فهرس الكتاب

الصفحة 753 من 1942

هذا بعض ما ذكره المؤلف، وأما التصريحات التي أعقبت حادث 11 سبتمبر فمشهورة من أبرزها تصريحات لأصحاب برامج مشهورة يرددون مثل هذه العبارات ومن هؤلاء:

-بني هن15 (Benny Hinn) الذي يقول:"هذه ليست حرب بين العرب واليهود، إنها حرب بين الله وبين الشيطان".

-وتقول آن كولتر (Ann Coulter ) في مقابلة أجرتها على قناة NBC عقب أحداث سبتمبر:"نحن يجب أن نجتاح بلدانهم، ونقتل قادتهم، ونحولهم لنصارى"16!

ولعل العرض السابق كاف في بيان الجانب الأول المتعلق بصورة الإسلام لدى الغرب.

أما الجانب الثاني، وهو: أسباب تلك الصورة، فقد كتب علاء بيومي مدير الشؤون العربية في كير مقالًا جديًا يوضح أحد أسس تلك الأسباب ولاسيما الخراجية منها، قال ما نصه:

(( يوضح ديفيد بلانكس ومايكل فراستو في مقدمة كتاب قاما بتحريره عن"رؤية الغرب للإسلام في العصور الوسطى"(1999) أن جذور رؤية الغرب الراهنة للإسلام والمسلمين تعود إلى القرن الحادي عشر الميلادي الذي شهد بداية الحروب الصليبية والمراحل الأولى لنشأة الهوية الغربية الحديثة.

ويقول الكاتبان: إن الأوربيين في تلك [المدة] كانوا محاصرين بحضارة أكثر قوة وتقدمًا، وهي الإسلام، وأنهم فشلوا في هزيمة هذه الحضارة خلال الحروب الصليبية كما رفضوا فهما، [لكن لديهم شعور] دائم بتهديدها الحضاري والديني لهم، لذا لعب الإسلام دورا أساسيا في تشكيل الهوية الأوربية ومن ثم الغربية الحديثة.

ويرى المؤلفان أن الإسلام لعب دور شبهاه"بنيجاتيف الصورة"في تشكيل رؤية الأوربي المسيحي المثالية لنفسه، إذ عمد الأوربيون إلى تشويه صورة منافسيهم (المسلمين) كأسلوب لتقوية صورتهم الذاتية عن أنفسهم، وبناء ثقتهم في مواجهة عدوا أكثر قوة وتحضرا.

وفي الكتاب نفسه يرى دانيال فيتكس [وهو أستاذ آداب بجامعة ولاية فلوريدا الأمريكية] أن نظرة الغرب الحديثة للإسلام ولدت في [المدة] كانت علاقة أوربا بالإسلام فيها هي علاقة خوف وقلق، مما دفع الأوربيين لتعريف الإسلام تعريفا"ضيقا كاريكاتوريا"كدين يملأه"العنف والشهوة"يقوم على"الجهاد العنيف"في الحياة الدنيا و"الملذات الحسية الموعودة"في الآخرة، كما نظروا للرسول محمد _صلى الله عليه وسلم_ على أحسن تقدير على أنه واحد من اثنين، إما"قس كاثوليكي فشل في الترقي في سلم البابوية"فقرر الثورة ضد المسيحية أو أنه"راعي جمال فقير تلقى تعليمه على يد راهب سوري"ليشكل دينا جديدا من"قشور العقيدتين المسيحية واليهودية".

كما نظر الأوربيون إلى حياة المسلمين الأخلاقية نظرة مزدوجة فمن ناحية نظروا إلى حجاب المرأة المسلمة كتعبير عن"السرية والقهر"والفصل بين الرجل والمرأة، وفي نفس الوقت نظروا للحجاب على أنه مصدر"فجور واستباحة أخلاقية مستترة"خلف الحواجز والأسوار.

وقد انتقلت هذه الصورة المشوهة - كما يري جون اسبزيتو - أستاذ دراسات الأديان والعلاقات الدولية بجامعة جورج تاون الأمريكية - في كتاب (التهديد الإسلامي: حقيقة أم أسطورة؟) (1992) - إلى بعض أهم قادة الإصلاح الفكري والديني في أوربا، وعلى رأسهم مارتن لوثر - زعيم حركة الإصلاح البروتستانتي - الذي نظر للإسلام على أنه"حركة عنيفة تخدم أعداء المسيح لا يمكن جلبها للمسيحية؛ لأنها مغلقة أمام المنطق، ولكن يمكن فقط مقاومتها بالسيف".

معرفة الإسلام للسيطرة عليه:

مع دخول عصر النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر دخلت نظرة الغرب للإسلام مرحلة جديدة وصلت إلى قمتها خلال عصور الاستعمار الأوروبي الذي اجتاح شرق العالم القديم خلال القرن التاسع عشر الميلادي.

ويرى إدوارد سعيد في سلسلة من مؤلفاته على رأسها الاستشراق (1978) أن معرفة الغرب للإسلام في هذه المرحلة كانت بغرض السيطرة عليه وليس فهمه، وأن عمليه المعرفة هذه تمت بشكل منظم نسبيا تعاونت فيه مؤسسات الفكر والمعرفة الأوروبية تعاونًا وثيقًا مع مؤسسات الاستعمار الأوروبية الرسمية لمدها بالمعرفة اللازمة للسيطرة على المجتمعات المستعمرة.

وخلال هذه المرحلة نظر الغرب للشرق - بما في ذلك العالم الإسلامي - بأسلوب أصبح الآن نموذجا يدرس عن التشويه المتعمد الذي يمكن أن تقوم به حضارة ما لصورة حضارة أخرى، ومن أهم عناصر هذا الأسلوب ما يلي:

أولا: النظر للشرقي أو للمسلم على أنه الآخر المستقل تماما عن الأنا أو الذات الأوروبية.

ثانيا: تنظيم علاقة الأوروبي مع الآخر من خلال سلسلة من الثنائيات الفكرية يضع كل منها الأخر الشرقي أو المسلم في مقابل الأنا الأوروبي على طرفي نقيض في مختلف جوانب الحياة، فعلى سبيل المثال تم النظر للشرقي على أنه متخلف وحشي في مقابل الغربي المتقدم المتحضر، كما نظر الغربي للشرقي على أنه جاهل فقير في مواجهة الغربي المتعلم الثري، كما رأى الغربي الشرقي على أنه داكن ضعيف في مقابل الغربي الأبيض القوي.

ثالثًا: وقفت المؤسسات الاستعمارية خلف التقسيم الثنائي السابق لدعمه سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا على أرض الواقع من خلال مساعيها لربط الشرق بما في ذلك العالم الإسلامي بأوربا من خلال روابط مؤسساتية استعمارية تضمن بقاء الشرق الطرف الأضعف على طول الخط في علاقته بالإمبراطوريات الأوروبية، ولذا سعى الاستعمار لتكريس استغلاله واستنزافه الاقتصادي للشرق ولإضعاف اللغات والأديان والثقافات الشرقية الأصلية ولمحاربة ظهور الحركات السياسية والاجتماعية الوطنية في الشرق والعالم الإسلامي على مدار عقود الاستعمار.

رابعًا: وقف الغرب موقفًا منزعجًا ومتشددًا وأحيانًا انتقاميًا تجاه الجماعات الشرقية أو المسلمة التي خرجت عن التقسيم الثنائي السابق وحاولت امتلاك أدوات القوة الغربية مثل: اللغة وقوة الاقتصاد وفهم السياسة والقانون وأساليب العمل الإعلامي للتقريب بين مواقف المجتمعات الشرقية المستضعفة والغرب المستعمر.

خامسًا: النظرة السابقة لعبت دورًا مزدوجًا خطيرًا في تشكيل صورة الإسلام والمسلمين لدى الغرب، الدور الأول هو تشويه هذه الصورة، والثاني هو تبرير الاستعمار الأوربي واستنزاف أوربا المنظم لثروات الشرق والعالم الإسلامي تحت عنوان تحريره ومساعدته على الرقي والتحضر )) ا.هـ.

وهذا تحليل جيد مستنده كتابات الغربيين أنفسهم.

وقد اشتمل كلامه على أسباب شتى تدور كلها على قوله الله _عز وجل_:"وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ..." [البقرة:120] . وهذا ولاشك عامل مهم بل هو أهم العوامل التي تدفع لتشويه صورة الإسلام في الغرب، وإلاّ لو كان هناك عدل وإنصاف لم يؤاخذ الإسلام والمسلمين بأخطاء فردية وتجاوزات توجد في كل الأديان والشعوب مثلها بل أضعافها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت