ولقد كان اتهامهم هذا عميق الأثر في نفوس شباب المسلمين المتعلمين، شعر هؤلاء الشبان بأن الزندقة تقابل حكم العقل ونظام المنطق في نظر جماعة من علماء المسلمين، وأن الإلحاد عندهم قرين الاجتهاد، كما أن الإيمان قرين الجمود، لذلك جزعت نفوسهم وانصرفوا يقرعون كتب الغرب يتلمّسون فيها الحقيقة، اقتناعًا منهم بأنهم لن يجدوها في كتب المسلمين. لذلك انصرفت نفوسهم عن التفكير في الأديان كلها وفي الرسالة الإسلامية وصاحبها، حرصًا منهم على ألا تثور بينهم وبين الجمود حرب لا ثقة لهم بالانتصار فيها، ولأنهم لم يدركوا ضرورة الاتصال الروحي بين الإنسان وعوالم الكون اتصالًا يرتفع به الإنسان إلى أرقى مراتب الكمال وتتضاعف به قوته المعنوية" (166) ."
قضية المرأة:
انشغل الفكر الليبرالي في مصر بقضية المرأة، كأحد المحاور الرئيسية في مشروعه من أجل التنوير والنهضة والتقدم، والمرجعية الفكرية هي الثقافة الأوروبية، أما النموذج فهي المرأة الأوروبية. وهناك محاولة للإفادة من جهود السابقين والبناء عليها (167) ، خاصة جهود قاسم أمين (168) .
لقد أبدى الليبراليون طوال فترة الدراسة احترامًا وإجلالًا لجهود قاسم أمين، ليس كمدافع عن المرأة فقط، بل كمصلح اجتماعي وقف حياته للدفاع عن"حرية الفكر ، وحرية المرأة !!"بإسهامه في تأسيس الجماعة 1908م، وفي دفاعه عن قضية المرأة (169) .
وتابع الليبراليون السير على خطى قاسم أمين في موقفهم من قضية المرأة، وساهمت الصحافة الليبرالية في دعم قضية المرأة (170) ، وفي دعم الحركة النسائية، وفي تثقيف المرأة بما ينبغي أن تطالب به من حقوق، وبما ينبغي أن تفعله لتحصيل هذه الحقوق، وفقًا للمرجعية الأوروبية، واقتفاء لنموذج المرأة الأوروبية (171) .
واهتمت الصحافة بنشر المقالات والصور التي تخدم فكرة وجوب تقليد المرأة المصرية للمرأة الغربية في السلوك، والعادات، والأزياء، ومسابقات الجمال، والرياضة النسائية، وتولّت الصحافة النسائية جانبًا هامًا من هذا الجهد.
وبرزت الحركة النسائية، وتعاظم دورها في المطالبة بحقوق المرأة المصرية، ووضعت قضية المرأة المصرية في إطار قضية المرأة في العالم، وحاولت الحركة النسائية المصرية أن تصبح جزءًا من الحركة النسائية العالمية، وتتبنى المفاهيم والمعايير الأوروبية في معالجة قضايا المرأة، وإن كان هذا التبني يجري بأسلوب تدريجي بطيء (172) .
وبرزت في هذا المجال أسماء نسائية شهيرة مثل، ملك حفني ناصف (باحثة البادية) وصفية زغلول، وهدى شعراوي، وسيزا نبراوي، ومنيرة ثابت، وميّ زيادة، ونبوية موسى، ولبيبة أحمد (انضمت فيما بعد لجماعة الإخوان المسلمين) (173) .
ويحرص الليبراليون في هذه المرحلة على مراقبة الحركة النسائية في تركيا، ومتابعة التجربة التركية في هذا الميدان إعجابًا وتقديرًا وتطلعًا للتقليد (174) .
1-الدعوة إلى"السفور"ومقاومة"الحجاب":
شغلت الدعوة إلى السفور وخلّع الحجاب، الجزء الأكبر من اهتمام التيار الليبرالي بقضية المرأة، منذ كتب الطهطاوي بكثير من التسامح عن السفور والاختلاط، الذي تتمتع به المرأة الباريسية، وباعتبار السفور والاختلاط ليس نقيضًا لعفة النساء (175) .
-وقد أبرز علي مبارك في روايته"علم الدين"هذه المسألة بأسلوب حواري بين المستشرق المدافع عن السفور وبين الشيخ الأزهري المدافع عن الحجاب، ويرى د. محمد عمارة"أن صورة المرأة الأوروبية المتحررة كما عرضها، كانت مشرقة، بقدر ما كانت"حجج"الشيخ علم الدين باعثة على النفور!" (176) .
-وتابعه قاسم أمين في اعتبار التربية وليس الحجاب هي التي يُعوّل عليها في الأخلاق والعفة، إذ أن"العفَّة ملكة في النفس لا ثوب يختفي دونه الجسم" (177) ، ومع ذلك فهو لم يتجاوز - مؤقتًا - المطالبة بكشف الوجه واليدين (178) ، مع إبطال ارتداء النساء النقاب أو البرقع !
وقد أطنب في تعداد مساوئ"الحجاب"، وشرح أضراره (179) ، مؤكدًا أنه لا يمنع الفساد (180) ، وأنه من بقايا"هيئتنا الاجتماعية الماضية"، ولأنه ضار فلا يمكن أن يكون شرعيًا (181) ، كما عده منافيًا للحرية الإنسانية، لأنه يعيق المرأة عن ممارسة حقوقها (182) ، ونادى بالاختلاط دون خلوة (183) .
هذه هي القاعدة التي تأسس عليها الخطاب الليبرالي في مسألة السفور والحجاب، ووقف عندها إلى حين (184) .
وظل"الخطاب السفوري"-إن جاز التعبير- يتطور بشكل تدريجي لجهة التغريب، وتبني المعايير الأوروبية في هذا الميدان. لقد قدّم"عبدالحميد حمدي"رئيس تحرير مجلة"السفور"، رؤية جماعة السفور، أو أيديولوجيا السفور بحسب ما تفهمه فئة هامة في التيار الليبرالي، ولم يخرج فيها عن الحديث عن احترام أحكام الدين !! وأن المطلوب إنما هو الانتفاع"بأحكام الدين الخالصة في تحرير المرأة من ربقة العادات الفاسدة"!!
إذًا المطلوب هو إعادة نظر وإعادة تفسير وصولًا إلى فهم جديد لأحكام الدين، كما يُقدّم رؤيته لمفهوم"السفور"اجتماعيًا، فهو يعني"ظهور المرأة في مكانتها اللائقة في الحياة باعتبارها مخلوقة لها حقوق طبيعية يجب أن تحصل عليها ولها وظيفة كبيرة يجب أن تؤديها" (185) .
ويجري التركيز في"الخطاب السفوري"على إبراز مثالب الحجاب، وفضائل السفور، ودعوة النساء للثورة على الحجاب ، فهو يولد سوء الظن بين الرجل والمرأة (186) ، وهو يجني على الأدب والفن، لأن الشاعر والفنان"لا يجد الكائن الجميل الذي يصوّره، أو هو لا يشعر به في الناحية الاجتماعية" (187) ، وهناك دعوة يوجهها علي عبدالرازق إلى المبادرة العملية، ومن خلال الممارسة للتخلص من الحجاب،"فلقد علّمتنا التجربة في مصر أن السفور كبعض مسائل الحياة الأخرى، إنما يكون حلّه عن طريق العمل لا من طريق البحث والجدل"، فهو يدعو إلى العمل وعدم الاكتفاء بالجدل،"إننا قد أصبحنا نعتقد أن من الواجب علينا أن نحول بين الجدل وخصوصًا الديني، وبين شؤون الحياة الاجتماعية العملية، بقدر ما يجب أن نحول بين حركة النهوض في الشرق، وبين كل ما يعوق ذلك النهوض"، وهو يعتقد بأن مصر اجتازت طور البحث النظري في مسألة السفور والحجاب إلى طور العمل والتنفيذ، لكن المشكلة -في نظره- التي تواجه المصريين اليوم"إنما هي الوسيلة التي يتدرجون بها إلى السفور الفعلي، تدرجًا لا يكون فيه منافرة بين ذوق الحجاب القديم، وذوق السفور الجديد" (188) !!
وإذا كان"الخطاب السفوري"يقدم صورة منفّرة للحجاب ولوضع المرأة"المحجبة"؛ فإنه أفرد صفحات واسعة من الصحافة الليبرالية، لتعريف المرأة المصرية بأنماط جديدة من السفور التغريبي، في الأزياء، والسلوك ، والعادات (189) .
وفي هذه البيئة الفكرية تنامت الدعوة إلى تحطيم كل الحواجز والحجب أمام الاندماج الكامل للمرأة في الحياة الاجتماعية، لكننا لا نعدم أصواتًا تنادي برأي أخف في هذه المسألة (190) .
وهناك من ينادي بضرورة الاستفادة من تجربة الاختلاط في الغرب، ويزعم أنها لم تهدد الأخلاق العامة، بل إنها زادت في متانة أخلاق الشباب، وقلّلت من النظر إلى المرأة بوصفها جسدًا !! ومن باب"موضوعة الجنس"فقط، بل إن الفصل بين الجنسين هو ادعى إلى إثارة الشهوات، وفيه الكثير من سوء الظن بأخلاق المرأة والرجل (191) !!