فهرس الكتاب

الصفحة 900 من 1942

هذه باختصار بعض ملامح الحرص اليهودي على تشويه ذاكرة الأمم بمسخ تاريخها وتزييفه وتعتيمه وأما على المستوى الآخر.. الذاتي الداخلي لليهود فالأمر جد مختلف فالبرامج التعليمية الخاصة باليهود تركز في جانب كبير منها على بعث الحس التاريخي والعقيدي وتجذيرهما في النشء اليهودي...فأول كلمة يتعلمها الطفل اليهودي ضمن محفوظاته اليومية في دور الحضانة لها حس تاريخي"أورشليم حبيبتي"ثم حين يشب الأطفال عندهم يدرسون بدقة وتفصيل وإحكام تاريخ الشعب الإسرائيلي ? شعب الله المختار على الأرض..؟؟... وحين يذهب شبابهم إلى الجامعات يستمرون في تعميق تعاليم دينهم وأمجاد تاريخهم في دروس يومية لا هوادة فيها.

فأين نحن من هذا ؟؟

وبعد...

فخلاصة القول من كل ما أوردناه تتلخص كآلاتي ?

أولا ? يجب علينا أن نضع حدا للجفاف الذي يصبغ تعاملنا مع التاريخ وان نجدد رؤيتنا وفهمنا ودراستنا لتاريخنا الإسلامي وان نعمل على إيجاد صيغ سليمة ومتينة تمكننا من التفاعل الهادف مع التاريخ ومن التزود الواعي والمستمر من معينه الخصب... وهذا لن يحصل إلا من خلال دراسة عميقة واعية ومتكاملة للتاريخ الإسلامي ?"....إن دراسة تاريخ الإسلام في هذه المرحلة من حياتنا ضرورة لا سبيل إلى تجاوزها لفهم الأحداث وتطور المجتمع ولمعرفة مكان العالم الإسلامي والأمة العربية من الحضارة العصرية. فإن نظرتنا إلى الأحداث لا تصدق إلا إذا قامت في ظل مفهوم شامل وفي إطار تاريخ الإسلام نفسه كما أن اتصالنا بالغرب اليوم يجب أن يقوم على مفهوم مرحلة هي ? رد فعل لمرحلة قد سبقتها بحسبان أن هذه الحضارة العصرية الغربية ليست منفصلة عن عالم الإسلام وإنما قامت قواعدها على المنهج التجريبي الإسلامي وعلى بناء صاغه العلماء المسلمون فنحن حين نتصل بها اليوم لا نكوم غرباء عن جذورها فهي ملك للبشرية كلها التي صاغتها وشاركت في تكوين جوانبها المختلفة..." ( الإسلام وحركة التاريخ- 485- للأستاذ أنور الجندي) .

وثانيا ? يجب أن يتأكد لدينا أن قضية الوعي التاريخي أصبحت ضرورية بل مصيرية يتحتم علينا أن نوليها اهتماما بالغا وعناية فائقة لا على مستوى الترف الفكري بتكديس الدراسات وتحبير المقالات ولكن- وهذا هو الأهم- على مستوى الوعي والتربية والحركة وعلى مستوى التعامل والممارسات اليومية وهذا لن يتيسر إلا ببعث سياسة تعليمية وتربوية متأصلة تركز على بعث الوعي التاريخي الهادف وتعميق البعد العقيدي في برامجها على طول المراحل التعليمية بدءا برياض الأطفال وانتهاء بالتعليم العالي ويرادفها- أي هذه السياسة التعليمية- جهاز ثقافي وإعلامي في مستوى العصر تجهيزا وتقنية يؤثر ولا يتأثر ويتوخى الصدق والعلمية والموضوعية في كل أعماله.

وبذلك حسب- رأيي- نتمكن من تجاوز كثير من العوائق المادية والمعنوية التي تحول دون تحقيق أهدافنا وغاياتنا? من نشر الدعوة الإسلامية بما فيها من خير وأمن وعدل للإنسانية ... إلى إقامة المجتمع الإسلامي المنشود الذي هو أمل البشرية وربيعها المنتظر...

تعاملنا مع الحضارة الغربية

هل الحضارة تكديس للأشياء وتجميع للمنتجات وإحصائيات للمبتكرات والمستحدثات ؟؟ أم هي بناء وهندسة وتصميم وتوجيه للطاقات والإبداعات ورقي مستمر للخلق والقيم السامية ؟

إن المجتمع الذي يكتفي بأن يستورد حضارة من الخارج ثم يجهد نفسه في تركيبها وتجميعها دون الاتكاء الواعي على أصالته والتمسك بجذوره ودونما استعدادات ذكية وعمل جزمي على تغيير الفكر والتفكير وتثبيت الأسس الصالحة والقواعد السليمة والنابعة من ترابه الثقافي والتاريخي... مثل هذا المجتمع لا يستطيع يوما أن يصبح ذا حضارة.

إذ أن الحضارة والثقافة بضاعة لا تصدر ولا تستورد .. ليست الحضارة والثقافة في الراديو والتلفزة والثلاجة تنقل من هناك إلى هنا ثم توصل بالكهرباء فتعمل .الحضارة والثقافة يوجدان بإعداد الأرض والعمل فيها بصبر ودراسة ووعي ومعرفة بتغيير الإنسان وتغيير الفكر مع معرفة أرضية المكان الذي يعيش فيه وجوًه وباختبار البذور... إن الحضارة التي تصدر وتستورد عبارة عن تكرار مستمر لخدعة تستلفت الأنظار لكنها خادعة كاذبة ولا تصل إلى نتيجة أبدا" (1) ."

وهذا ما وقعت فيه المجتمعات العربية والإسلامية على السواء حين انتهجت سبيل هذا الظن الخاطئ في استيراد الحضارة لقد ضيعت بذلك فرصة بناء أو بالأحرى فرصة استئناف وإعادة بناء حضارة إسلامية ذاتية ... ذلك انه حينما وقع التفاعل بين العالم الغربي المتحضر والعالم العربي الإسلامي... وجد العربي المسلم نفسه أمام واجهة حضارية فتانة أبهرته وملكت عليه لبه وسلبته عقله واستولت على تفكيره ووجدانه فلم يتمالك نفسه أن ارتمى في أحضانها ارتماء اليتيم الضائع في أول حضن مفتوح قابله حتى صاح احمد باي- باي تونس- في غمرة نشوته عند رحلته الأولى إلى فرنسا"باريس وما أدراك ما باريس.. ليت هذا عندنا بتونس ليت هذا عندنا بتونس". وصرخ رفاعة الطهطاوي من كل أعماقه"لقد سبقونا إلى الحضارة حتى صارت من طباعهم... سوف القي عمامتي واحب فرنسا"

وفي هذا الإطار الواهي زمن خلال ذلك المفهوم الضيق المهزوم بدأت رحلة التعامل الغبي بين المجتمعات الإسلامية والغرب المتبجح بحضارته... وامتد هذا التعامل حتى شمل مجالات الفكر والثقافة والمادة....

1)على الصعيد الفكري

لقد ظلت المجتمعات العربية الإسلامية رازحة تحت ثقل الاستعمار الغربي الحاقد ردحا من الزمن فكانت بذلك تمثل دور المستضعف المغلوب والمغلوب كما قال العلامة عبد الرحمان بن خلدون"....مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده"وهذه الظاهرة معروفة في الاصطلاح الحديث"بقانون التكيف".

ولكي تتبلور لنا مأساة تعاملنا الفكري- الخاطئ- مع الفكر الغربي فمن اللازم تبيان بعض خصائص ومواصفات هذا الفكر.. إن له أربع ميزات مركزية فهو فكر علماني- مادي -قومي- علماوي وهي مواصفات جاءت كرد فعل منطقي وطبيعي لما كانت عليه الحالة الاجتماعية في أوروبا فيما قبل ما يسمى بعصر النهضة.

"فمادية الفكر الغربي لم تكن مادية فيلسوف يضع الدنيا والأرض والسماء والمبادئ الفكرية قيد بحثه ثم يميل إلى المادية بل على العكس من ذلك نجدها رد فعل طبيعي للأوضاع الاجتماعية التي كانت سائدة في القرون 14- 15- 16 .أي مادية طبقة أهل الفكر في أوروبا تعد رد فعل طبيعي جدا ومنطقي للإفراط في الروحانيات والميل -المنحرف- إلى الآخرة ... الذي كان سائدا في مجتمعاتها" (2) يقول العلامة"جودي"أستاذ الفلسفة الإنجليزية في كتابه"سخافات المدنية الحديثة"?"إن المدنية الحديثة ليس فيها توازن بين القوة والأخلاق ومنذ النهضة ظل العلم في ارتقاء والأخلاق في انحطاط وقد غلب على الفكر الغربي طابع التحرر المطلق في مجال المجتمع والمرأة والفن."ولا شك أن هذه الحركات كانت ردة فعل أكيد لمفاهيم المسيحية الغربية في الأخلاق هذه المفاهيم التي قامت على أساس الحرمان والرهبنة وتعذيب الأجساد لما يعوق الفطرة مما خلف انفجارا طاغيا في الدعوة إلى التحرر فالتحلل.

وهذا ما يؤكد ويبرهن على أن الحضارة الغربية كلما امتدت وانتشرت إلا وانتشرت معها الرذيلة وامتد معها الانحلال والميوعة والبغض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت