وهل أغنت المظلة النووية شيئًا ؟! إن الاتحاد السوفيتي تبدد - كما يقول الأستاذ مصطفي محمود - الأهرام 30\9\1992 - وهو مسلح نوويًا ، ، ماتت روسيا وهي واقفة بدون حرب ، وعلى ظهرها حمولة من القنابل الذرية تكفي لنسف الكرة الأرضية وفي الفضاء تدور سفينتها العجيبة"مير"، . وسوف يسقط العملاق الغربى بنفس الداء .. سوف يموت من الداخل ، هذه المرة بمرض مختلف: اسمه الترف ، والوفرة والشبع ، والتخمة ، وعبادة الشهوات ، والغرق في الملذات . هذه المرة الميكروب: اسمه البطالة ، و المخدرات ، والجريمة المنظمة والمافيا ، وعجز الميزان التجاري ، وصراع العملات ، وكساد السوق …وكعادة كل حضارة مترفة ازدهرت فنون الانحلال ، وسينما العنف ، ومسرح العبث ، وغناء العهر ، وروايات الجنس التي تخلق البلادة والاكتئاب. ( ثم سر المكروبات: غرور القوة الذي يورث التمرد على كل شيء ، حتى على الخالق وقوانينه وسننه ، فنراهم يقننون الشذوذ … وكأنهم يخرجون لسانهم لحكمة الخالق التي أعمرت لهم الأرض فراحوا يخربونها بهذا الزواج العقيم ، ويحتفلون بهذا العقم ، ويتبادلون التهاني . )
وليس صحيحا ما يساق إلينا من الاستخفاف بخطورة الانحطاط الأخلاقي في عالم الجنس السائد في أركان هذه الحضارة ، فبالرغم مما يروج لها تحت عناوين التطور والتحرر والنسبية نجد من كبار قادتهم من يحذر من الخطر القادم من هذه الزاوية ، ففي آخر شريط مسجل للرئيس الأسبق للولايات المتحدة ريتشارد نيكسون أذيع أوائل العام ( 2002) بعد مرور 30 عاما علي توثيقه، يسوق الرجل اتهاما غليظا لليهود بأنهم وراء إباحة المارجوانا قانونا، ومساندة الشذوذ الجنسي وتقنين الزواج المثلي.. رجل برجل وامرأة بامرأة.. والأدهي أن المحركين لهذا الانحطاط والانحلال الإنساني من اليهود المشتغلين بالطب النفسي.. ويصفهم نيكسون بأنهم أصحاب أذهان مشوشة ، وأنهم بذلك إنما يقوضون أركان المجتمع الأمريكي. ويقول نيكسون إن الذي أضاع الامبراطورية الاغريقية هو الشذوذ الجنسي.. أرسطو كان شاذا.. وكذلك سقراط! وأن الذي هدم الامبراطورية الرومانية هو انحلال الأباطرة، ومضاجعة البابوات للراهبات! ويخلص نيكسون في النهاية إلي أن يهود أمريكا يدفعونها إلي نفس المصير! ( نقلا عن مجلة العالم اليوم 26\9\2002) ،
هكذا تحدثت بقايا العقلاء من المفكرين من أبناء هذه الحضارة قبل أن يظهر الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة ، بعشرات السنين .
إن المشكلة هي في صميم تركيب هذه الحضارة: قوة في الجسد لم تسعفها قوة مطلوبة في الروح ، اللهم إلا الروح البوشية الممسوخة الانتقامية النابعة من المستوى الحضاري المنحط ذاته ، وإن تلفعت فجأة بنبوءات دينية ذرائعية كاذبة ، ليس لها من أثر في حياتهم غير إثارة الحقد ضد الآخر: دفعت العالم وما تزال تدفعه إلى هوة سحيقة بأسباب: من غرور الأقوياء ، وجهل الرؤساء ، وانحطاط المسئولين ، وكذب الحكام ، واختفاء الحكماء ، وانسحاق الضعفاء ، واستلاب البسطاء ، واستجابة الأرقاء ، وشيوع القلق والخوف ، والتهديد بالدمار تسعى إليه هذه الحضارة بخطى حثيثة ، تنبأ بها هنري برجسون ، وشفايتزر ، وألمح إليها دي برولي ، وتشارلز فرانكل وأرنولد توينبي ، وروجيه جارودي ، ورشدي فكار وغيرهم .
إن ذلك كله يمكن أن ننظر إليه بموازاة آثام حضارات تداعت من قبل ، أو على حضارات سقطت بسبب ما تخلت عن أسباب الصعود ، لكن أهم أسباب سقوط هذه الحضارة التي نحن بصددها - في رأيي - وفي ضوء ما شخصه حكماؤها من"تزايد التوسع في الجسد مع تزايد الهزال في الروح"، هو في تماديها في أسباب صعودها: التقدم العلمي المتمرد على خالق الكون .. فهل وصلت حضارة من قبل إلى حضيض أن تجعل الأرض كوكبا غير صالح للسكنى ؟؟ ، أو أن تجعل من الإنسان ما ليس إنسانا وهي تغلق أبواب التاريخ ؟؟: كليهما لم يكن إلا نتيجة مشروعها للتقدم ، وهو يتضح لنا مما شهد به أهلها: خبراؤها ، ومن أبرزهم"آل جور"نائب الرئيس كلينتون في كتابه ( الأرض في الميزان ) ، وفوكوياما في نظريته عن نهاية التاريخ ، فكيف يجدي معها إذن"إعادة التأهيل"وهي في نعش المثوى الأخير
وأخيرا وبالإضافة لما تقدم فإنه لا يصح لنا أن نستخف بالهوة المفتوحة أمام مسيرة هذه الحضارة في مجال القوة المادية نفسها التي تفوقت فيها لو أحسن المهزومون أمامها في التعامل معها . ففي مقال د مصطفى السعيد بجريدة العرب بعنوان"اطردوا الأمريكان من الخليج"بتاريخ 12\10\2003 نقلا عن جريدة التايم الأمريكية في عددها الصادر بتاريخ 4 أغسطس 2003 تحت عنوان"أزمة الطاقة الجديدة".. لماذا أمريكا أكثر اعتمادا، عن أي وقت مضي، علي البترول الأجنبي". حيث ركز المقال علي الحقائق الآتية:"
أولا: إن جميع المحاولات والجهود التي بذلتها الولايات المتحدة، منذ الأزمة البترولية التي صاحبت حرب أكتوبر 1973، لم تنجح في تحقيق أهدافها في تقليل اعتماد الولايات المتحدة علي البترول المستورد من الخارج، سواء في ذلك البترول الخام أو الغاز الطبيعي أو المنتجات البترولية المختلفة، ففي عام 1973 كانت واردات الولايات المتحدة الأمريكية من البترول الخام حوالي 6 ملايين برميل يوميا، ثم زاد ليصل إلي 6.4 مليون برميل يوميا 1980 وإلي 12 مليون برميل يوميا عام 2002 كما جاء بمقال الدكتور حسن عبد الله في جريدة"الأهرام"بتاريخ 23/ 8/ 2003.. كما أن واردات الولايات المتحدة الأمريكية للبترول الخام كنسبة من إجمالي استهلاكها قد زادت من حوالي 28% عام 1972 لتصل إلي حوالي 53% عام 2002.
ثانيا: إن زيادة الاعتماد علي الخارج لم تقتصر علي البترول الخام، بل امتدت إلي الغاز الطبيعي، حيث زادت الفجوة بين الاستهلاك والإنتاج لتصل إلي حوالي 4 ملايين متر مكعب عام 2002، في الوقت الذي لم تتجاوز فيه هذه الفجوة أكثر من نصف مليون متر مكعب عام 1988.. وترجع أهمية الغاز الطبيعي إلي أن أكثر من 88% من الطاقة الكهربائية في الولايات المتحدة يتم توليدها باستخدام الغاز الطبيعي.
ثالثا: إن البترول لا يزال هو المصدر الرئيسي لتوليد الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية، وأن المصادر الأخرى من الفحم، والطاقة الشمسية، والطاقة النووية، وطاقة الرياح، والطاقة الهيدروليكية، لا تمثل أكثر من 20% من مصادر الطاقة في الولايات المتحدة الأمريكية.
رابعا: إن الرئيس بوش قد أعلن في يناير 2003 في حديثه عن أحوال الاتحاد عن برنامج لتوليد الطاقة من الهيدروجين، واقترح تخصيص 1.2 مليار دولار لتشجيع الأبحاث في هذا المجال وصولا إلي قدر أكبر من استقلالية الولايات المتحدة في استهلاكها لمصادر الطاقة.. إلا أن هذا البرنامج لا يتوقع له النجاح، كما تشير جريدة التايم، شأنه شأن البرامج السابقة عليه، وإن نجح هذه المرة فإنه لا يتوقع أن يحقق نتائج واضحة قبل مرور أكثر من عشرين عاما من الآن.
خلاصة القول.. فإن الولايات المتحدة الأمريكية سيستمر اعتمادها علي الاستيراد من الخارج للبترول الخام والغاز الطبيعي، وذلك خلال فترة العشرين سنة المقبلة علي الأقل..