رجل الدين مصطلح أجنبي عن ديننا: عقيدة وشريعة ، ورجل الدين يشبه في معناه الإفرنجي ما يعرف في تاريخنا بالقصّاص ، وعوام الوعّاظ .. أما علماء الشريعة فهم من يجمعون صفات منها: معرفة علوم الإسلام عقيدة وشريعة ، وهم في حقيقة الأمر: علماء ربانيون وبالتعبير المعاصر هم أيضًا رجال قانون .. فنقْلً هؤلاء الكتاب لهذه المصطلحات وإسقاطها على علماء الشريعة نقلٌ مفضوح ، يمكن تقريبه بصنيع الطالب البليد الذي يغش في الامتحان بنقل كل ما في ورقة زميله بما في ذلك اسم هذا الزميل !
هـ ) الاعتذار للمخالفين في الملة ، والسعي في تجاوز حكم الردة .. ولعلكم تستذكرون الطرح المتكرر لمسألة عقوبة المرتد ، والدندنة حولها ، ومحاولة التهوين من شأنها ، والتشكيك في وجوبها ، وإثارة بعض الآراء الشاذة حولها .
و ) السخرية من الأحكام الشرعية القضائية ، كعقوبة الجلد .. وقد تحدثت عن ذلك في المقال الذي أشرت إليه سابقا حول الحملة على المحاكم الشرعية ، وذكرت فيه وجود هذه العقوبة في قوانين الإفرنج من الأمريكيين والإنجليز .
ز ) القدح في الجهات التعليمية والتربوية ، بدءا من الحديث عن مناهج التعليم وتقليص المواد الشرعية وكتابة تقرير حولها تفيد منها الجهات الأجنبية ، وانتهاء بالتشويش على الجامعات الإسلامية ، والكليات الشرعية ، والمعاهد العلمية ، وجمعيات تحفيظ القرآن الكريم وحلقات تحفيظه !! والتوجّع من النوادي الصيفية التي لا يخفى أثرها في بناء الشخصية الإسلامية الوسطية .
ح) الاستماتة في محاربة الجهات الرقابية الشرعية على السلوك ، وتصحيحه ، ولعلّ المثل البارز في ذلك: هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ورجال الحسبة ، حتى إنهم ليتنادون لكتابة عرائض في المطالبة بإلغاء هذه المؤسسة التي هي جزء من مشروعية الدولة ، ومؤسسة دستورية منصوص عليها في النظام الأساسي بالحكم بوصفها واجبا من الواجبات المتفرعة عن مقاصد الخلافة الإسلامية . وسيأتي التعريج على هذا الموضوع في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى .
وعودا على بدء: كان القوم في بدايات التسلل نحو نقد الشرعية الإسلامية العليا ، يقدِّمون مقالاتهم بالثناء على الإسلام ووصف شريعته بأوصاف من مثل ( شريعتنا السمحة ) ، مع نقدٍ للإسلام بطريقة غير مباشرة ، تظهر في طيات الولولة من المسلمين وما آلت إليه حالهم من تشويه الإسلام !
كنَّا نسمع ونقرأ كثيرًا جملة ( شريعتنا السمحة ) ! ولكن تبين لنا أنها كلمة حق كان يراد بها التسلل إلى الباطل ! ولذلك: قلّ وجودها في مقالاتهم المتخوفة بينما انعدم في المتهورة ! تظاهر جُلّ القوم بذلك كلِّه حينًا من الدّهر ؛ على أمل صرف النظر عن نواياهم ، والوصول إلى أهدافهم في تجاوز التقيّد بحكم الكتاب والسنّة ، إلى الارتماء في أحضان الفكر الغربي بخلفياته المعادية للأمة الإسلامية ، وتجاوز الحكم بشريعة الله عز وجل إلى الحكم بالقوانين الوضعية البشرية ، التي تُقصِي الدين عن الحياة !
أبى الله إلا أن يكشف الفكرَ المنحرف على حقيقته ، فلم يَعُد ينطلي على متابعٍ ، ما استُحدِث من مصطلحات التملّص من سوء الطويّة ، إذ وجدنا طرحا ينتقد بعض مصادر الشريعة كالسنة والإجماع ! كما وجدناهم يحاولون التسلل إلى وصف إسلامي بنقده من خلال وصف ( إسلاموي ) كمخرج طواريء !! هذا المصطلح النكرة النشاز في بنائه ومعناه ، وأظنه من مستوردات القوم كالعادة ، فقد قرأته في أول ترجمة عربية وقفت عليها لكتاب ( صدام الحضارات ) لصموئيل هنتنغتون قبل بضع سنوات ..
لقد أفصح القوم عن نظرتهم القاصرة للإسلام الذي ينقصهم معرفته على حقيقته ، فضلًا عن العلم به ، وصار الإسلام العظيم عند هؤلاء رجعية وظلامية وتخلفًا !! يذكرون ذلك كلّه عندما يتسترون تحت الأسماء المستعارة .. وإن أتى مغلفًا تغليفًا مزوقًا أو رديئا في المقالات التي توقع بأسماء حقيقية ..
وها نحن اليوم نقرأ لهؤلاء نقدًا صريحًا للإسلام ذاته ، من خلال نقد المصطلحات الشرعية النصيّة ، وليس المصطلحات الفقهية التي هي آراء علماء - قابلة لنقدها من المؤهلين شرعيًا لذلك - فحسب ! كما نقرأ دفاعًا عن هؤلاء من قوم لا زالوا بين بين تَحْدُوا مسيرتهم المصالح الآنية ، ينتظرون كفّة النصر للميل إليها .. ويأملون اللحظة التي يرددون فيها أمنية أسلافهم في التنكر للأمة: ( ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ) !
بل وصلت بهم الجرأة إلى وصف الإسلام بالفشل ! ونقد أحكامه نقدًا سخيفًا ، يؤكِّد خواءً ثقافيًا ، وضحالة علميّة ، لا تليق بطالب فاشل في مدرسة نائية .. ليتهم تعلموا الإسلام ولو على طريقة المستشرقين الذين يحترمون أنفسهم ، فيعبِّرون عن حقيقة الإسلام ، وهم الذين عاشوا في كنف ثقافة البلاد التي يعدها كتاب التفرنج بيننا مثلًا يطمحون إليه ..
بل لم يعد القوم يستحون حتى من ترديد مصطلحات أعداء الملّة والدولة ، من جهلة الأمم الشعوب التي خدعها الاستعمار حينًا من الدهر ، أعني بذلك تكرار مصطلح ( الوهابية ) في إعلام بلادنا !! هذا المصطلح الذي كان رائجًا في الهند أيام الإمبرياليين الإنجليز كإجراء وقائي ، للتنفير من الدعوة الإصلاحية في نجد ، التي كانت تدعوا لجهاد الأعداء ، والتي لم تكن تقبل الخنوع لأي محتل ، كل ذلك حين كانت بريطانيا العظمى التي قرأنا عنها في التاريخ ..
ولو أنّ هؤلاء المتسللين المكشوفين تعلموا الإسلام على حقيقته من غير تلقين أجنبي بشكل أو بآخر ، ولو في دورات مبسطة على نحو ما يجري في مكاتب توعية الجاليات ؛ لعلموا مقدار جهلهم بالإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقا .. وهل من سبيل إلى ذلك ما لم يدرك هؤلاء حقيقة جهلهم وظلمهم لأنفسهم ، فلو أدرك هؤلاء هذه الحقيقة لتعلموا ووجدوا من الحقائق التي يصعب تجاهلها ما يوصلهم إلى مستوى المنصفين من الغربيين الكثر ، أمثال المؤرِّخ الإنجليزي الكبير مستر ويلز ، الذي لخّص قناعته في الإسلام في قوله:
"إنَّ الديانة الحقّة التي وجدتها تسير مع المدنيّة كيفما سارت ، هو الدين الإسلامي .. ولو طلب مني تحديد تعريف الإسلام في عبارة واحدة ، لقلت: الإسلام هو المدنية المرتقبة"!! وهو هنا يتكلم عن المدنية بمفهومها الحضاري الواسع ..
أو هنري دي شامبون الذي يقول:"نحن الغربيين مدينون للشعوب الإسلامية بكل محامد حضارتنا في العلم والفن والصناعة ، وحسبها أنها كانت مثال الكمال البشري في مدة ثمانية قرون ، بينما كنّا يومئذٍ مثال الهمجية"!!
أمَّا أن يبلغ علمهم بعظمة الشريعة حدًا يجعلهم يشعرون بتخلف القوانين الغربية ، بإيجابية الباحث المتعمِّق وشفافية المبهور بما يقف عليه من حقائق ، فأمر مشكوك فيه ، اللهم إلا أن يصل أحدٌ منهم بعد وقفة جادة مع الذات تعلمًا ومراجعةً تصحيحيّة ، إلى مستوى عميد كلية الحقوق بجامعة فينا ، البرفيسور شيرل ، الذي أعلن في مؤتمر الحقوق عام 1927م أمام نخبة من القانونيين الكبار:
"إن تشريع محمد صلى الله عليه وسلم سنكون نحن الأوربيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمته بعد ألفي سنة"!!!