فهرس الكتاب

الصفحة 817 من 1942

إن الحديث عن المعطيات التي أُتيحت لرواد النهضة، والحالة المعنوية العامة السائدة في المجتمع والتي ورثوها تعطي مؤشرًا حقيقيًا لكل

إذا قارنت بين المعطيات المتوفرة للمصطفى e وبين طبيعة المهمة المكلف بها، ستجد أن إمكانية تنفيذ هذه المهمة هو من باب المستحيل

الرواد بأن كل النهضات إنما انطلقت من حالة تخلف ومعطيات لا نقول صعبة؛ بل صفرية.

التجربة النبوية والمعطيات الصفرية

ولنضرب مثالًا بالجزيرة العربية. فعندما نزل الوحي بالقرآن الكريم على رجل لا يملك سوى قليل من التمر وشيء من الماء، في مكانٍ موحشٍ هو ذلك الغار النائي في قمة الجبل، نزل هذا الوحي بتكليف هائل وشاق. فما هو هذا التكليف؟ ومن هو المكلف؟ وبم كُلِف؟

تمثل هذا التكليف وهذه المهمة الشاقة في قوله تعالى:"وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"1. أما المكلف فهو رجل في عقده الرابع، ولك أن تتأمل واقع البيئة التي كان يعيش فيها، وواقع القوم الذين كان يحيى بين أظهرهم. أما طبيعة التكليف فهو تبليغ دعوة الإسلام إلى العالمين - كل العالمين - إنسًا كانوا أو جنًا، أينما كانوا، في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها.

فإذا قارنت بين المعطيات المتوفرة للمصطفى e وبين طبيعة المهمة المكلف بها، ستجد أن إمكانية تنفيذ هذه المهمة هو من باب المستحيل. فلو تأملنا واقع البيئة الوحشية التي كان يعيش فيها الرسول e، ولو قدرنا ما يحتاجه e لتنفيذ هذه المهمة من كثافة بشرية كمية، وكثافة بشرية نوعية، ثم لو فكرنا في الكثافة الكمية التي يحتاجها لاختراق بلاد مثل الصين، والكثافة الكمية التي يحتاجها لاختراق بلاد فارس أو مملكة الروم، سنجد أن الأمر لا يعدو كونه حلمًا غير قابل للتنفيذ. وحتى لو توافرت الكثافة الكمية المناسبة فهل يمتلك القيادة النوعية المعدة والجاهزة والقادرة والمهيأة للقيام بهذا الدور الكبير؟! وحتى لو افترضنا توفر هذين العنصرين في مكة في تلك اللحظة - وهو ما لم يحدث - فكيف استقبل أهل مكة؛ بل أقرب الأقربين إلى رسول الله e هذه الفكرة؟؟ وكم كانت درجة مقاومة المحيط

لقد كانت المعطيات المتاحة للمصطفى e في هذه اللحظة التاريخية معطيات صفرية. ولم تكن مبشرة بتلك النتائج التي تحققت بعد أربعين سنة من الفعل الحضاري للمسلمين

الحيوي لرسول الله e لهذه الفكرة؟؟ لو تتبعنا سيرة النبي e سنجد أنه بعد ثلاثة عشرة سنة من العمل الجاد في مكة لم تنجح الفكرة في استقطاب سوى ثمانين أو بضعًا وثمانين شخصًا في مكة، بينهم النساء والرجال والشيوخ والأطفال والعبيد والأحرار.هذا الخليط من البشر الذي لا يزيد عن بضع وثمانين نفرًا، هل يمكن أن يتحمل مهمةً بهذه الضخامة؟؟!

ثم إذا افترضنا أن هذه المنطقة من العالم - التي تتألف من قبائل

بدوية رعوية، تنتقل من مكان إلى آخر، لا يسلم فيها بيت من حالة ثأر، تقتتل لعشرات السنين حول ناقة أو سباق خيل، يقوم اقتصادها على السلب والنهب والغارات والغزو، غير مدربة على العمل المنظم الكبير - إذا افترضنا أنه قد تم استيعابها داخل المشروع النهضوي الإسلامي فما هي قدرتها على مواجهة الإمبراطوريتين العظيمتين الروم والفرس.

ثم هذه المنطقة التي تم استيعابها ما هي قدراتها العلمية والمعرفية التي تؤهلها لإدارة عملية الإحياء الحضاري للمجتمعات التي سيقومون بغزوها؟؟ فمن السهل أن تغزو أمة وأن تنتصر عليها عسكريًا، أما أن تنتصر عليها حضاريًا فهذا شأن آخر. وإليك نموذج التتار المنتصرين، ما الذي خلفوه وراءهم؟؟!!

إن مشروعًا مثل مشروع المصطفى e، لم يكن مشروع غزو للنهب والسلب؛ بل لقد كان مشروع توسع حضاري، كي تستقر اللغة ويستقر الدين في هذه المجتمعات. فما هي إمكانية هؤلاء العرب الذين لم يكونوا يعرفون القراءة الكتابة وليس لهم سابق معرفة بالأداء الحضاري كي يتغلبوا على فلسفات وثقافات واتجاهات منتشرة في هذه المجتمعات الجديدة؟؟!!

لقد كانت المعطيات المتاحة للمصطفى e في هذه اللحظة التاريخية معطيات صفرية. ولم تكن مبشرة بتلك النتائج التي تحققت بعد أربعين سنة من الفعل الحضاري للمسلمين.

المعطيات الصفرية كانت هي بداية أي أمة أرادت النهوض مسلمة كانت أو كافرة

فإذا كانت تجربة الرسول e مؤيدة بالوحي من السماء فلننظر في غيرها من التجارب التاريخية لغير المسلمين. والذين قاموا من أجل إصلاح مجتمعاتهم، ولم يكن لعامل الدين أي دور في تحركاتهم.

التجربة الصينية والمعطيات الصفرية

إذا استعرضنا أوضاع الصين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، سنجد أمامنا دولة شاسعة مترامية الأطراف. تعاني من الكثافة السكانية الهائلة، حيث بلغ عدد سكانها تسعمائة مليون نسمة في ذلك الوقت، معظمهم من الفلاحين. تعاني على المستوى الصحي من المجاعات والأمراض المتوطنة كمرض الرمد الحبيبي، وترتفع بين سكانها نسبة العمى ارتفاعًا مخيفًا. هذا بالإضافة إلى مائة مليون مدمن. أما على المستوى الثقافي فقد كانت تعاني من الجهل والتخلف التكنولوجي وانبهار الطبقة المثقفة بالغرب وثقافته. وعلى المستوى الاقتصادي عانت الصين من القيود الاقتصادية الشديدة الوطأة الناتجة عن المعاهدات غير المتكافئة مع الغرب، بالإضافة إلى تخريب اليابان للاقتصاد الصيني. أما على المستوى الاجتماعي فقد كان نسيجها الاجتماعي مهترئًا ومهددًا بالتفكك. والصراع في داخلها على أشده نتيجة تعدد العرقيات. أما على المستوى السياسي، فعلى الصعيد الداخلي كانت تعاني من الصراع الداخلي بين العرقيات المتنازعة التي تريد الاستقلال وترفض التوحد وتعادي الدولة المركزية. بينما على الصعيد الخارجي احتلت بريطانيا أجزاءً من الصين لتصبح مستعمرات بريطانية - كمستعمرة هونج كونج - ثم يشن الغرب عليها حرب الأفيون في عام 1840م لينتج عنها مائة مليون مدمن. وفي عام 1860م يحرق الإنجليز والفرنسيون قصر الصيف. ثم تحتل اليابان الصين عام 1895م، وبعدها تغزو منشوريا.

ثم ينبري شاب يُدعى ماوتسي تونج - وهو من الطبقة المتوسطة، فلم يكن سليل أسرة حاكمة، أو في قمة الهرم السياسي أو هرم القوة، بل

إذا نظرت إلى المعطيات الصفرية الأولى في الحالة الصينية، ثم قارنت النتائج بها، ستجد هذه الحقيقة البارزة، وستجد هذا التاريخ شاهد على إمكانية الفعل التاريخي

كان طالبًا في كلية الفلسفة في السنة الثانية - ويعزم على إعادة تنظيم الشعب الصيني وتعليمه من جديد؛ بل والوصول به إلى قمة التعلم. ويعزم على الانتصار على قوى التفكك والتحلل في مجتمعه، ومواجهة الحكومة المركزية، والقضاء عليها، واستعادة ممتلكات بلاده، وتحريرها من الاستعمارين البريطاني والياباني، والحصول على أنواع التكنولوجيا النووية وأنواع القوة التي تحتاجها الصين للحماية من الغزو الخارجي. كما يقرر أن يزيل المرض من الصين، وأن يقضي على مشكلة الأفيون!!! لقد قرر بناء صين موحدة وقوية ومتقدمة!!!

إذا كان هذا هو الأمل والحلم الكبير، وكان هذا الشاب الصيني البسيط هو صاحب هذا الحلم وهذا الأمل، وكانت تلك هي الأوضاع والمعطيات التي يمكن أن يتحرك من خلالها. فما هي إمكانية النجاح؟؟!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت