فهرس الكتاب

الصفحة 836 من 1942

ويخرج د. محمود عزمي على الناس ليعلن أن"الاختلاط الصريح"بين الجنسين له من الأهمية ما لتحقيق"التعادل الفكري"بين الرجال والنساء من أهمية، لذلك فإنه لا إمكانية"لإصلاح صحيح للجماعة الشرقية إلا إذا توافر فيها هذان العاملان توافرًا شاملًا جريئًا" (192) !!

لقد أصبح"السفور"مجرد وسيلة للوصول إلى نشوء المجتمع المختلط"الذي يُقرّب مسافة الخلف بين الجنسين، ويُقيم علاقات بين الرجل والمرأة على قاعدة التفاهم الفكري والعاطفي"، لذلك يأسف البعض على"أننا لم نخطُ بعد الخطوة الحاسمة في سبيل تطبيق روح الحضارة العصرية على عاداتنا وأخلاقنا وأساليب حياتنا" (193) .

من الواضح أن الخطاب الليبرالي في هذه المسألة قد تابع قاسم أمين في أفكاره، فضمّ أصواتًا"توفيقية"، لكنه بدأ يعرف أصواتًا تنادي بالاختلاط الصريح والكامل.

ويظهر أن البعض بدأ يعوّل على"الموقف"العملي وليس مجرد"التنظير"الفكري للمسألة، والمناخ العام أصبح في صالح السلوك السفوري، واستمر الهجوم على الحجاب والحجب، كما جرى الربط بين السفور، والتقدم، واعتبار الحجاب سلوكًا متخلفًا يتنافى مع التقدم والمدينة، ويعطّل قدرات المرأة، وفي موازاة ذلك هناك جهود إعلامية كبيرة لإشاعة ثقافة السفور على الطريقة الغربية الخالصة.

2-الدعوة إلى التعليم والعمل والحقوق السياسية للمرأة:

لم تكن مسألة حق المرأة في التعليم موطن جدل كبير في الفكر العربي الحديث، فقد كان هناك شبه إجماع على حقها في التعليم من حيث المبدأ، أما الخلاف الذي ظهر فهو حول المستوى والنوعية، وجاء هذا الاختلاف مرتبطًا بطبيعة الموقف من مشاركة المرأة في الحياة العامة، ودرجات هذه المشاركة ونوعيتها.

لقد دافع الطهطاوي عن حقها في التعليم، وخصص كتابًا للدعوة لتعليم البنات والبنين (194) ، وتابعه علي مبارك"أبو التعليم"في مصر، بالتأكيد على إيمانه بقدرات المرأة العقلية والفكرية، هذا من الناحية الفكرية المجردة.

أما من الناحية العملية فقد عبّر عن هذه الرؤية من خلال الممارسة عندما تولى نظارة المعارف (195) .

أما قاسم أمين فقد تدّرج في موقفه من مسألة تعليم المرأة، ففي"تحرير المرأة"طالب بحقها في الحصول على"التعليم الابتدائي على الأقل حتى يكون لها إلمام بمبادئ العلوم" (196) ، مؤكدًا على أنه ليس ممن يطلبون"المساواة بين المرأة والرجل في التعليم، فذلك غير ضروري، وإنما أطلب الآن ولا أتردد في الطلب أن توجد هذه المساواة في التعليم الابتدائي على الأقل" (197) ، إذًا هو يكتفي الآن بالتعليم الابتدائي، لذلك نجده يطوّر موقفه هذا في كتابه"المرأة الجديدة"ليطالب بالمساواة التامة في التعليم، فيقول:"لا نجد من الصواب أن تنقص تربية المراة عن تربية الرجل"سواءً التربية الجسمية أو الأدبية أو العقلية (198) ، بل وينادي بمنحها الحق في التعليم المستمر عبر الانخراط في الحياة العامة (199) .

لقد بلغ قاسم أمين الذروة في مطالبه، فلم يدع لمن يأتون بعده شيئًا يطالبون به في مستوى التعليم المنشود للمرأة، فبقي التيار الليبرالي يؤكد على فكرة المساواة التامة في التعليم بين المرأة والرجل، وراح يمارس تأكيد هذه الرؤية عبر الفكر والممارسة.

ومن المعلوم درجة ما تمتع به الليبراليون من قدرة على صنع القرار، وتنفيذه عبر وجودهم القوي في السلطتين التشريعية والتنفيذية.

وقد عوّل الليبراليون كثيرًا على التربية والتعليم كوسيلة للنهوض بالمرأة، فهذا صوت نسائي عبر مجلة"السفور"يؤكد أن"التعويل ينصب على التربية والتعليم أولًا، إذ هي الوسيلة الفعّالة للنهوض بالمرأة وتصحيح أحوالها" (200) ، والحركة النسائية المصرية أكّدت عبر مسيرتها على مطلب التعليم، فبرنامج الاتحاد النسائي يطالب بـ"مساواة الجنسين في التعليم"، ويطالب بـ"فتح أبواب التعليم العالي للفتيات، والإكثار من المدارس الثانوية للبنات" (201) .

لكن التيار الليبرالي وفقًا لمرجعيته الفكرية، ورؤيته لدور المرأة في المجتمع، تبنى الدعوة للتعليم المختلط، واجتهد رموزه في الترويج له، وإبراز فضائله وإيجابياته.

والأصوات الليبرالية المعتدلة، تنأى بنفسها عن حملة الترويج للاختلاط الكامل في جميع مراحل التعليم، وفي مقدمة هؤلاء يبرز د. منصور فهمي، الذي يخلص إلى تأييد وجهة النظر القائلة بتخصيص بعض أنواع التعليم للإناث، وبعضها الآخر للذكور، بما يتوافق مع طبيعة كل جنس واحتياجاته، ورفض ما كان يروّج له البعض من أن الاختلاط يضعف الميول الجنسية لدى الجنسين، فيقول:"إن ضرر الإفراط في عزل الجنسين لا يبرر الإفراط في نقيضه من المبالغة في جمع الجنسين في جميع أدوار التعليم، وكما أن الإفراط في العزل والتضييق في وسائل الخُلطة قد يترتب عنهما انحراف، فقد يترتب كذلك أسلوب من الانحراف عند الغلو في توفير الخُلطة"، ومن هنا فهو لا يمانع في أن يكون التعليم الأولي مختلطًا، لكنه يعارض الاختلاط في التعليم الابتدائي العالي والثانوي، ويبرر ذلك بطبيعة المرحلة العمرية، وما ينجم عن الاختلاط بين الجنسين خلالها من أضرار خُلُقية ونفسية وعلمية، وهو لا يمانع في الاختلاط في التعليم العالي في المعاهد والجامعات معتمدًا على مشاهداته في أوروبا وفي مصر، إذ أن"الطالب أو الطالبة في دور العلم العالية يقدرون ما يترتب على كل عمل من أعمالهم من التبعات الخلقية ويعلمون طريق الخير وطريق الشر، ويفهمون معنى الفضيلة، ومعنى الرذيلة، ولهم من حُسن تربيتهم فيما مضى، ومن سلطانهم على أنفسهم، وحسن أخلاقهم، ما يُزيل أي سوء للخلطة ويجرّ إلى خيرها" (202) !!

لكن التيار الليبرالي ظل مؤمنًا بأهمية الاختلاط ومحاسنه (203) ، وتبنى بعض المحسوبين عليه، الدعوة إلى المفاهيم الغربية في ميدان التربية والتعليم تبنيًا كاملًا غير منقوص، فهذا د. أمير بُقْطر (204) يدافع عن الاختلاط الكامل وفي جميع المراحل الدراسية، ويهوّن من المخاطر المفترضة، ويتمنى أن تسير مصر في هذا، كما سارت أوروبا"إننا في حركتنا الأخيرة، وما اقتبسناه من أساليب المدنية الغربية نقطع عين المراحل التي قطعها سوانا، واحدة واحدة، ونواجه عين العقبات، واحدة واحدة" (205) ، ويطالب بالانفتاح على التجارب الحديثة في مجال التربية والتعليم في أوروبا وأمريكا، ويعرض نماذج من التعليم في الغرب، تؤكد على محاسن التعليم المختلط وثبوت انعدام مخاطره حتى في بعض الحالات التي طبق فيها الاختلاط حتى في الأقسام الداخلية، وفي غرف النوم من سن الثانية إلى سن الثامنة عشرة (206) !!

ولما كان التيار الليبرالي قد اعتنى بالحديث عن حق المرأة في التعليم، فإنه بتطور الحياة، وانتشار التعليم، وتزايد أعداد الخريجات، بدأ الحديث عن حق المرأة في العمل، يأخذ بعدًا أوضح في الخطاب الليبرالي.

هذا ولم يكن الالتفات إلى حق المرأة في العمل وليد هذه المرحلة، بل كان الطهطاوي (207) ، وقاسم أمين (208) وغيرهم كثير من المفكرين قد أشاروا لهذه المسألة، من باب إقرار مبدأ حقها في العمل خارج المنزل.

وإذا كان العقاد يؤكد على ضرورة إعفاء المرأة من العمل خارج المنزل، وأن هذا حق من حقوقها على المجتمع، لتتفرغ لمهمتها الأساسية، وهي تربية الجيل القادم، فإنه يستند في ذلك إلى أن الرجل أقدر من المرأة على تحمّل أعباء الحياة ومشاقها، فهو أقوى منها جسدًا وعقلًا (209) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت