فهرس الكتاب

الصفحة 909 من 1942

ومن المنطلق نفسه يرفض ابن خلدون الكيمياء، لا بمفهومها التجريبي المختبري الذي عرفته بمرور الوقت، ولكن بمفهومها السحري القديم القائم على الدجل والخرافة والذي كان يطمح بتحويل المعادن الرخيصة الى ثمينة بأساليب سحرية ملغزة لا تقل سخفا في تعاملها مع حقائق الطبيعة والكون من الميتافيزيقا او التنجيم» (24) .

ان ابن خلدون في دعوته الجادة الى ابطال تلك الفنون الثلاثة ـ ولا أقول علوما ـ الميتافيزيقا والكيمياء السحرية والتنجمي، بقدر ما ينطلق من رؤية دينية واضحة وعميقة، تستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بقدر ما يؤكد مدى احترامه للعقل البشري، وانه برفضه هذه الفنون لا يقف بمواجهة العقل والروح العلمية وانما معها، وتلك هي طبيعة الرؤية الدينية كما يمنحنا إياها كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام. (24)

ثانيا: الرؤية التربوية

التربية بايجاز شيد، عمل داينمي يستهدف صقل وتنمية قدرات الانسان العقلية والروحية والجسدية والوجدانية، وبما ان الانسان ـ بايجاز ايضا ـ هو صانع الحضارة، فان التربية ـ بالضرورة ـ تغدو صيغة عمل حضاري يحمل قدرا كبيرا من الأهمية.

وابن خلدون هو واحد من المفكرين الرواد الذين أولوا المسألة الحضارية أهمية بالغة، وتجاوزوا المنظور التسطيحي لقراءة التاريخ البشري صوب التوغل عمقا لفهم أبعاد معطياته الحضارية، والقوانين التي تحكمها، بدءا وصيرورة ونموا وغناء.. وليس من قبل الصدفة ـ إذن ـ ولا لمجرد استكمال الحديث عن كل موضوع وفق نزعة موضوعية فضفاضة، كما كان يفعل الكثير من الكتاب قبله، أو بعده، ليس من هذا القبيل تلك المساحات الواسعة التي يمنحها الرجل للمسألة التربوية في العديد من شعبها واهتماماتها وأنشطتها ما دام ان العمل التربوي سعي متواصل في صميم النشاط الحضاري للجماعة البشرية.

وهو يمنحنا تحليلات طيبة، وعلى قدر كبير من النضج، بالمقارنة مع المعطيات التربوية الحديثة: عن القيم والاهداف ومحتوى التعليم وطرائقه وأساليبه، والمعلم المتعلم، كما انه يقف طويلا عند (نظرية المعرفة) ذات الارتباط الوثيق بالتربية، ويقدم ـ في الوقت نسه ـ رؤية للانسان من خلال نظرة التربية الاسلامية اليه.

وبما أن الرجل هو ابن البيئة الاسلامية لحما ودما وفكرا، فان معطياته التربوية كانت تتشكل بالضرورة من مادة هذه البيئة وتتداخل مع نسيجها.

بعبارة اخرى، انه يتحدث عن التربية الاسلامية على وجه الخصوص لا عن اية تربية اخرى، وضعية او غير وضعية، كما حاول ويحاول بعض الباحثين، منذ اواخر القرن الماضي وعبر القرن الاخير، أن يذهبوا ـ كما رأينا ـ ليس على مستوى التربية فحسب، بل على كافة المستويات المعرفية التي تتضمنها المقدمة.

وتتوزع المادة التربوية على مدى المقدمة، وتنتشر في أبوابها الستة لكنها تتكاثف هنا وتقل هناك، وفقا لطبيعة الباب، أو الفصل الذي يتحدث عن (موضوعة) ما قد ترتبط بالمنظور التربوي بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد لا ترتبط به اساسا.

يصدر ابن خلدون في نظرته للانسان، والتعامل التربوي معه بالتالي عن رؤية اسلامية واضحة تضع هذا الكائن المتفرد في مكانه الحق من العالم.

وهو يؤكد ويعيد تأكيده المرة تلو المرة، على تميز الانسان بالفكر الذي وهبه الله اياه، متجاوزا «النظرة التجزيئية للانسان، متعاملا معه بمكوناته كافة: العقل والروح والوجدان والحس والغرائز والجسم، دونما عزل أو نفي أو فصل أو تقطيع، الانسان كما خلقه الله سبحانه وكما اراد له ان يكون.. كما يؤكد حتمية النبوات التي أعان الله الانسان بها على اكتشاف الطريق، وعلى استخلافه العمراني في العالم، وتسخير العالم، بطاقاته وسننه، لهذا المخلوق المستخلف عن الله في الارض، لكي يقدر على مواصلة مهمته في التقدم والتحضر والاعمار. (26)

هذه هي الخطوط الاساسية، أو مراكز الثقل الخمسة التي تميز التصور الاسلامي للانسان، عن سائر المذاهب والتصورات، والتي تنبثق عنها بالضرورة طبيعة التربية التي يتحتم اعتمادها لتنمية قدرات هذا الكائن وتمكينه من أداء مهمته في الأرض، كما تنبثق عنها ملامح وأسس نظرية للمعرفة تتميز هي الاخرى عن سائر النظريات الوضعية، باتساع مداها وتجاوزه لظواهر الاشياء صوب عالم الباطن والغيب.

ويحمل التعليم قيمته الاساسية في مقدمة ابن خلدون من حيث انه ضرورة من ضرورات الاجماع البشري، وأداء لابد منها لتمكين الجماعة من التحقق بالعيش والرفاهية من خلال الخبرات والصنائع التي تنالها بالتعليم. بل أن الأمر ليتجاوز هذا كله فيغدو التعليم ضرورة لقبول ما جاء به الانبياء عليهم السلام والانتماء لدعواتهم. من خلال نظرة إسلامية شمولية يطل بها أبن خلدون على قيمة التعليم فيجدها تمتد كلي تشمل الارض والسماء، الدنيا والاخرة على السواء وتلك هي بحق واحدة من أهم ملامح التربية الاسلامية، بل أهمها على الاطلاق (27) .

ويقف ابن خلدون طويلا «عند قيمة العمل ـ الذي تبرمجه وتؤكده الممارسة التربوية التعليمية ـ ويراه ضرورة من ضرورات العمران، ثم هو كعادته يعالجه من زاوية رؤياه الاسلامية ويبلغ به الامر القول بأن قيمة الاشياء انما تقاس بمقدار ما بذل فيها من عمل، وهو يربط ـ كذلك ـ بين مبدأ التسخير الذي يعرض له كتاب الله للانسان في هذا العالم، وحيثما تلفتنا وجدنا الرجل يولي العمل قيمة كبرى كواحد من الوسائل الاساسية لتحقيق مهمة الانسان في الارض واستخلافه العمراني في العالم على عين اله وهدى انبيائه عليهم السلام (28) .

حتى اذا ما بلغنا المسائل المباشرة الاكثر ارتباطا بالعملية التربوية التعليمية وجدنا ابن خلدون يقدم مادة طيبة، ويقف وقفات قد تطول وقد تقصر عند هذه المسألة أو تلك من مسائل التربية والتعليم.

انه يرى حتمية وجود (المعلم) كطرف اساسي في هذه العملية، سواء استهدفت تخريج العلماء أم الصناع (29) . ليس المعلم فحسب ولكنه المعلم الجيد هو المطلوب لتحقيق النتيجة الافضل. ونجد ابن خلدون يركز المسالة بمبدأ واضح بسيط ولكنه ضروري، أنه (على قدر جودة التعليم وملكة المعلم يكون المتعلم) وهكذا يحتل المعلم مكانه المناسب.

والمهمة التي يمارسها المعلم ليست مجالا «كيفيا» ولا عمل مستقلا بذاته لا يحتاج الى عوامل مساعدة، انها برنامج مرسوم يتدرج من البسيط الى المركب، ومن الضروري الى الكمالي، وهذا يحتاج الى زمن، ولا يستكمل اسبابه الا بعد تقدم الجماعة خطوات واسعة في تحضرها30 ثم أن مهمة المعلم لا تنحصر في تعليم هذا الجانب او ذاك فحسب من أمور المعرفة، بل تمتد لكي تشمل الجوانب كافة، أي ما هو علمي وما هو عملي في الوقت نفسه (31) .

وهو يعتبر التعليم من (جملة الصنائع) باعتباره فنا لابد من الالمام بأصوله وقواعده لكي يتمكن المعلم الذي يمارسه من تأدية مهمته على الوجه المطلوب (32) أنه يؤكد (مهنية) المعلم وأن يمارسه ليس مجرد علم فحسب وأنما هو (منهج) للتوصيل يختلف فيه هذا المعلم عن ذاك، ويتباين هذا الجيل عن ذاك (33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت