فهرس الكتاب

الصفحة 833 من 1942

ويتفق محمد زكي عبدالقادر مع هذه الدعوة، فينبّه إلى"أن نهضتنا ينقصها الروح العلمي، وما دامت كذلك فهي نهضة عرجاء فقدت الجانب المنتج، وبقيت لها المظاهر التي لا تقدم ولا تؤخر شيئًا"، ويشير إلى أوروبا -رمز الإلهام- واحترامها للعلم والعلماء، إذ نجد أن"الروح العلمي متغلغلًا عميقًا لا بين طبقة معينة أو في بيئة خاصة، ولكن بين جميع الطبقات، وفي كل البيئات"وهذا -عنده- يقف وراء"نهضة حقّة تقوم على دعائم ثابتة" (133) .

أما إسماعيل مظهر داعية نظرية التطور؛ فإنه يدعو إلى جعل العلم أساسًا للنهضة، لأن"العلم حر مطلق من القيود، لا يؤمن إلا بعد شك، فإذا آمن كان إيمانه راسخًا وطيدًا، هذا خلق العلم، وهذا هو الخلق الذي يغرسه الإيمان الثابت بكل ما ينزل من العقل منزلة الاحترام والتقديس".

كما أنه مؤمن بأن"من شأن العلم أن ينظم العقل وينظم الشهوات وينظم المطامع. ذلك بأن العلم يقوم على حقيقة أساسية هي تنظيم الصلات القائمة بين الحقائق تنظيمًا يحدد لكل حقيقة منها موضعها الخاص الذي تشغله في نظام الأشياء"وهو يتخذ من شعار"العلم"سبيلًا للدعوة لاتخاذ نظرية التطور منهجًا للإصلاح الاجتماعي، إذ يقول"على أن الشرق إن أراد أن يخطو إلى الأمام خطوات واسعة إلى الأمام في سبيل الارتقاء الحقيقي وأن يضرب في معارج التطور الثابت نحو حالات أسعد وأفضل، فإن من واجبه أن يجعل السياسة تابعة للعلم الاجتماعي، القائم على حقائق العلم الطبيعي"وتوضيح ذلك، قوله:"فلا بد إذن من أن نربط بين السياسة وبين العلم، وأن نحكم الصلة بين السياسة وبين منهج اجتماعي نتخذه إمامًا تأتمّ به السياسة في الإصلاح المدني"ولمزيد من التوضيح"فإن الجماعات الإنسانية باعتبارها كائنات حية من ناحية، وباعتبارها كائنات ذات نظام اجتماعي من ناحية أخرى، قد تصدق عليها حقائق علوم الأحياء مطبقة عليها تطبيقًا خاصًا، كما تصدق على بقية الأحياء الأخرى."

ولا أخال أن مفكرًا متزن التقدير يُنكر أن اتخاذ أسباب العلم وسيلة للإصلاح الاجتماعي، هو السبيل التي تؤدي بأمم الشرق إلى وضع قواعد ثابتة تنتحيها في التدرج نحو مثلها العليا.

والمحصل أن الإصلاح الاجتماعي في أمم الشرق، ينبغي أن يُعهد به إلى علماء اتصلوا بعلوم الأحياء وعلوم الاجتماع" (134) ."

لكن د.هيكل وضمن سياق المراجعات الفكرية الذي اختطه لنفسه منذ نهاية العشرينيات، يعود إلى الاعتذار عن الأسلوب الإقصائي الذي انتهجه حيال دور الدين في صياغة المجتمع المنشود، إذ يصرح"أشعر اليوم بأن ما تخيَّلته في زمن من الأزمان عن العلم التجريبي واقتداره المطلق على حل كل ألغاز الكون، والحلول بذلك في نفس الجماعات، محل الإيمان ، ليس يبلغ من نفسي إلى مكان العقيدة واليقين، بمقدار ما كان يبلغ في صدر شبابي"لذلك فهو يدعو إلى إعادة الاعتبار إلى الإيمان، وإلى"الجانب الروحي"في تكوين الفرد والجماعة، ويطالب بوجوب"أن نبحث الإيمان على أنه واقعة اجتماعية لا حياة للجماعات بدونها"، فالمطلوب إذًا هو التوفيق بين"العقل والروح"، لكن ما هو دور الروح في هذه التوفيقية؟ دور الدين هو تحقيق الراحة النفسية للإنسان من أعباء الحياة وهمومها ليس أكثر،"لابد إذًا من مَثَل أعلى تؤمن به الجماعة وتجد من تطلعها إليه وهيامها به ما يُنسيها ما في الحياة من هم وبأساء" (135) .

وهذا ما عبّر عنه في وقت لاحق أحمد أمين، وهو يكشف"أكاذيب المدنية الحديثة"، مؤكدًا أن أخطرها كان الفصل بين "الجانب المادي، و"الجانب الروحي"ولذلك لابد من إقامة التوازن بينهما (136) ."

وتحدّث د. هيكل عن ما يُعانيه الغرب من أزمة روحية، وقلق نفسي، جراء شيوع المادية وثقافة الإلحاد، وتعاطف مع مشكلة الفراغ الروحي لدى الغرب، وتمنى لها نهاية سريعة، ولعل الشرق بميراثه الروحي العظيم يُسهم في ذلك (137) .

3-الدعوة إلى التغريب:

آمن الليبراليون المصريون بضرورة أتباع نهج الحداثة الغربية، كسبيل لصنع التقدم، وتحقيق النهضة المنشودة، وقد أجمع هؤلاء على اعتبار النموذج الغربي نموذجًا جديرًا بالمحاكاة (138) .

والحقيقة أن الفكر العربي الحديث منذ مطلع القرن التاسع عشر، تقبّل فكرة"أوروبا النموذج"، واعتبر الغرب مصدر الخطر ومصدر الإلهام معًا، يثير الإعجاب كما يثير الغضب، ويثير الكره كما يثير الحب (139) .

فالإجماع منعقد على ضرورة الإفادة من تجربة الغرب الحضارية، وأن ليس هناك ما يمنع من الاقتباس عنها، فعلومها هي في الأصل علوم إسلامية (140) ، وهي بضاعتنا رُدّت إلينا، فالغرب أفاد من حضارتنا، ولا ضير من أن نفيد من حضارته، وحضارته لا تخصه وحده، بل هي جزء من الإرث البشري أو أحد نتاجاته (141) .

عبّر طه حسين في فترة مبكرة عن إيمانه بضرورة الاقتباس عن أوروبا بحكم الضرورة والحاجة للمنافع المتحققة عن ذلك. ولكن هذا الاقتباس، يجب أن يتفاوت قلّة وكثرة، يُحبّذه في النظم السياسية الدستورية، وفي المنهج العلمي الغربي، لكنه لا يحبذه"في الفن والأدب والحياة الاجتماعية، فلنا فنوننا وآدابنا ونظامنا الاجتماعي وواجبنا هو أن نحتفظ بشخصيتنا قوية واضحة في هذه الأشياء، وألا نقتبس من أدب الغرب وفنه ونظامه الاجتماعي إلا ما يمكّن شخصيتنا من أن تنمو وتتطور، وتحتفظ بما بينها وبين العالم المتحضر من الاتصال" (142) ، لكن طه حسين سوف يتخلى عن هذا الموقف المعتدل.

إذ إنه ينادي -بما نادى به الخديوي إسماعيل- بجعل مصر جزءًا من أوروبا، وتبرير الدعوة إلى التغريب هو"الاضطرار"لننال إكبار الأمم لنا !!

ولنظفر باستقلالنا عن انجلترا وفرنسا، وشرط ذلك أن نعيش عيشتهما ليطمئنا إلى ما نطلب من استقلال، ونحن مضطرون لذلك للتخلص من الامتيازات الأجنبية، فيجب أن نعيش عيشة الأجانب ليطمئنوا إلى إلغاء الامتيازات ! ونحن مضطرون لاتخاذ أسباب الحياة الحديثة أيضًا (143) .

وقد تبنى د. منصور فهمي الدفاع عن"مشخِّصات الشرق"ويقصد بها عناصر هويته، وقيمه وعاداته وتقاليده، وينادي بالصمود في مواجهة الاجتياح الثقافي الغربي، ويحذر"الشرقيين"من أن يطغى سيل الغرب"على ما لهم من بعض مشخصات، لا تعطل في شيء سير الترقي والتقدم" (144) .

وينادي د. منصور فهمي بضرورة الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية، وهو لا يتفق مع نزعة أولئك"الذين يريدون أن تكون الإنسانية كتلة متشابهة في أساليبها وتفكيراتها وعواطفها" (145) .

وهذا تحذير مبكر من مخاطر"العولمة الثقافية، التي تستهدف سحق كل الخصوصيات الثقافية للشعوب لصالح سيادة الثقافة الغربية."

ويوضح مصطفى عبدالرازق رؤيته لمفهوم الاقتباس وغاياته، معلنًا أن دعوته للاقتباس لا تستهدف جعل مصر قطعة من أوروبا، بل أن تظل مصر قطعة من إفريقية، متصلة بآسيا على أن تزاحم الغرب بالمناكب، في كل ما وصل إليه الغرب من علم ومدنية ورقي، ويريد من مصر"أن تقتبس أصول المدنية الغربية وتتشربها تشربًا، لا أن تلبسها ثوبًا معارًا"، وأن تحافظ على"جوهر مشخصاتها"، وهي عنده اللغة والدين شريطة"أن يخضعا لسنة الله، في هذا العالم، وسنة الله في هذا العالم أن يتحرك كل شيء وأن يتطور" (146) !!

ويرفض د. منصور فهمي اقتباس"مظاهر المدنية التي ليست وليدة العقل والعلم" (147) ، ويؤكد على رفض ما ينادي به التغريبيون باتخاذ"الغرب إمامًا يأتمون به في كل أمر، ويصطنعوا كل مظاهر حضارته من غير تحفظ" (148) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت