ومن هنا فإن الفرصة متاحة تاريخيا -قبل انقضاء العشرين عاما المذكورة أعلاه - للدول النفطية في الشرق الأوسط والإسلامية لتوجيه الضربة القاصمة ضد الذي أعلن عليهم وصف"العدو الأول"وبدأ في محاربتهم عسكريا تحت عنوان الإرهاب ، وهم إنما يستثمرون هذه الفرصة المتاحة إن أحسنوا التعامل معها ووقفوا منها الموقف التاريخي الجذري بتعطيل إنتاج بترولهم ، هكذا ، ودفعوا الثمن الغالي لهذا الموقف بكل أخطاره وتداعياته وهو الثمن الذي لا مهرب مما هو أخطر منه وأشد لو تركوا منطق التعامل يجري وفقا لخطة العدو في الاستيلاء عليه ، بدلا من فرصتهم المفترضة في التعطيل والتي إن ضيعوها سيحاسبهم عليها التاريخ ، وهي فرصة محسوبة عليهم في حساب الله قبل حساب التاريخ ، وعند ذاك يضيفون إلى الذل الفقر المقيم ، فمن أي شيء يهربون ؟
وبالجملة: تلك نذر واضحة لسقوط حضارة قد اتسع خرقها وألقت أوزارها ، ومن ثم فهي لا تنفعها"إعادة تأهيل"وتشرذمت جثتها فهي لا يجدي معها طب الأطباء ، وتم عرضها على الأنظار في مسلخ التاريخ فما وجدت لوجهها غير البصاق ، وانتظرت من يشيعها فما وجدت رجل دين صادق ، ولذا استحقت أن يأرق لها الآرقون من أصحاب الضمائر . إذ هم والنائمون مع الجميع غدا: أشلاء . فأي الفريقين أحق بلوم من سيأتي بعد غد ؟!!
أد: يحيى هاشم حسن فرغل
من علماء الأزهر
عميد كلية أصول الدين بالأزهر سابقا ،
المقالة الثانية
سقوط الحضارة وكارثة الأرض
أيهما طريق إلى الآخر ؟
أد: يحيى هاشم حسن فرغل
تمر الحضارة المعاصرة اليوم بمنحنى خطير فيما يتعلق بشئون البيئة يهدد بما يطلق عليه:"مأساة الأرض"ـ ككوكب صالح للسكنى .ومنذ ظهر الإنسان على الأرض وإلى اليوم ما كان لأحد أن يساوره الشك لكي يطرح سؤالا على النحو الوارد أعلاه ، إذ ما كان يشك أحد في أن الطريق إلى الكارثة الكبرى مفتوح من الأرض إلى الإنسان أن تزلزل الأرض زلزالها أولا ، وليس العكس ، إلى أن بدا لنا اليوم أن الآية القرآنية في قوله تعالى { ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لعلهم يرجعون . } 41 الروم ، تجيب بغير ما كنا نظن: بأن كارثة يصنعها الإنسان في سياق حضارة العصر هي التي ستؤدي إلى كارثة للأرض ، وتلك هي مشكلة البيئة التي يصنعها الإنسان المعاصر ، إذ وصلت هذه المشكلة إلى مستوى تهديد الأرض ككوكب صالح للسكنى ، وصار طريق الخطر الأكبر مفتوحا من الإنسان إلى الأرض ، عندئذ تزلزل . إن الأخطار التي تهدد البيئة اليوم لم تعد أخطارًا محلية يمكن أن يقتصر ضررها على وطن ، أو إقليم ، أو قارة بعينها ولكنها أخطار تهدد بيئة الأرض كلها .إنها أخطار تأتى على مستويات متدرجة: في الفضلات ودفن المخلفات ، والأمطار الحمضية ، وتلوث مستودعات المياه الجوفية ، و زيادة كمية الكلوروفلور في الغلاف الجوى ، و الاحترار العالمي و قطع الغابات ، وتجفيف البحيرات ، وتحويل الأنهار ، والنفايات ، والتلوث النووي ، وتهديد التنوع الحيوي.. إلخ.
ومن الملاحظ أن كبار الخبراء والباحثين قد أدركوا عمق المأساة التي تنحدر إليها الأرض في هاوية البيئة . يقول بارى كوموز في كتابه الشهير"الدوامة"ـ كما ينقل عنه الأستاذ راشد الحمد ومحمد صبارينى في كتابهما بعنوان"البيئة ومشكلاتها"ص 199 نشر عالم المعرفة بالكويت ـ: ( أنقذوا الإنسان من الموت المؤكد ، ساهموا في مكافحة التلوث ، إن مدنية قبائل البوشمن في وسط إفريقيا هي أرقى من مدنية الإنسان المعاصر في البيئة المرفهة الأمريكية) . وتقول الدكتورة هند صادق أستاذة علم طبقات الجو العليا والتلوث في واشنطن . ( إن الإنسان القديم كان متفاعلًا مع الطبيعة ومع كل مظاهر الحياة من حوله .أما ما يفعله أحفاده اليوم ، فهو تدمير كل ما هو جميل ، وخير وطيب ، في هذه الأرض التي نحيا عليها . ) الأهرام 23\12\1989 ، ويقول الأستاذ الدكتور طلبه عويس في دراسة له نشرت بكتاب بعنوان ترجمته"من أجل الحفاظ على الأرض"مع الدكتورة هند وآخرين: ( إن الإنسان ابن الطبيعة قد طعنها في مقتل . )
إن الأرض كلها هي التي تمر اليوم بالمأساة . إن حجم المشكلة وصل إلى حد الوصف القرآنى لها في قوله تعالى: { حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلًا أو نهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس ، كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون . } 24 يونس .
ويقدم آل جور ، نائب رئيس الولايات المتحدة السابق صورة المأساة في دراسة عالمية حديثة ، جاءت في كتابه ( الأرض في الميزان ) ، قام بها فريق كبير من الخبراء والباحثين بقيادته ، وترجمت إلى اللغة العربية ، وأصدرها مركز النشر والترجمة في الأهرام بالقاهرة عام 1994م ، وتتمثل المأساة وفقا لهذه الدراسة في:
(1) مشكلة القمامة: وهي تأتي في تيار عارم ، يتدفق بكميات هائلة لم تعد الأرض قادرة على استيعابها كما يؤكد خبراء البيئة . وإذا كان البعض يحاول التخلص من القمامة بحرقها ـ حيث توجهت استثمارات ضخمة إلى هذا السبيل بلغت حوالي عشرين مليار دولار في وقت من الأوقات ـ فإن بعض الخبراء ينظر إلى هذه الوسيلة على أنها غير مجدية وتزيد الطين بلة ، وأنه إذا ما استمرت عمليات حرق الفضلات فإن كمية الزئبق المتصاعد عن هذا الطريق تضيف ملايين الأرطال من الزئبق إلى النظام البيئي ، عبر حدود الدول ، ثم تصل بالضرورة إلى الغلاف الجوى لكوكب الأرض بأسره .
(2) مشكلة تلوث الهواء: يقول بعض خبراء البيئة: إن أوصال العالم ترتعد فزعًا من مستويات التلوث التي لا يصدقها عقل ، وبالذات تلوث الهواء على مستوى العالم كله .
وعلى سبيل المثال فإنه في بعض المناطق في بولندا يؤخذ الأطفال بصفة منتظمة إلى مناجم عميقة تحت الأرض لمدة من الوقت يريحون فيها صدورهم من الغازات المتراكمة ، والتلوث الذي يملأ الهواء بكل أنواعه . ولقد لاحظ زائر لأحد المدن الرومانية تسمى ( كوسباميكا ) أو ( المدينة السوداء ) : أن الأشجار والحشائش ملطخة بالدخان إلى حد أنها بدت كأنها مشربة بالمداد . وذكر أحد الأطباء المحليين هناك أنه حتى الخيول لا تستطيع البقاء في تلك المدينة لأكثر من عامين ، وتعاني مدينة مكسيكوسيتى يوميًا من أقسى درجات التلوث الهوائي على مستوى مدن العالم بأسره الأمر الذي يؤكد أن تلوث الهواء يصل من شمال أوروبا إلى المنطقة القطبية وينتقل إلى كل بقعة في الأرض . ص 85-87 .