فهرس الكتاب

الصفحة 818 من 1942

لقد تحرك ماوتسي تونج، وتحركت معه هذه الفئة من الناس، ومروا بآلام المخاوف كلها: تجارب فاشلة؛ مآسي عظيمة عانى منها الشعب الصيني؛ خسائر عظيمة؛ ولكن انطلق مشروع كبير في الصين، واستمر هذا المشروع يزحف يومًا بعد يوم. فهل تحقق الحلم؟ وإلى أين وصلت الصين اليوم؟ وما هو موقعها الدولي؟ وكم يبلغ ميزانها التجاري في التعامل مع الأمم المتحدة؟ وإلى من يميل؟ وكم نسبة النمو في الصين الآن؟ وما هو موقف هونج كونج و تايون منها؟ وكيف ينظر العالم اليوم لمستقبل الصين؟

إذا نظرت إلى المعطيات الصفرية الأولى، ثم قارنت النتائج بها، ستجد هذه الحقيقة البارزة، وستجد هذا التاريخ شاهد على إمكانية الفعل التاريخي.

شواهد تاريخية أخرى

والأمثلة والشواهد التاريخية على صدق هذه الظاهرة وصحة هذا القانون كثيرة وبينة. فدولة مثل اليابان كيف كانت أوضاعها عقب الحرب العالمية الثانية، والتي انتهت باستسلامها وإذلالها؟ كيف كانت أحوالها بعد

إن قانون المعطيات الصفرية هو مدخل كبير للتبشير بالأمل ونشر ثقافة"إمكانية الفعل"في المجتمعات الإسلامية، في هذه المرحلة التاريخية الهامة

أن أُمطرت بقنبلتين نوويتين قتلت وجرحت وشوهت وشردت وهجرت الملايين؟ ثم أين هي اليابان الآن؟

وأين كانت ألمانيا التي كانت مكونة من ثلاث مائة دويلة وحدها بسمارك ثم انهزمت في الحرب العالمية الأولى؟ وكيف أعادت بناء نفسها بعد أن فُتت وهُدمت واقتُطعت أجزاء من أراضيها وانهارت معنويات جماهيرها بعد تلك الهزيمة؟ وكيف اعتلت قمة العالم لتواجه دوله الكبرى في

حرب ضروس؟ ثم كيف كانت أحوالها عندما فُتت وقُسمت وأذلها الحلفاء المنتصرون؟ لقد دُمرت ألمانيا بالكامل في أعقاب الحرب العالمية الثانية حتى قَل رجالها الذين هم قوام نهضتها، وانتشر الدمار والخراب في أرجائها، وفُرِضَت عليها شروط قاسية. أين وصلت ألمانيا الآن؟

وأين كانت الهند؟ تلك الأمة الكبيرة، المتعددة الأديان والأعراق واللغات، وكيف كان نسيجها الاجتماعي؟ وكيف واجهت تلك الأوضاع والمعطيات المتمثلة في الاستعمار والجهل والفقر وتفسخ النسيج الاجتماعي؟ وكيف أصبحت اليوم قوة نووية تكنولوجية عالمية؟

إن هذه الظاهرة أو هذا القانون التاريخي هو قادر على هدم الجدار الثاني من جدران اليأس؛ بل وهو مدخل كبير للتبشير بالأمل ونشر ثقافة"إمكانية الفعل"في المجتمعات الإسلامية، في هذه المرحلة التاريخية الهامة من تاريخ هذه المجتمعات.

المعول الثالث: وهو المنطق1. وهو الأداة التي يتم بها هدم الجدار الثالث من جدران اليأس.فالمنطق يخبرنا بأن من استعد للعمل والبذل ونشط فيهما، وأخلص نيته لله عز وجل - استجابةً لأمره تبارك وتعالى:"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون"2 - فهو فائز، فلو انقضت حياته قبل

من معاول هدم اليأس ما بشرنا به ربنا تبارك وتعالى ونينا e من مبشرات بنصرة دينه وأوليائه

أن تحين فرصة تحقيق الآمال؛ فلا شك أنه سيكون من الفائزين برضوان الله في الآخرة، ثم إنه قد استمتع بحياته لأنه عاش لقضية ما وجاهد في سبيلها. أما إذا حانت الفرصة وتحققت الآمال، فقد فاز بالفرحتين: فرحة النصر والتمكين في الدنيا"ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله"1، وفرحة الفوز برضوان الله في الآخرة لبذله وإخلاصه.

أما مصير من لم يستعد فهو الحسرة والندامة في الدنيا والآخرة. حسرة على ضياع الفرصة التي جاءته إلا أنه لم يقم بعمل مكافئ لها ولم يستعد لاقتناصها، وأما إذا لم تحن الفرصة ولقي الله ربه من غير عمل ومن غير استجابة لأمره عز وجل، فهو في حسرة من سخط ربه عليه.

فالمنطق يقول إن العمل في كل الأحوال هو سفينة الخلاص. وهو سفينة نوح. سفينة النجاة .

المعول الرابع: وهو المبشرات. ونقصد بها ما بشرنا به ربنا جل في علاه، ونبينا e من آيات وأحاديث تبشر هذه الأمة بالغلبة والنصر والتمكين.

فعندما ترزأ الأمة دهرًا من الزمان وتئن تحت وطأة هذا الواقع الثقيل الأليم، تلهج الألسنة وترتفع الأصوات متسائلة (هل من مخرج؟؟) . وهذا ما حدث مع خباب بن الأرت عندما ذهب إلى الرسول e وقد أعجزته الحيلة أمام سطوة وقوة أهل مكة، فما كان منه إلا أن قال لقائده e:"ألا تدعو لنا؟ ألا تستنصر لنا؟". فعندما تزداد وطأة الواقع وضغطه يبدأ الناس في السؤال عن المخرج. وهنا تأتي المبشرات لتهدم جدار اليأس الأخير.

فمن هذه المبشرات الحوار الذي يستعرضه القرآن الكريم بين فرعون وملئه وموسى ومن معه، يقول تعالى:

باستخدام هذه المعاول الأربعة - الاجتماع والتاريخ

والمنطق والمبشرات - تنطلق النفس البشرية من إسارها، وتحطم أغلالها وقيودها، فتهب للعمل، مستعينة بالمشيئة على التحقيق لا على التعليق

"وقال الملأ من قوم فرعون: أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك؟!"

قال: سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون.

قال موسى لقومه: استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.

قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا.

قال: عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون"1."

ومن المبشرات قوله تعالى:"يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون"2. وقوله:"ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين. إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون"3. وكتاب الله مليء بمثل هذه المبشرات التي تبعث الأمل في النفوس.

ومن المبشرات في سنة رسول الله e قوله:"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار"4، وقوله:"إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها"5، وغيرها كثير من الأحاديث التي تبشر الأمة بالنهضة والتقدم.

إذًا باستخدام هذه المعاول الأربعة - الاجتماع والتاريخ والمنطق والمبشرات - تنطلق النفس البشرية من إسارها، وتحطم أغلالها وقيودها،

الخروج من دائرة اليأس هي الخطوة الأولى نحو الخروج من الواقع

وتهدم سجنها الذي حبست فيه حينًا من الدهر. فتنطلق للعمل، مستعينة بالمشيئة على التحقيق لا على التعليق.

فامتلاك قادة وطلاب النهضة لهذه الأدوات الأربع يمكنهم من هدم جدران اليأس المحيطة بالفرد المسلم اليوم. والخروج من دائرة اليأس هي الخطوة الأولى نحو الخروج من هذا الواقع.

التاريخ

الاجتماع

المنطق

المبشراتسجن اليأس

المشهد المستقبلي

إنه مشهد ترى فيه ظاهرة اليأس وقد اختفت من مجتمعاتنا أو كادت. وترى جموع العاملين وقد فطنت إلى معاول وأدوات هدم اليأس. فانطلقت بين جماهير الأمة تزرع في قلوبها الأمل وتنتزع اليأس انتزاعًا من صدور طالما أثخنها اليأس بالجراح.

نحو التنفيذ

لابد من إعادة عرض تجارب الأمم والمخترعين وتجديد الإيمان بموعود الله بالنصر والتمكين

ليتحقق هذا المشهد الرائع فلابد من تنفيذ الأمور التالية:

* لابد أن يعمل المفكرون والمصلحون على نشر ثقافة الأمل بين جماهير الأمة من خلال الإسهاب في الكتابة عن دلالات النهضة الأربع وشرحها.

* لابد من إعادة عرض التجربة النبوية والتركيز على إمكانية الفعل رغم المعطيات الصفرية.

* لابد من الاهتمام بعرض تجارب الأمم التي نهضت والتركيز على إمكانية الفعل رغم المعطيات الصفرية.

* لابد من الاهتمام بعرض تجارب المخترعين وكيف استطاعوا أن يصلوا إلى ما كان يظنه الناس جنونًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت