فهرس الكتاب

الصفحة 868 من 1942

كثيرة هي المسائل التي يطرقها القوم في محاولاتهم التسلّلَ إلى نقد الشرعية الإسلامية العليا ، غير أنِّي سأشير - إن شاء الله تعالى - إلى بعض القضايا ، التي يمكن وصفها بالإرهاصات ، وأقف عند ما يتعلق منها بموضوعنا الأساس ، لأنَّ مسيرة التسلل - التي تكرر فشلها في دولٍ مجاورة على مدى عقود - بدأت تتسارع في تهورٍ ظاهرٍ ؛ لتصل إلى موضوعات خطيرة جدًا ، فيما يمكن وصفه بإحراق المراحل ( العقلانية ) ، في سبيل الوصول لما يسمى بـ ( الدولة المدنية ) !! بمفهومها الغربي .

وأحب أن أنبِّه بداية بالقول:

إنَّ قراءة محاولات التسلل إلى نقد الشرعية الإسلامية العليا لا يمكن أن تكون شاملة من خلال النظر في كتابات بعض الصحفيين أو اللقاءات ببعض رموز القوم في وسائل إعلام بلادنا فحسب ، بل لا بد أن تمتد النظرة إلى أصولها في منتدياتهم المشبوهة ، التي دافع بعضهم عن بعضها في صحافتنا عندما تم حجبها رسميًا ، لجرأتها على ثوابت الشريعة ، ومكونات الوطنية الإسلامية ، وتهجمها على الحكم الإسلامي في المملكة ؛ وكذلك ما وقفت عليه بنفسي من لقاءات إعلامية مرئية ومسموعة في وسائل إعلام غير محلية .

فمن الارهاصات بين يدي المطمح الكبير ما يلي:

أ) انكار المؤامرات على الإسلام والمسلمين ، وعلى الشريعة الإسلامية ؛ لأهداف تختلف من شخص لآخر:

منها: دفع تهمة الخيانة ممن ينفذ أجندة أجنبية معارضة ، وهي التهمة التي ينفر منها الأحرار في كل العالم .

ومنها: إشعار الأمَّة بأنَّ محاولات التسلل - في صورة مقال أو قصيدة أو مشهد تمثيلي أو رواية أو ( كاريكاتير ) أو غيرها - ليست سوى فكر إصلاحي من الداخل ، لا علاقة له بالأجنبي ، وأنه ليس فكرًا مستوردًا ، وأنهم لا ينقصهم إبداع ...

ويبدو أن هذا الهدف الأخير بات مكشوفًا مع محاولة التغطية ، واعترفوا بفشلهم في تمريره ، فانحدروا في تطبيع استيراد الفكر ، وتجاوزوا ذلك إلى تطبيع السرقات الفكرية ، وما رسومات ( الكاريكاتير ) التي اعترفت بها بعض الصحف عنا ببعيد !!

ب) محاولة تفسير النصوص الشرعية على غير وجهها ، والتستر وراء بعض الأقوال المرجوحة ، ونماذجها كثيرة جدا ، ومن ذلك فيما يخص موضوعنا: مدلول ( أولي الأمر ) ، إذ سوّقوا تفسيرًا بقصره على الحكَّام التنفيذيين ، دون وعي لشرط المشروعية عند القائلين به ؛ ويتبين لنا أثر ذلك بصفته خطوة من خطوات التسلل لإقصاء الشرعية الإسلامية العليا حين نعلم أن هذا القول يمكن الإفادة منه - مؤقتًا - في ترويج فكرة الدولة المدنية ، التي تقوم في طرحها على عزل الحاكِم عن العالِم .. وهو من أقدم الارهاصات لموضوعنا .

ج) النقد الجائر لجميع السلطات في المملكة العربية السعودية ، التي هي أفضل نموذج للدولة الإسلامية في هذا العصر ، وكثيرا ما يبدأ هذا النقد - الذي يتحدّر في أسلوبه ، في الوقت الذي يرقى فيه إلى نوع من تصفية الحساب مع الوطن وقياداته ومؤسساته - في وسائل إعلامية من وراء الحدود ثم يتسلل فيما بعد ولو تحت شعار الدعوة لإصلاح وطني .. ولم يقتصر الأمر على السلطات التنفيذية ، ولا التنظيمية ، بل قفزوا قفزة العَدَّاءِ الأخيرة في ( ماراثون ) التسلل ، إلى السلطة القضائية ، بخطوة مشدودة لتحقيق فوزٍ في تسللٍ لم يخف على العامّة فضلًا عن غيرهم .

وقد كتبت في هذا الموقع عن حملة إعلامية على المحاكم الشرعية من هذا النوع ، كانت متناغمة في التوقيت والوجهة حول قضية واحدة . ولم يكتف القوم بذلك ، بل أخذوا يتباكون تباكي الصبي أمام والديه ، إذ قدّموا عرائض تدعي انتهاك حقوق الإنسان والحريات ، إلى جهات أجنبية!! محاولين تدويل بعض القضايا التي كانت تسير في طريقها النظامي الشرعي إجراءً وقضاءً ، معلنين بذلك تناقضا صارخًا بين دعاوى الوطنية التي لا يفترون من تردادها في الوقت الذي يخسرون ودادها . وهذا أمر سنكشف جذوره - إن شاء الله تعالى - بنصوص من أجندة أجنبية سابقة ، لا زالت سريّة منذ ما يزيد على قرن ونصف من الزمان .. ولكن الانبهار يحجب الاعتبار ، فلا يلتفت المصاب به للتاريخ ، ليحذر أن يكون ريشة في مهب الريح !!

د) النيل من العلماء حملةِ علوم الشريعة ، وأوعية حفظ نصوصها ومعانيها ، وأهل تحقيق مناطات أحكامها في الوقائع ..

وهذا لهم فيه طرائق منها:

-التنقّص من قدر العلماء ، بالسخرية منهم ، وإشباع الروح الرديئة من ذمِّهم بالكذب والزور والتحقير ، ففي الوقت الذي ينتقدون فيه أهل العلم ببيان الحكم الشرعي لجميع شؤون الحياة ، وتدخلهم في كل المجالات ( كما هي حقيقة شمول الإسلام للأحكام ) - حتى إخراج قوائم شركات نقية وغير نقية مزعجة لهم - نجدهم يصفونهم بعلماء الحيض والنفاس ! ولا يخفى ما فيه من محاولة التنقّص التضليلية من العالم الشرعي ، وما فيه احتقارهم هم للمرأة ، التي يتظاهرون بالدفاع عنها ! مع الغفلة عن حقيقة لا تنكر: أنَّ في العالَم متخصصون تخصصا حقيقيًا في أمراض النساء التي منها الحيض ! والتوليد الذي يعرفون صلة النفاس به !! وأحيانًا نجد التنقّص من العالم بالتهكم من علمه بحجة عدم فهم ما يقول وحيرتهم فيه ! فهلا سكتوا إذْ قصرت أذهانهم عن فهم عبارات العلماء ، ولو من باب: ( إذا ابتليتم فاستتروا ) ؟..

ومن آخر ذلك ما قرأته لبعضهم من سفاهة ممجوجة ، تطاول فيها على الشيخ الجليل العلامة الدكتور/ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء المعروف عالميًا ، بصنوف من قلّة الأدب ، في انغلاق ذهني فاضح ، ممزوج بنشوة صبيانية حمقاء ، وكأنهم في مجتمع لا يحظى العلماء فيه بتقدير الناس لهم: شعبا وقيادة ، تقديرًا متأصِّلًا في نفوس إسلامية أبيّة .. اللهم اهد ضال المسلمين .

-محاولة بعض الكتّاب مساواة نفسه بالعالم دون حياء ! ومخاطبته مخاطبة الندّ للندّ ! وهذا غاية الجهل والسفه ! فمن أسفه من جاهل يقول للعالم المشهود له بالعلم والديانة: لي رأيي ولك رأيك ! ثم يشن حملة سفهٍ على رأي العالِم ، ليمرِّر جهله هو باسم الرأي ! سفهًا بغير علم ! {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ } ؟!

-وصف علماء الإسلام برجال الدين ! والمؤسسات الشرعية ، بالمؤسسات الدينية ! والأحكام الشرعية بالأحكام الكهنوتية ! وإطلاق وصف رجال الكهنوت بل وإطلاق وصف القساوسة على علماء الإسلام ! فأي تكفيرٍ يمارسه هؤلاء لعلماء الإسلام ومرجعياته الشرعية ! هل هناك تكفير واستهانة بأهل العلم أشدّ من وصف العالم الشرعي بالأوصاف الكنسية ..

ولا تعجب ، فالقوم أعجز من أن يفقهوا ما يقولون ، إنَّهم ( رواديد ) يلحِّنون كلماتِ غيرهم أمامَنا .. إنّهم لا يأتون بشيء من عندهم ، بل وأجزم أنّ كثيرًا منهم لا يعرف من أين يُؤتَى له بما يؤتى له به !! وهذا ما ستراه موثقًا في الأسطر القادمة إن شاء الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت