إن الاستهزاء بمحمد_صلى الله عليه وسلم_ تكذيب وكفر بالله -سبحانه-؛ لأنه_صلى الله عليه وسلم_"رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ" [ الأعراف:61] ثم هو استهزاء وتكذيب بجميع الأنبياء والمرسلين، حيث إن من كذب بنبي فقد كذب بجميع الأنبياء،"إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ" [الأنبياء: 92] "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ" [ البقرة:285] .
فما صنعه بعض النفر من الدنمارك، وأشد منه ما صنعه قبلهم قساوسة العصر، تبعًا لأسلافهم من رهبان الماضي، كفر بجميع الرسل، وتفلت عن القيم العالمية القاضية باحترام الأنبياء -عليهم السلام-، فضلًا عن كونه قلة أدب وسفه من قبيل سفه الصبيان الذين إذا أعجز أحدهم أمر لجأ إلى كيل السباب والتنقصات.
ولا شك أن اللجوء إلى هذا الأسلوب يدل على أن القوم قد أعيتهم الحيلة، وشعروا بالهزيمة المعنوية الممهدة للهزيمة الحسية، فاخرجوا آخر ما في كنانتهم من سهام...
وقد دأب أعداء الرسل -إذا أعيتهم حجة الإسلام البالغة ودمغتهم محجته الواضحة- دأبوا يسارعون في حيدة واضحة، ليخرجوا الحوار حول ذلك التشريع الرباني والهدي الإلهي الذي جاءتهم به الرسل من عند الله إلى قضية أخرى يعتمدون فيها على نقل المعركة من ميدانها الصحيح إلى ميدان لا يجاريهم فيه الشرفاء، فينتقصون من جاءهم بالحق من عند الله، ويرمونه بالمثالب والمعائب فعل العاجز عن مقارعة الحجة بالحجة المائل لصرف الناس عن الحق والهدى بتطوير الخصومة عن طريق استفزاز أصحاب الحق.
قال الله _تعالى_:"وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ" [ الذاريات: 38] جاء موسى وجاءت معه الحجة الظاهرة والسلطان المبين، فماذا فعل أستاذهم فرعون لما أتته تلك الحجج والآيات البينات؟"فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ" [ الذاريات: 39] لجأ للتهم والسباب!
ومع أن هؤلاء اليهود اكتووا بفرية فرعون"سَاحِرٌ كَذَّابٌ" [ص:4] ، لكنهم لم يعتبروا فعادوا لمّا بعث موسى يقولون:"سَاحِرٌ كَذَّابٌ"!، قال ابن جرير في تفسيره بعد أن ذكر سنده لقتادة في قوله:"ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ" [مريم:34] قال: امترت فيه اليهود والنصارى، فأما اليهود فزعموا أنه ساحر، وأما النصارى فزعموا أنه ابن الله وثالث ثلاثة وإله، وكذبوا كلهم ولكنه عبد الله ورسوله، وكلمته وروحه1؟. والشاهد رمي اليهود لعيسى بأنه ساحر كذاب، وقد أخبرنا الله عن حالهم، فقال:"وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ" [البقرة: 113] .
"وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ" [الأعراف: 65] فكيف جابهوا تلك الدعوة؟"قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِين" [الأعراف: 66] .قال القرطبي:"في سفاهة أي في حمقة وخفة عقل"2،وهكذا تسير قافلة الأنبياء، والصورة تتكرر؛"كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ* أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ" [الذاريات: 52-53] . قال الطبري: يقول _تعالى_ ذكره كما كذبت قريش نبيها محمدًا_صلى الله عليه وسلم_ وقالت هو شاعر أو ساحر أو مجنون كذلك فعلت الأمم المكذبة رسلها الذين أحل الله بهم نقمته كقوم نوح وعاد وثمود وفرعون وقومه ما أتى هؤلاء القوم الذين ذكرناهم من قبلهم يعني من قبل قريش قوم محمد_صلى الله عليه وسلم_ من رسول إلا قالوا: ساحر أو مجنون كما قالت قريش لمحمد_صلى الله عليه وسلم_3. قال القرطبي:"أتواصوا به"! أي: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطؤوا عليه، والألف للتوبيخ والتعجب، بل هم قوم طاغون أي: م يوصي بعضهم بعضا بل جمعهم الطغيان.
وهذا الطغيان الجامع لأعداء الرسل دأب أهل الباطل جميعًا كما يقول الأستاذ سيد قطب في تعليقه على كلمة فرعون في موسى"إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" [غافر: 26] ."أليست هي بعينها كلمة كل طاغية مفسد عن كل داعية مصلح؟ أليست هي بعينها كلمة الباطل الكالح عن وجه الحق الجميل؟ أليست هي بعينها كلمة الخداع الخبيث لإثارة الخواطر في وجه الإيمان الهادئ؟ إنه منطق واحد يتكرر كلما التقى الحق والباطل، والإيمان والكفر، والصلاح والطغيان، على توالي الزمان واختلاف المكان؛ والقصة قديمة مكررة تعرِض بين الحين والحين".
وإليك بعض نصوص التلمود عن المسيح عيسى بن مريم لتعلم أن القوم على طريقهم سائرون:-
-جاء في التلمود:"إن المسيح كان ساحرًا ووثنيًا".
-وقالوا:"إن يسوع الناصري موجود في لجات الجحيم بين الزفت والقار".
-وفي التلمود:"لقد ضلل يسوع, وأفسد إسرائيل وهدمها".
ويا سبحان الله إن من العجب أن أشد الناس بلاءً هم أعظم الناس حرمة، وهم الأنبياء كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، فإذا كان إيذاء المؤمنين الطيبين بغير ما اكتسبوا بهتان وإثم مبين كما قال _تعالى_:"وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا" [الأحزاب:58] . فإن إيذاء الخاصة أشد إثمًا، ولهذا جاء في أشرف أحاديث الأولياء"من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب"4، وإيذاء أهل العلم والدعاة منهم أشد حرمة حتى قال الحافظ ابن عساكر -رحمه الله- اعلم وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلنا ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة وعادة الله في هتك منتقصيهم معلومة وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب"فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [النور: 63] .لأن الوقيعة فيهم بما هم منه براء أمره عظيم ، والتناول لأعراضهم بالزور والافتراء مرتع وخيم ، والاختلاق على من اختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم ، فكيف إذا كان هذا العالم أو الداعية ممن أصفاه الله على العالمين إنسهم وجنهم، بل وملائكتهم"إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" [آل عمران: 33-34]
وقد قال _سبحانه_:"إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا) [الأحزاب: 57] ."