فهرس الكتاب

الصفحة 901 من 1942

فالمفكر العربي عندما يتعامل مع الفكر"الغالب"في جانبه المادي يبدو شاذا وغبيا في نفس الوقت .. ذلك أن المناخ الاجتماعي والديني الذي يتقلب في أعطافه المسلم لا يقر الرهبانية التي اصطدم بها الفكر الغربي ولا يعزل الإنسان عن طيبات الرزق بل هو مناخ له منهاجه الحياتي والتوجيهي الخاص والذي يضع الإنسان في مكانه الحق من حيث هو بشر له مطالبه وحاجاته الروحية والترابية دونما غمط جانب على حساب جانب آخر.

ثم إن القرآن على -خلاف النصرانية- قد قرر أن الحياة البشرية ذات معنى و أن الإنسان هو محور فلسفة التاريخ والقرآن لا يعتبر الزاد إلى الآخرة في الحرمان والتعذيب والرضوخ. والإسلام- كما قال محمد أسد-"ينظر إلى الحياة بهدوء واحترام ولكنه لا يعبدها والنجاح المادي مرغوب فيه ولكنه ليس غاية في ذاته بل يقود الإنسان نحو التبعية الأدبية في كل ما يعمل والغاية من جميع نشاطنا العملي يجب أن تكون خلقية".

وأما علمانية هذا الفكر"المتحضر"ونبذه للدين نبذا ساخرا حاقدا وركله لكل مقوماته وتعاليمه فهي أيضا جاءت كرد فعل لتسلط الكنيسة وتحجرها واستبداد رجالاتها وانغلاقهم وجهالاتهم الحمقاء ومحاربتهم- باسم الدين- لكل الإبداعات العلمية والفكرية وتصديهم الغبي والإجرامي للخلق العلمي والتجارب والاستكشافات الخارقة لمفاهيمهم والمقوضة لتصوراتهم ومعتقداتهم ولعل إعدام"قاليلي"اشهرها وهو ليس بوحيدها.

ومن هنا نفهم عقدة الرفض في موقف أوروبا من العطاء الحضاري الإسلامي"فلقد أراد الإسلام ( كما يقول أنور الجندي) أن يهدي إلى أوروبا هدية الإيمان وهدية العلم ولكن أوروبا قبلت هدية العلم ورفضت هدية الإيمان وكان هذا مصدر شقائها ومتاعبها" (3)

غير انه يبدو للدارس المتعمق للحضارة الغربية والمتمعن في أي شيء من أشيائها أن البعد الديني مازال مستترا وحافزا للكثير من إبداعاتها. يقول المفكر"هرمان دي كيسرلنج"في كتابه"البحث التحليلي لأوروبا"?"كان اعظم ارتكز حضارة أوروبا على روحها الدينية وتفسر هذه الروح بذلك العامل الاجتماعي..ذلك الشعور في الإنسان والذي تصدر عنه مخترعاته وتصوراته وتبليغه لرسالته."

وبصرف النظر عن كل ذلك فإن الهوة تبدو واسعة- لو تمعنا- بين نبذنا ونبذهم للدين. يقول محمد عبده ?"أولئك نبذوا الدين فنالوا الحرية والسيادة والسيطرة على العالم ونحن نبذناه فمنينا بالذلة والانقسام والتفرقة والانحطاط والاستعداد لقبول كل ما يملى علينا ونجبر عليه ويلقى أمامنا.. ذلك أن فصل الدين عن الدولة نغمة ولدت في الغرب للخلاص من القيود الكنيسية على حرية العقل والضمير ثم نقلت إلى الشرق كي تمهد العقبات أمام الزحف الاستعماري وتهدد قلاع المقاومة الهائلة التي ثارت في وجهه أي أنها فشت هناك للحد من طغيان رجال الدين وتعالت هنا لهدم دين كامل والإتيان على بنيانه من القواعد" (4) .

"وأول ما فعله المفكر في المجتمع الإسلامي والشرقي هو مقاومة الدين ? كان في ثمار مقاومة الدين في أوروبا حرية الفكر والنضج الفكري والمدنية المزدهرة وأنواع التقدم العلمي السريع والمدهش في كل مجالات الحياة . لكن نفس هذا الأمر عندنا- أي مقاومة الدين في المجتمعات الإسلامية- كانت أولى ثمارها وأسرعها وافدحها هي تحطيم السد الذي كان يقف حائلا في وجه النفوذ الإمبريالي والانحطاط الفكري". (5)

ثم إن هناك مفارقة أخرى يجب أن لا تهمل وهي أن النصراني لا يستسهل ترك دينه إلا إذا صار عالما وذلك للتناقض الحاصل الذي يلحظه بين استنتاجات العلم وتعاليم دينه المحرف بخلاف المسلم فانه لا يهمل دينه ولا يتقاعس عن أداء فرائضه والتزاماته الدينية إلا إذا صار جاهلا. إذ الدين الإسلامي لا يمكن أن يبقى على قيد الحياة إلا بانتشار العلوم وتقدمها فإن بين الإسلام والعلوم رابطة كلية متينة.

ثم إن المفكر الغربي عندما واجه سطحية الفكر الكنسي وبدائية تصوراته ومعلوماته الخاوية وتفسيراته اللاعلمية والقائمة على غير برهان للظواهر والأحداث... كان رد فعله- المنطقي- هو رفعه لشعار"العلماوية"أي انه قرر جازما أن لا يقبل أي تفسير لحادث ما إلا تحت الفحص العلمي وتحت مجهر التجربة. ولهذا قال"كلود برنار"?"إذا لم أر الروح تحت مبضع الجراح فلن أؤمن بوجودها".

والمفكر المسلم عندما يرفع هذا الشعار رفعا غبيا صبيانيا كما حصل فانه يكون غير واقعي ولا منطقي ذلك أن دستوره القرآني لم يكن يصده عن إعمال العقل والمطالبة بالبرهان وانتهاج الميدان التجريبي (( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) ) (( فاعلم انه لا اله إلا الله ) ).

ثم إن القرآن قد قاوم النظرة العفوية والنظرة الغبية الاستسلامية لتفسير الأحداث ذلك أن الإنسان الاعتيادي الذي وجده القرآن في الجزيرة العربية كان يفسر الأحداث التاريخية بوصفها كومة متراكمة من الأحداث يفسرها على أساس الصدفة تارة وعلى أساس القضاء والقدر تارة أخرى... والاستسلام لأمر الله تعالى.. القرآن قاوم هذه النظرة العفوية والاستسلامية ونبه العقل البشري إلى أن هذه الساحة لها سنن ولها قوانين وانه لكي تستطيع أن تكون إنسانا فاعلا مؤثرا لا بد لك أن تكتشف هذه السنن. (6)

ثم إن القرآن الكريم لم يطرح نفسه بديلا عن قدرة الإنسان الخلاقة وعن مواهبه وقابلياته في مقام الكدح والتجربة .. القرآن لم يطرح نفسه بديلا عن هذه الميادين وإنما طرح نفسه طاقة روحية موجهة للإنسان مفجرة لطاقاته محركة له في المسار الصحيح. (7)

فهل بعد هذا يجد المفكر في المجتمع الإسلامي ثغرة في منهاجه حتى يتبنى ذلك الشعار الذي رفعه الفكر الغربي؟

2)على الصعيد الثقافي

هناك حادثة وقعت في الأربعينيات ملخصها أن شابا زيتونيا بعد أن اكمل دراسته الزيتونية طلب من إدارته السماح له بالسفر إلى فرنسا لاستكمال دراسته هناك. فكان رد الإدارة في قولها ? ليست لنا حاجة في تعلم اللغة الفرنسية.. (؟؟)

هذه الملاحظة تبين بجلاء- كما يقول مالك بن نبي- كيف يتصور المجتمع الإسلامي في عصور الانحطاط دور الطالب الذي يسافر إلى الخارج. فالهدف الوحيد أن يدرس لغة أو يتعلم حرفة لا أن يكتشف ثقافة. فكل ما يهمه المنفعة العاجلة. لكنا -والكلام لمالك- لا ينبغي أن نعزوا هذا الاتجاه إلى عدم اكتراث المسلم بالحضارة الغربية فحسب بل إن المدرسة الغربية الاستعمارية قد ساهمت في خلق هذا الوضع إذ لم تكن تهتم بنشر عناصر الثقافة الأوروبية بقدر ما تحرص على توزيع نفاياتها التي تحيل المسلم عبدا للاقتصاد الأوروبي فهي لا تسعى إلى اكتشاف ذكاء تلاميذها أو دفع مواهبهم وإنما تسعى إلى خلق آلات ذات كفاءات محدودة (8) ... ذلك أن الأوروبي لم يتحمل عناء السفر إلى الشرق ليقوم بدور الممدن وإنما ليتولى خطة المستعمر.

ثم إن نظرتنا إلى حضارة الرجل الأبيض- في إطار التفاعل والتعامل- وخاصة على الصعيد الثقافي كانت مرتكزة بصفة كلية على المظاهر الطافية والخادعة وكان انبهارنا محصورا فيما نرى ونشاهد بالعين المجردة ليس إلا.. فنحن نرى وننبهر بتلك المرأة القابعة في المقهى والمترنحة في المرقص والضائعة في الشارع والتي تصبغ أظافرها وشعرها وتدخن ولا نرى المرأة الأوروبية التي تجمع الحشيش لأرانبها أو تنشر الحب لدجاجها أو تنكب على حلب بقراتها... أو تلك التي لا تترك فرصة تمر دون مطالعة جادة في كتاب أو تأمل منظر تمر إزاءه أو تفكر في اثر يشد انتباهها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت