فهرس الكتاب

الصفحة 908 من 1942

إننا هنا قبالة منهج مقلوب: أن نصل الى الدين السماوي من خال الارض السفلية، وان نحظى بنعيم الكلي الخالد من خلال رؤية المحدود الفاني وفضلا عن ذلك، فان هذا الجهد المقلوب، يستنزف من العقول البشرية طاقات كبيرة وهي تعمل في غير حقها، كان أحرى ان تبذل في مجال تنمية العمران في العالم من خلال فهم هذا العالم القريب ومحاولة كشف سننه والسيطرة عليها وتسخيرها لصالح الانسان فيما هو من إختصاص العقل والحس البشريين.

أما المنهج الديني فهو على العكس من ذلك، يجعلنا نعتمد منهجا يقف دائما في وضعه الصحيح: ان السماء هي التي تمنح الارض الهدى الذي تسير فيه الى غايتها، والله سبحانه، الذي هو ادرى بخلقه هو الذي يبحث بوحيه الامين، بين الحين والحين، ينقله الانبياء الكرام الى أجيال البشرية حقبة في إثر حقبة حتى خاتم الانبياء عليهم السلام. وهكذا فأن الكلي هو الذي يقود المحدود، وان الخالد هو الذي يحدد الفاني، ما دام عالم السماء، عالم ما وراء الحس والادراكات العقلية النسبية، يند عن طاقة الانسان، وسعيه فيه لا يعدو أن يكون سعيا ظنيا، فأحرى بالعقل والحس البشريين ان يتجها للعمل في قلب العالم، في دراسة مادته وفهم علاقاته وادراك سننه.. وحينذاك سيعرف الانسان، ليس فقط الطرائق التي تمكنه من إعمار العالم كخليفة عن الله فيه، وإنما سيزداد إيماننا بالله والتزاما بوحيه الامين من خلال إدراكه لحكمة المقصودة في خلق هذا العالم، والتناسق المعجز في وظائفه وتركيبه، وهكذا فبينما ينتهي الامر بالفلسفة الى ان تقف نقيضا للعلم المجدي الفعال، وأدواته عقلا وحواسا، ينتهي الدين الى تأكيد لهذا العلم وتنشيط لادواته.

وبع ان يشير ابن خلدون الى ان امام هذه الفلسفة الذي استوفى مسائلها هو ارسطو المسمى بالمعلم الاول، يلتفت التفاتة ذكية بقوله «.... ثم كان من بعده في السلام من أخذ بتلك المذاهب واتبع فيها رأيه حذو النعل بالنعل الا في التعليل، وذلك لان كتب اولئك المتقدمين لما ترجمها الخلفاء من بني العباس من اللسان اليوناني الى اللسان العربي، تصفحها كثير من أهل الملة من منتحلي العلوم (الفلسفية) وجادلوا عنها واختلفوا في مسائل تفاريعها وكان من اشهرهم ابو نصر الفارابي وابو علي بن سينا.. وغيرهما» (17) .

ولكن مهما يكن من أمر هذه الاختلافات فأن فلاسفة المسلمين الاول ما كانوا بأكثر من ظلال لاسلافهم اليونان، اتبعوا رؤيتهم في الفلسفة «حذو النعل بالنعل» .

يأخذ ابن خلدون بعد ذلك بمناقشة وجهات هؤلاء الفلاسفة وتفنيد ما يستحق التفنيد، فيما لا مجال لاستعراض تفاصيله (18) ، ويختتم مناقشته هذه بقوله «فهذا العلم كما رأيته غير واف بمقاصدهم التي حوموا عليها مع ما فيه من مخالفة الشرائع وظواهرها» ثم يشير الى الثمرة الوحيدة التي نحظى بها من شجرة الفلسفة هذه تلك هي شحذ الذهن البشري وتمكينه من ترتيب الادلة المنطقية وسوق البراهين على ما يسعى الى إثباته. وهذا يدل على انفساح صدر ابن خلدون لكل علم بشري وملاحظة سلبياته وإيجابياته على السواء في محاولة منه ان يأخذ الحكمة من أي وعاء خرجت كما علمه الرسول صلى الله عليه وسلم ان يكون، «وأما مضارها ـ أي الفلسفة ـ فهي ما علمت. فليكن الناظر فيها متحرزا جهده من معاطبها، وليكن نظر من ينظر فيها بعد الامتلاء من الشرعيات والاطلاع على التفسير والفقه، ولا يكبن أحد عليها وهو خلو من علوم الملة، فقل ان يسلم لذلك من معاطبها» (19) . وأما الذين يختارون ان يتحصنوا ـ أولا ـ بكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، فلهم ان يسيروا حيث يشاؤون، وان يسبروا غور الفلسفة ايا كانت، فأنهم سوف يصلون شاطئ الامان وقد ازدادوا إيمانا ويقينا.

الا أن ابن خلدون يحبذ «الاعراض عن النظر فيها إذ هو من ترك المسلم ما لا يعنيه» فأن هذه المسائل «لا تهمنا في ديننا ولا في معاشنا فوجب علينا تركها» (20) . فكأنه، انطلاقا من موقف الاسلام نفسه، يريد ان يحفظ على العقل البشري طاقته الفعالة فلا تستنزف فيما هو غير مجد، ولا تعمل إلا فيما يعود على الانسان المسلم بالخير في دينه ومعاشه، أي ان ينصب جهدها في صميم العالم، لا فيما وراء العالم حيث إختصاص الاديان.

ومن زاوية الرؤية المتسلحة بالعقل، نفسها، يدعو ابن خلدون الى إبطال خرافة التنجيم، تماما كما دعا الى إبطال خرافة فلسفة الالهيات وما وراء الطبيعة.. كلتاهما خرافة، بما انهما تقودان العقل البشري الى مساحة الكون غير المنظور، بما لم يتهيأ له أساسا. والخرافة بمعنى ما، هي أن نتحرك الى اهدافنا بدون الوسائل المنطقية التي تبلغنا تلك الاهداف. وإذا كانت الممارسة الفلسفية لما وراء الطبيعة تغطي على عبثها وعقلانيتها بنوع من المنهجية المدعاة وبحشد من المصطلحات المعماة، فان التنجيم يضرب بهذا كله عرض الحائط، ويعتمد اسلوبا في العلم ما انزلت معطيات العقل والمنطق وبداهاتهما به من سلطان «فهذه الصناعة ـ يقول ابن خلدون ـ يزعم اصحابها انهم يعرفون بها الكائنات في عالم العناصر قبل حدوثها من قبل معرفة قوى الكواكب وتأثيرها في المولدات العنصرية مفردة ومجتمعة، فتكون لذلك اوضاع الافلاك والكواكب دالة على ما سيحدث من نوع من أنواع الكائنات الكلية والشخصية..» (21) الى آخر هذا الغشاء.

وهو ينفي ان يكون الانبياء عليهم السالم قد مارسوا هذا المنهج الخاصي وحاشاهم «.. ذهب ضعفاء ـ من اصحاب التنجيم ـ الى ان معرفة قوى الكواكب وتأثيراتها كانت بالوحي، وهو رأي قائل «خاطئ وضعيف» وقد كفونا مؤونة ابطاله.. ومن اوضح الادلة فيه ان تعلم ان الانبياء عليهم الصلاة والسلام أبعد الناس عن الصنائع، وانهم لا يتعرضون للاخبار عن الغيب ألا أن يكون عن الله، فكيف يدعون استنباطه بالصناعة ويشيرون بذلك لتابعيهم من الخلق» (22) .

وبعد ان يستعرض ابن خلدون مقولات بطليموس وتلامذته في هذا الميدان يتقدم لتفنيدها بحجج عقلية بينة ويصل الى القول بأن «تثير الكواكب فيما تحتها باطل، اذ قد تبين في باب التوحيد ان لا فاعل الا الله، بطريق استلالي كما رأيته، واحتج له أهل علم الكلام بما هو غني عن البيان من أن اسناد الاسباب الى المسببات مجهول الكيفية والعقل متهم على ما يقضي به فيما يظهر بادئ الرأي من التأثير، فلعل استنادها على غير صورة التأثير المتعارف والقدرة الالهية رابطة بينها كما ربطت جميع الكائنات علوا وسفلا، سيما والشرع يرد الحوادث كلها الى درة الله تعالى ويبدأ مما سوى ذلك.

والنبوات أيضا منكرة لشأن النجوم وتأثراتها واستقراء الشرعيات شاهد بذلك مثل قوله (صلى الله عليه وسلم) «أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته» فقد بان لك بطلان هذه الصناعة عن طريق الشرع، وضعف مداركها مع ذلك من طريق العقل، كما لها من المضار في العمران الانساني لما تبعث في عقائد العوام من الفساد اذا اتفق الصدق في إخفائها في بعض الاحايين اتفاقا لا يرجع الى تعليل ولا تحقيق. فليلهج بذلك من لا معرفة له ويظن اطراد الصدق في سائر احكامها، وليس كذلك، فيقع في رد الاشياء الى غير خالقها». ثم يبين ان حظر الشريعة لهذا العبث المدعو علما، دفع اصحابه الى ممارسته بمعزل عن الجمهور، وتسترهم عن الناس كي لا ينكشف امرهم وهذا مما زاده الغازا وتعيدا..» (23) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت