فهرس الكتاب

الصفحة 870 من 1942

في الحلقة الماضية تم استعراض عدد من إرهاصات التسلل إلى الشرعية الإسلامية العليا. وأظن القاريء الكريم مُنَتَبِّه إلى أنَّ بعضها هو في حدّ ذاته محاولة للتسلل، وإن كانت لا ترتبط ضرورة بالمشروعية العليا بشكل مباشر، وإنَّما تمهِّد له، وتحاوِل استباق الاعتراض الشرعي بما يشبه الطَّرح المشروع، كما تحاول التشويش على ما قد يقف في طريقها من اعتراضات يُبديها بعض علماء الأمَّة ومفكريها؛ فإنكار المؤامرات على الإسلام والمسلمين، وعلى الشريعة الإسلامية، ومحاولة تفسير النصوص الشرعية على غير وجهها، والتستر وراء بعض الأقوال المرجوحة، والنقد الجائر لجميع السلطات: التنفيذية، والتنظيمية، والقضائية، والنيل من علماء الشريعة بما في ذلك وصف علماء الإسلام برجال الدين والكهنوت! والمؤسساتِ الشرعية بالمؤسسات الدينية! والأحكام الشرعية بالأحكام الكهنوتية! واستعمال عبارات من مثل: (الإسلام الأرثوذكسي) وإطلاق وصف القساوسة على علماء الإسلام! كل هذه المحاولات لا تخرج عن الإطار العام الذي أشرت إليه بغض النظر عن مدى وعي منفذيها بخطورة ما ينفِّذون.

وقد أشرت إلى أن جميع هذه الأساليب ليست من ابتكارات القوم، لأنَّهم أقل شأنا من أن يوصفوا بالإبداع، وغاية أمرهم التسويق الساذج أو المأجور لبضاعة وافدة، وإنَّما يقتصر جهدهم على التلقي ثم الأداء، وحيث قلت:"إنّهم لا يأتون بشيء من عندهم، بل وأجزم أنّ كثيرًا منهم لا يعرف من أين يُؤتَى له بما يؤتى له به!! وهذا ما ستراه موثقًا في الأسطر القادمة إن شاء الله تعالى"؛ فإني أفي هنا بما وعدت، مكتفيًا بـ:

-الإشارة إلى وثيقتين.

-وإلى محاولة تاريخية، تكشف بعض ما أقول في إيجاز.

وقبل أن أنتقل إلى الوثيقتين أقول: ينبغي أن نعلم أنَّنا في العالم العربي لسنا أمام منظِّرين، بقدر ما نحن أمام مروِّجين منبهرين إلى حدّ التهور، أو مخدوعين إلى حدّ الذوبان.. مقلِّدين إلى دركاتٍ عميقة من الانهزام النفسي. وليس هذا في الفكر فحسب! فقد جاء في وصف المؤرخ الشيخ عبدالرحمن الجبرتي (ت/1241هـ) لمجرمي الحملة الفرنسية أتباع نابليون ما نصّه:"... خالَفوا النصارى والمسلمين، ولم يتمسكوا من الأديان بدين... وعقيدتهم السالكون فيها تحكيم العقل، وما تستحسنه النفوس بحسب الشهوات... ويحلقون لحاهم وشواربهم معًا، ومنهم من يبقي شعره لعارضيه فقط، ولا يحلقون رؤوسهم ..."،"...وقد أشرت إلى بعض صور انهزاميتهم في مقالات سابقة، كتأريخهم للحوادث الإسلامية بالتاريخ الإفرنجي النصراني! وهذا ما لا تكاد تخلو منه مقالاتهم، حتى صار من علاماتهم".

-الوثيقتين:

إنَّ الهجوم المتناغم على ثوابت الشريعة والنيل من علمائها، جاء -في الجملة- وليد أجندة أجنبية، وحفيد منهج علماني متطرِّف حمل على الاستبداد الكنسي النصراني ومفهوم رجل الدِّين في الفكر النصراني الأوربي وما يعرف بالحكم الثيوقراطي المزعوم، وكان من ثمار هذه الحملة وثيقتين:

الوثيقة الأولى (وهي عبارة عن خلفية تاريخية) / المدونة البابوية:

وهي تجمع أخطاء الكنيسة وتستدرك عليها، وهي مدونة غريبة النشأة، عجيبة البنود! صدرت بعد مطالبة مؤدّبة! من (اللادينيين واليهود واللاأدرية) الذين اخترقوا المجمع الكنسي باسم الأب والابن وروح القدس!!! وصاروا من قياداته، ومما جاء في هذه المطالبة الجملة التالية:"ولنطلب حالًا من أبينا المقدّس حضرة البابا أن يمدنا بدستور يحدد مختلف الأخطاء المتعلقة بالكنيسة والسلطة الملكية... من المنفعة الكبرى أن تُقَدَّم تلك الأخطاء في لائحة..."! وقد صدرت هذه اللائحة وتحقق هذا الطلب بعد اثني عشر عاما، ولا زالت هذه اللائحة محلّ سريّة إلى اليوم، ولم يكشف عنها الفاتيكان رغم مرور أكثر من قرن ونصف، وذلك لما فيها من فضائح اختراق المجالس الكنسية ومزيد تحريف الديانة النصرانية المحرّفة أصلًا. وكان من نتائج العمل بها: حذف ما يتعارض معها في مناهج التعليم الأوربية! ومن ذلك ما يتعلق بنقد اليهود! على ما ذكر الدكتور محمد بريش سلمه الله. وسوف أُفرد بعض البنود المتعلقة بالسلطة المدنية في هذه المدونة في فقرة تالية مخصصة لبيان جذور طرح بعض الكتاب لما يعرف بـ (الدولة المدنية) التي هي نهاية مطاف محاولات التسلل إلى الشرعية العليا.

الوثيقة الثانية (وهي عبارة عن أجندة حالية) / تقرير راند 2002م:

لقد جاء لتغيير الدين بالطرح النفاقي! وقد أشرت إلى خلاصتها في موضوع بعنوان: (مسلسل الخَوَر اللعين والنيل من الدين) . ولعلي أختصر حقيقة هذا التسلل إلى نقد الشرعية الإسلامية العليا -وأدواته في هذا التقرير- بذكر جزء من مقابلة أجراها موقع Muslim Wakeup مع مؤلفة تقرير راند: شيريل بينارد، إذْ أكدت ضرورة دعم الحداثيين والمفكرين الذين يخدمون أهداف التقرير ومشاركتهم مشاركة فعالة، وذكرت أن هذا الدعم لا يلزم أن يكون علنيًا وعلى الملأ! وحتى لو أدى هذا الدعم إلى اتهامهم بالعمالة للغرب فلا بأس؛ لأنهم مصنفين من قبل الأصوليين كأدوات للغرب على أية حال؛ لذلك فإنَّ دعمهم -على الأقل- يجعل ميدان الصراع بين الفريقين متوازنا نوعًا ما! وإذا كان هذا قول شيريل فليصدقوها أو ليكذبوها!

-أما المحاولة التاريخية فيمكن تلخيصها بالقول:

إن النيل من الشريعة وعلماء الشريعة حالة ليست جديدة على عالمنا الإسلامي، بل هي تجربة متكررة تُبرِق للمخدوعين آمالًا، ولكنها -بحمد الله- لا تمطر.. ففي مصر، منذ نابليون بونابرت وحتى جهود تقليص دور الأزهر، نجد المنهج ذاته يتكرر، ومنهج إقصاء الدين بالتحايل عليه مرّ به الأزهر في مراحل، من أشهرها ما يعرف بتغييرات عام 1961م، وكان كما يقول الأستاذ عبد الحيلم عويس:"امتدادا طبيعيًا لمنهج الحملة الفرنسية على مصر، وهو المنهج الذي يقوم على ترك الأزهر يموت تلقائيًا ويتجاوزه الزمان، بينما تقوم حوله مؤسسات تغريبية حديثة تشلّ فاعليته وتجعل أبناءه في مؤخرة الصفوف... لجأ الاستعمار الإنجليزي إلى استخدام أجهزة الإعلام في التنفير والسخرية من طالب الأزهر وأستاذه، وراحوا يفرقون في المدارس بين مدرسي الدين واللغة وبين مدرسي المواد الأخرى تفرقة مرسومة، الهدف منها هو التنفير من التعليم الديني ومحاصرته".

وعودًا على بدء: فإنَّ المطالبات بدولة مدنيَّة -على النمط والمدلول الغربي الذي يجعلها في مقابل الدولة الدينية- هو كما أشرت من قبلُ: نهاية مطاف محاولات التسلل إلى الشرعية الإسلامية، بكل ما يحتاجه ذلك من مقدمات وممهدات، وحلول (امبريالية) . وإذا عدنا إلى المدونة (البابوية) المشار إليها آنفا، فإننا نجد فيها عددًا كثيرا من البنود المتعلقة بتحييد الكنيسة (النصرانية) عن الحياة: قوانينها وقضائها بل وسلوكها! ومما جاء فيها ما يلي:

"19-الكنيسة ليست مجتمعا صحيحا ومثاليًا كامل الحريّة، وليست لها حقوق خاصّة ودائمة ومخوّلة لها من طرف مؤسسها المقدس، بل من حق السلطة المدنية أن تحدد ما هي حقوق الكنيسة، وفي أي حدود يمكنها ممارسة تلك الحقوق."

13-إن حصانة الكنيسة والشخصيات الكنسية تشتق أصولها من القانون المدني.

31-إن المنتدى أو المحكمة الكنسية للأحكام الدنيوية لرجال الدين، سواء على الصعيد المدني أو الجنائي، يلزم أن تلغى كليّة، وحتى بدون استشارة الكرسي البابوي، ودون أي اعتبار لاحتجاجاته.

33-ليس للسلطة القضائية الكنسية وحدها الحق الخاص والطبيعي في توجيه التعليم بالمدارس اللاهوتية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت