فهرس الكتاب

الصفحة 816 من 1942

كل هذه العبارات المباشرة والمعبرة عن اليأس تقابلها - عند جموع العاملين في الحقل الإسلامي - عبارات لا تقل عنها في مستوى اليأس، ولكنهم - أي العاملين - يستخدمون طرق التعبير غير المباشرة مثل قولهم:"سننتصر إن شاء الله عز وجل، والإسلام قادم!!"، إلا أنك تلمح في ثنايا هذا الصوت صوت يائس. فقولهم"إن شاء الله"هنا هي على التعليق لا على التحقيق97. فلقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يحث الجند على الجهاد ويقول لهم: سننتصر على التتار. فانبرى له بعض من حوله وقالوا له: قل إن شاء الله. فقال: أقول إن شاء الله على التحقيق لا على التعليق. فمثل هذه العبارات والآيات والأحاديث التي تتحدث عن الأمل، وطريقة عرضها، وما يتبعها من سكون وبطالة تكون دلالة يأس لا دلالة أمل. فعندما نلحظ جموع المسلمين يستشهدون بقول الله عز وجل"إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون"98 على الأمل الراسخ في قلوبهم، ثم تجدهم عقب انتهائهم من ذكر الآية ينسحبون من ساحة الفعل الإسلامي ويبحثون عن الخلاص الفردي، والذي تبدو مظاهره واضحة وجلية، كمظاهر العمرة والحج المتكرريْن، ومظاهر حلق العلم الصغيرة على ما في كل هذه السلوكيات من الخير. هذا الاستشهاد بالآية الكريمة الذي لا يجاريه عمل في الواقع أو مشاريع محمولة على أكتاف هؤلاء الرجال - تدل على هذه الحرقة وعلى

إنه شكل جديد من التصوف. سنيٌ في مظهره ولا يتحرك خارج الإطار المشروع. ولكنه يهرب من المعركة الحقيقية

هذا الشعور بالأمل في انتصار الأمة وتحركها - وإنما يجاريه سعى للخلاص الفردي هو حديث باطنه وجوهره يأس، وظاهره أمل.

إنه شكل جديد من التصوف. سنيٌ في مظهره ولا يتحرك خارج الإطار المشروع. ولكنه عندما يكتفي بهذه المساحة الضئيلة من الفعل فإنه بذلك يخرج؛ بل ويهرب من المعركة الحقيقية. معركة أن يحمل جزءًا من الهم الإسلامي صَغُرَ أو كَبُرْ، إما ليقوم به مباشرة أو ليعين غيره على القيام به. وعندئذٍ تكون حلق العلم وحلق التربية الروحية هي الزاد المعين على ممارسة الفعل الحقيقي، ولا تكون ساحة للهروب من المعركة الحقيقية والفعل الجاد اللازم لانتشال الأمة الإسلامية من رقدتها وسباتها.

وفي مثل هذه اللحظات الصعبة من تاريخ أي أمة والتي يجسدها القرآن بقول الله عز وجل:"حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا"99،"وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا"100 يأتي في مثل هذه اللحظة فعل قادة النهضة وخطابهم الذي يفعل فعل السحر في قلوب الناس فينتشلهم من مثل هذه الوهدات.

طرق التعبير عن اليأس

التعبير غير المباشر

التعبير المباشر

أربعة مداخل للتعامل مع اليأس

حقائق اليوم هي أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد

ويمثل اليأس سجنًا معنويًا وعقليًا كبيرًا للشعوب والمجتمعات. وحتى نتمكن من تحرير عقول وقلوب مجتمعاتنا من هذا السجن الكبير فلابد من هدم جدرانه الأربعة التي تطبق علينا. وسنستخدم لذلك أربعة معاول:

المعول الأول: هو علم الاجتماع. ويوضح لنا هذا العلم قضية هامة. مفادها أن حقائق اليوم هي أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد. هكذا يخبرنا علماء الاجتماع.

ويُعرف العلماء علم الاجتماع بأنه علم دراسة الظواهر الاجتماعية التي تنشأ عن وجود الإنسان في المجتمع1. فنتيجة لوجود الإنسان داخل هذا الإطار الاجتماعي يتقولب ذهنه وتتشكل مقولاته. فهو لا يفكر مسبقًا في أن يتصرف بشكل اجتماعي، إنما يتم ذلك تلقائيًا. فهو يردد ما يقال، ويشترك فيما يحدث، ويتفاعل بما يدور حوله. فعندما ينشأ القالب الفكري اليائس بتأثير هذا الضغط الاجتماعي وتكرار المقولات والسلوكيات اليائسة، ينشأ عندنا نوع جديد من التفكير الجمعي اليائس. وهنا يأتي دور قادة النهضة، ألا وهو كسر هذا القالب الفكري اليائس2.

ومدخل علم الاجتماع يعين قادة النهضة على تفكيك وهدم الجدار الأول - من الجدران الأربعة الكبيرة التي تحيط باليائسين - المتمثل في القوالب الفكرية اليائسة.

إن كثيرًا مما كان يعتقد الناس أنه غير ممكن في فترة تاريخية محددة وغير قابل للتحقيق، أصبح في فترة لاحقة ممكنًا ومنطقيًا

إن كثيرًا مما كان يعتقد الناس - في فكرهم الجمعي - أنه غير ممكن في فترة تاريخية محددة وغير قابل للتحقيق، أصبح في فترة لاحقة ممكنًا ومنطقيًا، وغيره يعدو جنونًا ورجعية وتخلفًا.

فلو حاولت أن تتخيل مشهدًا مسرحيًا يجسد مجموعة من الناس وهي تنظر إلى عباس بن فرناس - وهو يكتب كتاباته وأفكاره حول عملية طيران الإنسان - نظرات استنكار ودهشة وإشفاق عليه مما أصاب عقله، ثم طويت عددًا من القرون لتنتقل بسرعة إلى أوروبا في مشهد آخر يجسد الفرمان الذي أصدرته الكنيسة والقائل بأن الله قد خلق الزعانف للأسماك كي تسبح في البحر، وخلق الأجنحة للطيور كي تطير في الهواء، وخلق للإنسان قدمين كي يسير على الأرض. ولو شاء له أن يطير لخلق له جناحين، وعلى ذلك فكل من يقول بإمكانية الطيران أو يفكر في ذلك فهو مخالف للكتاب المقدس ولمشيئة الرب. وهو داخل في دائرة الكفر والهرطقة.

لو انتقلت بهذين المشهدين إلى عالمنا المعاصر ووقتنا الراهن. وناديت بمثل هذا الفكر الذي ساد في لحظة تاريخية معينة، فكيف سيتقبل أبناء هذا العصر هذه الأفكار؟؟!! لا شك أنهم لن يحملوا هذه الدعوة محمل الجد، ولن يعيروها اهتمامهم، لأنهم يرونها خارج نطاق العقل والمنطق. وتلك حقيقة لا تحتاج إلى التدليل أو البرهان. وإن شئت فلتراجع تاريخ الشعوب والأمم في لحظة تاريخية معينة، لترى كيف اعتقد الناس في تلك اللحظة التاريخية أن هذه الأمة لا يمكن أن تحقق آمالها، وفي لحظة أخرى نرى هذه الأمة قد بلغت شأنًا عجيبًا، ما يجعل الناس يعتقدون أنها لم تكن في حالة ضعف في يوم من الأيام1.

إن الحديث عن المعطيات التي أُتيحت لرواد النهضة، والحالة المعنوية العامة والسائدة في المجتمع والتي ورثوها تعطي مؤشرًا حقيقيًا لكل الرواد بأن كل النهضات إنما انطلقت من حالة تخلف ومعطيات لا نقول صعبة؛ بل صفرية

إن علم الاجتماع يدلنا على ظاهرة اجتماعية متكررة. ففي لحظة معينة وتحت ضغط واقع ما، يعتقد الناس في عدم إمكانية الفعل، وفي لحظة تاريخية أخرى يصبح عكس هذا التفكير جنونًا.

فكيف يهدم علم الاجتماع جدار اليأس؟

نقول أنه تحت ضغط واقع اليأس اليوم في مجتمعاتنا، يعتقد الكثيرون أن انتقالنا إلى حالة اجتماعية أخرى وإلى مفاهيم فكرية أخرى أمر محال، ولكن علم الاجتماع يخبرنا بعكس ذلك، فأحلامنا في النهضة والتقدم والتحول والتغير ستكون حقيقة بإذن الله تعالى، على سبيل التحقيق لا على سبيل التعليق. فإن أحلام الأمس هي حقائق اليوم، وأحلام اليوم هي حقائق الغد.

المعول الثاني: هو علم التاريخ. وهو العلم المنوط به هدم الجدار الثاني المحيط بفكرة اليائسين. ولا نحتاج لهدم هذا الجدار أن ندرس التاريخ كله، ولكن يكفينا منه ظاهرة واحدة كفيلة بتحطيم ونسف هذا الجدار، وهي الظاهرة التي أطلقنا عليها اسم"قانون المعطيات الصفرية".

وحتى نفهم هذا القانون أو هذه الظاهرة علينا استعراض الأسئلة التالي:

* ما هي أوضاع الجزيرة العربية يوم أن نزل الوحي والتي انطلقت منها الدعوة الإسلامية؟

* ما هي أوضاع فرنسا قبل الثورة والتي انطلقت منها نحو ثورتها ثم نحو فرنسا المعاصرة؟

* ما هي أوضاع اليابان التي انطلقت منها لنهضتها المعاصرة؟

* ما هي أوضاع الصين التي انطلقت منها الثورة الماوية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت