وقد كتب عدد كبير من الوفدين في تأييد أفكار الكتاب، وفي مساندة حرية الرأي والتعبير، ونادى أحمد حافظ عوض رئيس تحرير"كوكب الشرق"الوفدية بتآزر الأحرار أمام الأفكار الرجعية، التي تمسّ الدستور وما كفله من الحريات العامة.
وكتب بعضهم في جريدة السياسة يثنون على موقفها من القضية (115) ، لكن حزب الأحرار الدستوريين ومفكريه وصحافته وقفوا موقفًا أكثر حماسًا في الدفاع عن الكاتب والفكرة (116) ، وعن قضية حرية الرأي، وقد تسبب هذا الموقف في أزمة وزارية أدت إلى خروج وزراء الحزب من وزارة زيور الثانية (117) .
وعمدت"السياسة"في دفاعها عن الآراء الواردة في الكتاب، إلى ربطها بآراء الأستاذ محمد عبده، حول الخلافة، لإظهارها كامتداد طبيعي لأفكار الأستاذ (118) ، وبرز رئيس تحريرها د. هيكل في مقدمة المنافحين عن آراء علي عبدالرازق وحريته في التعبير عنها، وكتب عددًا من المقالات في هذا الصدد، وسانده كل من طه حسين، ومنصور فهمي، ومحمود عزمي، وعبد القادر المازني، وجوهر دفاعهم تركز على مسألة حرية إبداء الرأي والتعبير عنه (119) .
لربما يمكننا القول بأن قضية كتاب علي عبدالرازق، كشفت الكثير من توجهات التيار الليبرالي حول دور الدين في الحياة، وحول موقفهم من علمانية الدولة والمجتمع، وهذه التوجهات ظل رموز هذا التيار يعبرون عنها، بدرجات متفاوتة من الصراحة والحدة.
-وقبل أن تخمد نيران هذه المعركة، نشبت معركة فكرية جديدة، بطلها هذه المرة د. طه حسين، فقد أصدر في العام 1926م كتاب المثير للجدل"في الشعر الجاهلي" (120) .
إن الرؤية الفكرية التي وقفت خلف إصدار هذا الكتاب، تتمثل في سعيه إلى ترسيخ المنهج العلماني في الفكر والبحث والسياسة والاجتماع، فقد حاول طه حسين تطبيق منهج الشك الديكارتي، على الموروث الحضاري برمته، وهو يدعو إلى الإطاحة بكل المقدسات، وإخضاع كل شيء لهذا المنهج، وحتى النص القرآني فقد شكك في صحة قصة إبراهيم عليه السلام وولده إسماعيل وبنائهما الكعبة المشرفة (121) ، إذ يقول:"للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودها التاريخي، فضلًا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها" (122) .
لقد انقسم التيار الليبرالي على نفسه، في هذه القضية أيضًا، كما حدث في القضية السابقة، فقد وقف حزب الأحرار الدستوريين وصحافته ورموزه الفكرية، إلى جانب المؤلف وحريته في البحث والتفكير والتعبير.
أما حزب الوفد فقد وقف رسميًا ضد الأفكار الواردة في الكتاب، ورفض المسّ بمعتقدات المصريين ومقدساتهم تحت أية حجة أو ذريعة، واحتفت صحافة الوفد بمحاكمة طه حسين ومصادرة كتابه وإخراجه من الجامعة (123) ، واتهمت المدافعين عن الكاتب والكتاب بالإلحاد (124) .
دافع د. طه حسين عن الرؤية الفكرية التي وقفت خلف الكتابين،"الإسلام وأصول الحكم"و"في الشعر الجاهلي"وأبدى إصرارًا على مساندة تلك الرؤية، وعدم التراجع عنها، وجعل ما أثير حول الكتابين مظهرًا من مظاهر الصراع بين الدين والعلم، مؤكدًا انتفاء الأمل في تفاهمهما، ومؤمِّلًا في أن ينصرف كل منهما إلى ميدانه الخاص به تاركًا المماحكة بالآخر، ومؤملًا خروج"السياسة"من إطار الخصومة بين الدين والعلم، متهمًا السياسة بسعيها إلى استغلال هذا الصراع، وتوجيهه لخدمة غاياتها.
وقدّم طه حسين مرافعة طويلة لإسناد ما ذهب إليه من أبدية الصراع بين الدين والعلم (125) ، ودافع عن علمانية الدولة الحديثة، وأنها دولة وطنية لا شأن لها بالدين، وهذا ما يجب أن تحرص عليه الدولة المصرية لتكون"حديثة"، ومن هنا فهو يعترض على ما نص عليه الدستور المصري 1923م، من أن الإسلام دين الدولة الرسمي، واعتبره نصًا غير ضروري، وغير ذي فائدة أو غرض، وأنه أصبح"مصدر فرقة لا نقول بين المسلمين وغير المسلمين من أهل مصر، فقد رضيت القلة المسيحية وغير المسيحية هذا النص ولم تحاور فيه، ولم ترَ فيه على نفسها مضاضة أو خطرًا، وإنما نقول أنه كان مصدر فرقة بين المسلمين أنفسهم، فهم لم يفهموه على وجه واحد، ولم يتفقوا في تحقيق النتائج التي يجب أن تترتب عليه"!! وهو يقصد الخلاف بين فريقين"أحدهما المستنيرون المدنيون، والآخر شيوخ الأزهر ورجال الدين" (126) .
وفي هذا السياق نادى بضرورة تحجيم دور الأزهر في الحياة السياسية، والنظر إليه كمعهد من معاهد التعليم، لا أكثر ولا أقل.. (127)
ويجتهد الليبراليون في ترسيخ النهج العلماني، ومحاربة"التفكير الديني"-بزعمهم- واتهام الفكر الإسلامي بأنه فكر غيبي لا يصلح لهذه الحياة !!
فهذا إسماعيل مظهر، يرى بأن الإنجاز الأهم في سبيل تحقيق التقدم هو"نقض العقلية الغيبية"، ويسميها أيضًا"العقلية الشرقية"، فهي سبب التخلف، ذلك أنها"لا تلائم مزاج هذه الحياة"، كما أنها"لا تتسق وحاجات هذه الحياة الدنيا"، وهي"تلائم من كل نواحيها الحياة الأخرى، نكران لكل مطالب الحياة، وتواكل على القضاء والقدر، واستسلام صرف لما سوف يأتي بها الغد، وإغفال محض لمواعظ الماضي وعظاته" (128) .
ولم يفتأ ينادي بالمصريين أن يتخلصوا من"الأسلوب الغيبي"في التفكير، وأن ينتقلوا إلى"الأسلوب اليقيني"، بل إن مصر -برأيه- خطت في سبيل الخروج من ظلمات الأسلوب الغيبي إلى وضح الأسلوب اليقيني، وهذه الخطوة"سوف تقودنا سعيًا إلى ميدان يتصادم فيها الأسلوبان تصادمًا يثير في جو الفكر عجاجة ينكشف غبارها عن الأسلوب الغيبي وقد تحطّمت جوانبه واندكت قوائمه، وتترك الأسلوب اليقيني قائمًا بهامة الجبار القوي الأصلاب مشرقًا على الشرق، وقد هبّ من رقاد القرون ليسير في الدرب الذي مهدت سبله للأنام نواميس النشوء والارتقاء" (129) .
ووقف إسماعيل مظهر حياته للترويج للنظرية التطور الدارونية، منذ أن أصدر كتابه"ملقى السبيل في مذهب النشوء والارتقاء"كما سخّر مجلة"العصور"، للدعوة للفكر الإلحادي، وتقديمه للقارئ في إطار الدافع عن حرية الفكر والعقيدة وحرية الرأي والتعبير.
وحدد إسماعيل مظهر وجهة"العصور"في افتتاحية العدد الأول، بأنها مكرّسة للدفاع عن الفكر الحر، متحررة من جميع الآراء والنظريات المسبقة، التي طالما قيّدت الكتّاب ومنعتهم عن قول الحقيقة بحرية، وأن هدفها النهائي التنديد بأنماط الفكر الدينية والتقليدية (130) .
ويؤكد د. طه حسين على ضرورة اقتباس"العقلية"ويعني بها طريقة التفكير عند الغرب (131) ، والإعلاء من شأن العقل وسلطته، في مواجهة أية سلطة أخرى، والنظر إلى كل الأمور نظرة عقلية.
وقد أكد د. هيكل على هذا المضمون بتأكيده أن"العقل والعلم"، هما السبيل لتحقيق السعادة التي تنشدها الإنسانية عمومًا، ولذلك فإن كل الشؤون الروحية والأخلاقية والاجتماعية يجب أن تخضع لسلطة العقل والعلم، واعتبارها المرجعية الحاكمة لكل تصرفاتنا (132) ، مبعدًا أي دور للدين في صياغة هذه المرجعية.