إن المشكلة هي في صميم تركيب هذه الحضارة: قوة في الجسد لم تسعفها قوة مطلوبة في الروح ، اللهم إلا الروح البوشية الانتقامية النابعة من المستوى الحضاري المتدهور ذاته ، قوة عمياء تنتقي من كتابهم المقدس ما يستهوي قتلة الأنبياء ، في غفلة بائسة عن التناقض الذي تلوثوا فيه ما بين الدين والنبوءة والفضيلة والحق ، قوة غاشمة جعلتها ترى المنكر معروفا ، والمعروف منكرا: إنها تفاخر بإنجازاتها على مستوى السلبيات كما يقول الأستاذ الدكتور رشدي فكار - في كتابه نهاية عمالقة ص 132- 137 وما بعدها - ( الحروب المدمرة الأولى والثانية -: { والثالثة المستمرة من انتهاء الحرب العالمية الثانية ، في البلاد الإسلامية ابتداء من مسلسل فلسطين إلى البوسنة إلى الشيشان إلى العراق } . تعدد وسائل الفناء للبشرية كأنما لا تكفي المتفجرات الذرية ، وإنما أضيفت إليها الهيدروجينية والكيماوية والبيولوجية . التلوث الذري لتشرنوبيل وما أحدثته من رعب ، وما حملته من سموم رياح الشمال القاتلة التي وصلت أصداؤها إلى الجنوب ، والتي أتلفت آلاف الأطنان من المحاصيل والمنتجات . المضاربات التجارية ليس فقط في البنيات الاقتصادية وإنما في المستخرجات الطبية والصيدلية سعيًا وراء الربح . تعدد أنواع الأدوية والسموم بحثًا عن الكسب ولو لحساب إفشال الكبد والكلى . التلوث القيمي حيث يفاخر البعض بخروجهم على القيم والتقاليد والتنكر لكل رباط مقدس ، حتى المحرمات أبيحت باعتبار أنها مجرد( تابو) . وأسست جمعيات وأقيمت مؤتمرات وصدرت قوانين لإباحة العلاقة مع المحارم والعلاقة المثلية في مجال الجنس . وأصبح موكب الفضائح الأخلاقية بما فيه من رشوة وجنس وعلاقات جنسية علنيًا على كل المستويات ، وأصبح قاسمًا مشتركًا لا ينفصل عن العظمة !! وأصبح المنتحرون على مستوى كبار الأدباء ، والقادة والمتخصصين في الدراسات النفسية والاجتماعية والانثروبولوجية من أمثال: جاكوب مورينو ، وجان لوفيفر وهمنجواي ، ومارياكالاس ، وداليدا ... إلخ . وقامت المراهنة الصناعية على دعائم فاسدة من: تلوث البيئة بافتقاد سلامة الجو ، وتلوث الجسد بالكيمائيات ...وتلوث العلاقات الاجتماعية ، بأمراض الجنس والإيدز . وتلوث العلاقات القومية بالفتن والقلاقل وبرك الدماء . وتلوث العلاقات السياسية والاقتصادية بالزيف والغش والمضاربة: حيث أعطيت لها أسماء التكتيك والاستراتيجية ومناطق النفوذ . وصارت الحضارة حضارة العقل التي قدمت اللامعقول على حد تعبير برتراندرسل . ) اهـ بل نقول: حضارة الجثة التي تأقلمت مع"الدود".
إنها الحضارة التي قننت واقعيا في حربها ضرب المدنيين الأبرياء عبر تطور قيمي وحضاري وتكنولوجي امتد لعشرات القرون ، انتقلت فيه الإنسانية من حضارة إلى أخرى ، واصطحبت معها تغيرا في الثقافة المساندة بررت ما كان إرهابا لحساب أساليب الحرب الجديدة .
إن الحرب في ظل هذه الحضارة الحديثة لم تعد أسلحتها تعتمد على الطابع الأخلاقي أصلا ، كالشجاعة والشرف والمواجهة والمروءة والرجولة والمهارات الجسدية والإنفاق الشخصي ، لقد تطورت الحرب الحديثة تحت لواء التقدم العلمي التكنولوجي الهائل الذي أحرزته الدول الكبرى ومن يليها إلى حرب ليست لا تبالي فقط بضرب الأبرياء من المدنيين بل هي تجعلهم هدفها الأول والرئيس ، ولقد ذهب - ربما إلى غير رجعة - أسلوب القتال في العصور القديمة والعصور الوسطى"المتخلفة"الذي كان يعتمد على المواجهة بين صفوف القتال في أرض المعركة ، فإذا انهزم الجيش انتهت الحرب ، أما في التطور الحديث فقد انقلب الترتيب وأصبحت المعركة تبدأ أو تتطور إلى ضرب المدنيين أصلا فإذا تحطمت المدينة انتهت الحرب وتلك ثمرة من ثمرات التدهور الإنساني في معطيات الحضارة المعاصرة ،
إن الجيش الأمريكي في الحرب العالمية الثانية قام بضرب المدنيين دونما حاجة عسكرية استراتيجية وانظر ما فعله كما جاء في مقال الأستاذهشام الناصر في مقاله بجريدة الشعب في 26\7\ 2003 حيث يقول: ( لم يتدخل الأمريكيون مباشرة ضد هتلر إلا في يونيو 1944، عندما كان يعاني من هزيمته الأولى في يناير 1944، حيث تحطم جيشه في ستالينغراد، بعد أن خسر 400 ألف جندي بينهم 140 ألف أسير. وهنا ارتكب الجيش الأمريكي الفظائع التالية:
( قصف مرعب على التجمعات السكانية المدنية، أثناء أعمال الإنزال، راح ضحيته 570 ألف قتيل و 800 ألف جريح من المدنيين . قصف درسدن 135 ألف قتيل مدني، على الرغم من أن الزحف الروسي كان قد تجاوز المدينة، التي لم تعد لهذا السبب تشكل هدفا.
وفي عام 1945، هاري ترومان يصدر أوامره بإلقاء القنبلة الذرية علي هيروشيما، وفي أعقابها نجازاكي، أدت إلى مقتل وتشويه مئات الألاف من المدنين، إضافة للحيوانات وحتى الحشرات، وتدمير المباني والبنية التحتية واستمرار أخطار الإشعاع لسنوات طوال، رغم أن اليابان كانت قد هُزمت بالفعل في المعارك التقليدية، وكان الإمبراطور الياباني يتباحث بالفعل مع بعض الدول الوسيطة حول الاستسلام . وفي تصريحات وتحليلات لاحقة، اتضح أن الغرض الأساسي كان يتمحور حول إرهاب المعسكر الشرقي !!، وإبراز القوة النووية الأمريكية للعالم أجمع ) فبماذا يأتي جسد خلا من الروح ؟ أليس قد صار جثة مسكونة بالأباليس ؟
إن الجوهر الأخلاقي لأية حضارة إنما يظهر في غضبتها وهي تمارس الحرب كما هو الشأن في الفرد عند الغضب ، ومن هنا يتضح التركيب الدموي والطابع الهمجي لعمق هذه الحضارة ، كأنها نسخة من يأجوج ومأجوج ، أو كأنها جثة متعفنة لم تجد من يحنطها كجثة فرعون ، فتناثرت منها الآثام العفنة يمينا ويسارا فكيف يجدي معها إذن"إعادة التأهيل"التي أسقطتها على الأحياء .
إن هذه الحضارة هي التي صنعت تيارا عارما من قتل المدنيين أصبحت تكتوي به الإنسانية على المستوى العالمي: فالمراقبون السياسيون يسجلون أن العالم الغربى يشهد تيارًا من العنف لم يسبق له مثيل منذ نهاية الحرب الباردة: الحروب الأهلية في المناطق الإسلامية من الاتحاد السوفيتى السابق . وحرب الإبادة التي استمرت سنوات في البوسنة والهرسك وكوسوفو ، ولم تهدأ إلا لفترة مؤقتة إلى أن يفيق المسلمون هناك من خديعة استبدال الذئب الأمريكي بالذئب الصربي . والحروب التي تجرى في المدن بين عصابات الشوارع: في الولايات المتحدة الأمريكية ، وبريطانيا ، وإيطاليا وألمانيا وفرنسا واليابان ، والتي تنظمها منظمات على أعلى مستوى من السيطرة والتحكم والإدارة والمال . .