الجزء من الشريعة الإسلامية المتعلق بالحياة العامة ، ونظم ومبادئ تصريف مصالحها ، فأن المواطنين غير المسلمين ، فهم جميعا سواء دون تمييز ، تحكمهم جميعًا مواثيق الأمة ولوائحها الدستورية ، وعلى أساس مما سلف ، لا أرى أن هناك أدنى إشكالية للمواطنين غير المسلمين مع الشريعة الإسلامية وميثاق المواطنة ( العقد الاجتماعي الوطني) .

ثانيًا: الميثاق العالمي أو ( العقد الاجتماعي العالمي ) ، الذي تضمنته الوثيقة المعروفة والمشهورة في كتب السيرة ( بخطبة حجة الوداع ) ، التي أصلت وأسست لأول ميثاق عالمي ، يرسم القواعد والمبادئ الجامعة لسياسة دولة الإسلام الراشدة في مستواها العالمي ، ويقنن للمعايير والضوابط المنصفة للتعايش البشري الآمن ، في إطار التنوع القومي والعرقي واللوني والجنسي والديني ، وكان من أبرز ما جاء بخطبة الوداع أو الميثاق العالمي ( العقد الاجتماعي العالمي) َقَوله صلى الله عليه وسلم:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلَا إِنَّ رَبكُمْ وَاحِدٌ ، وَإِنَّ أَباكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبيٍّ ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ ، إِلَّا بالتَّقْوَى ، أَبلَّغْتُ ؟"، قَالُوا: بلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ"أخرجه الإمام أحمد في المسند."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت