ودافع علي عبدالرازق عن التفكير الحر، وحرية التعبير، مبينًا أن المعضلة في مصر ليست في إنتاج الفكر، ولكن في توفر الشجاعة لدى المفكرين للتعبير الحر عن أفكارهم، مؤكدًا أن نظام الحياة الاجتماعية في مصر"من أكبر العوائق، دون أن يصل المصريون إلى التفكير الحر، في أي نوع من أنواع الحياة،"، كما أن من أكبر أسباب عيوب الشخصية المصرية"فقدان الحرية، حرية التفكير وحرية العمل"، فهو يعتقد"أن ظلم الحرية في مصر واضطهادها، وحدهما أساس ما في الخُلق المصري من ضعف وانحلال، وأنه لا سبيل لإصلاح الخلق المصري إلا أن يعيش المصريون أحرارًا."
وهو يطالب بالإصلاح السياسي المفضي إلى الإصلاح الخلقي"إذ أن الحكومة الحرة العادلة هي التي تربي حرية الفكر، وهي التي تربي الخلق المصري، وهي التي تنهض بالأمة المصرية" (103) .
-وإذا كان إسماعيل مظهر يعتقد بأن الشعب اليوناني القديم هو أرقى شعب أقلّته الأرض من حيث النضوج الفكري، وأن"الإنسان لم يرتق منذ العصر اليوناني الأول حتى اليوم في الكفاءات العقلية"فإنه يُرجع كل هذا التفوق الذي أسبغه على اليونان وحضارتهم، إلى"بروز الذاتية الفردية واستقلالها فكرًا وعملًا وبعدها عن التأثر بحياة الجماهير، لذلك فإنه لا يطمئن لمستقبل الإنسان"إلا إذا تبدلت جماعات المدنية الحديثة في نظامها الحاضر السائدة فيه روح الجماهير بنظام يكفل حرية الفرد وينمي كفاياته ومواهبه" (104) ."
-أما العقاد، فيرى بأن حرية الفكر هي حرية التعبير عن"الشخصية الإنسانية"بكل ما تشمل من حس وإدارك وخلق ومزاج ومجهود، وهي -عنده- تساوي حرية الحياة،"فسيان أن تمنع الإنسان أن يحيا، وأن تمنعه أن يفكر ويستوفي جوانب الشخصية التي تبلغ تمام مظاهرها في التمييز والتفكير، وهو يعتقد بأن حماية الحرية الفكرية هي حماية من غوائل الذل والنفاق والغباء (105) ."
لكن العقاد وهو ينادي بحرية الفكر كان قد طالب فيما مضى بتوضيح مفهوم حرية الفكر"إننا نريد أن نكون أحرارًا في طلب الحرية لئلا نطلبها كما يطلبها العبيد المسخرون. فمن تلك الحرية التي نريدها أن نعرف حدود حرية الفكر نفسها. وهو يرفض أن تكون"حرية الفكر"مجرد مجاراة لكل جديد، فهذه الحرية ضرب آخر من الجمود لا نريدها لمصر ولا نفضلها على عبادة القديم الذي ننعاه على المقلدين"ويأتي كلامه هذا في سياق تعليقه على كتاب سلامة موسى"حرية الفكر"، وكأنه به يعرّض بنهج سلامة موسى القائم على الدعوة لكل"صرعة فكرية تظهر في الغرب بحجة حرية الفكر؛ فيقول العقاد:"ولسنا أحرارًا حين تدور مع الأفكار الطارئة كما يدور طلاب الأزياء مع كل عارضة تروج وكل خاطرة تعنّ في الأذهان" (106) ."
-ومن المؤكد أن التيار الليبرالي يؤيد فكرة الديمقراطية، والنظام النيابي الديمقراطي، ويجعلها محور النظام السياسي الذي يرتجيه، فهذا د. هيكل يعتقد بأن الديمقراطية ملائمة للمزاج المصري، وأنها أفضل أنظمة الحكم بالنسبة للبيئة المصرية، وذلك -في نظره- لأنها تدعو إلى ما دعت إليه تعاليم الإسلام"من حقوق الأفراد في حرية الفكر وفي التعليم وفي السعي والعمل"كما أن"طبيعة هذه البلاد تتفق مع هذه التعاليم وتعاون عليها"وعليه"فلا مفر من أن تكون ثقافتنا الثقافة الديمقراطية" (107) .
-والديمقراطية عند طه حسين، هي"التي يتحقق فيها التوازن على نحو ما بين الفرد والجماعة، والتي ترعى حقوق الفرد، وما بين الشخصية الفردية، والشخصية الجماعية" (108) ، وتصدى على عبدالرازق للتوفيق بين الديمقراطية والإسلام (109) .
-لكن الفكرة الديمقراطية النيابية، لم تكن بمعزل عن النقد في الفكر الليبرالي المصري، ففي ظل الاعتداء على أصول قواعد النظام الديمقراطي النيابي، من قبل حزب الأحرار الدستوريين، نجد أحد أبرز كتابه، وهو د. محمود عزمي، يطعن في هذا النظام وكأنه يبرر اعتداء الحزب عليه، فهو بالرغم من إقراره بأن الديمقراطية هي النظام الأصلح للحكم، فإنه يعتقد بأن الديمقراطية الحقة هي"حكم الأمة بالأمة"، لا حكمها بطائفة معينة من أبنائها، مهما كان عددهم، ولأن حزب الأحرار كان يشكك في وعي الناخبين الذين يمنحون الوفد الأغلبية المطلقة في كل انتخابات نيابية نزيهة، نجد د. عزمي ينادي بفكرة"الأرستقراطية العقلية"بحيث يكون وزن أصوات الناخبين متفاوت بمقدار ثقافتهم، وبمقدار ما يملكون من"أملاك مادية منتجة"، وهذا -في نظره- يخلّص النظام السياسي من أرستقراطية المال والجاه الموروث وحده (110) ، فتكون بذلك أرستقراطية مبنية على الثقافة والمال. وهكذا فالمطلوب هو الديمقراطية الأرستقراطية في مواجهة ما تعانيه مصر من الديمقراطية الشعبية الوفدية، على حد رأي الأحرار الدستوريين.
أما إميل زيدان، رئيس تحرير"الهلال"فيطالب بإعادة النظر في الديمقراطية"فميراث الثورة الفرنسية قد أصبح رثًا، وكلمات الحرية والإخاء والمساواة قد بُليت، بل كادت تصبح جوفاء لا يتفق وقعها ونغمات هذا الزمان الصاخب العنيف"، ويرى أن النظام الدستوري المصري المقتبس عن الغرب، لم يعد ملائمًا"لبيئتنا وعقليتنا وأحوالنا الخاصة"، فما هو المطلوب؟ المطلوب عند زيدان، هو أن تتجه مصر في نظامها الدستوري"يسارًا"، نحو تغليب نزعة الحكم لمصلحة سواد المحكومين لا لمصلحة طائفة منهم (111) ، إذًا المطلوب هو الديمقراطية الاجتماعية، التي تراعي مصالح الفئات المسحوقة.
-أما الموقف الليبرالي من الحرية الاقتصادية فسيظهر حين الحديث عن العدالة الاجتماعية.
2-الدعوة إلى العلمانية والعقلانية:
وفي تحليلهم لأسباب تخلف المجتمع المصري، يعبر الليبراليون من طرف خفي أحيانًا، أو بصراحة ووضوح عن اعتقادهم بأن الدين أو على الأقل أسلوب فهمه وتطبيقه، كان من الأسباب الهامة التي تقف وراء هذا التخلف!!
وفي وجدانهم الكثير من الإعجاب بالتجربة الأوروبية، في الفصل بين الدين والحياة، ويتطلعون إلى تقليد هذه التجربة، كما تستفزهم التجربة العلمانية في تركيا، وتشغفهم إعجابًا وإلهامًا (112) .
ولعل المعركة الفكرية التي شهدتها مصر، بعد إلغاء الخلافة العثمانية في آذار عام 1924م، وما أثير من مواقف واجتهادات حول إحياء الخلافة، والدعوة لعقد مؤتمر الخلافة، وصدور كتاب"الإسلام وأصول الحكم"لعلي عبدالرازق عام 1925م (113) ، هي في الحقيقة تعبير عن طبيعة نظرة هذا الطرف أو ذاك، للعلاقة بين الدين والحياة، ولدرجة سلطة الدين على الدولة والمجتمع والفرد.
إن جوهر الفكرة التي دافع عنها علي عبدالرازق في كتابه، هي الفصل بين الدين والدولة، وأن الإسلام دين لا دولة، وأن نظام الخلافة لا صلة له بالإسلام، وهذا تنظير للعلمانية، وتوطين لها في البيئة الإسلامية، ومن خلال تأصيل إسلامي مزعوم، لكنه صادف رأيًا عامًا رافضًا وساخطًا، نظرًا لطبيعة الظرف التاريخي الذي جاء فيه الكتاب.
أما التيار الليبرالي فقد رحّب بالكتاب ودافع رموزه عن الكاتب والكتاب بحرارة، على اعتبار أن القضية تمس حرية التفكير والتعبير، وإن كان سعد زغلول قد تحفّظ على آراء الكاتب بل عارضه فيما ذهب إليه من آراء (114) .
لكن هذا لا يعني أن"الوفد"قد تخلّى عن"ليبراليته"، وأصبح من دعاة"الخلافة الإسلامية"، فقد كان كما هو متوقع ضد فكرة المؤتمر، وضد سعي فؤاد للخلافة، وضد إضفاء أية صبغة"دينية"إسلامية على نظام الحكم في مصر، ومع المحافظة على طابعه الدستوري الليبرالي.