وابن خلدون يعرف كيف يرتبط بين ما يبلغه فن التعليم من مستوى وبين البيئة الحضارية التي ينشط فيها. فالعلاقة بينهما طردية، وحيثما بلغت جماعة ما شأوا متقدم في المضمار الحضاري حيثما تقدم معها فن التعليم ونفق سوقه (34) . أنه يجد فرصته للحذق والاكتمال في البيئة المتحضرة بسبب ما تتيحه من مجالات أوسع للمناظرة والجدل والحوار في مناحي العلوم، وتسمح به من الاحتكاك والاتصال والاخذ والعطاء بين الطرائق والمناهج هنالك حيث يتألق المعلم وحيث يجد طلبة المعلم مبتغاهم فيمن يعرف كيف يوصل اليهم المعرفة التي يطلبونها. (35)
والتعليم ليس تحفيظا كما أن التعلم ليس حفظا وإنما هو على جانبيه إعمال للقدرات العقلية وكسب لزمن من أجل التمكن من المعرف في هذا الحقل او ذاك (36) . إن غياب المعلم الجيد يحرم الطلبة من الفرص المواتية للتعلم، كما يحرم الجماعات من كسب عامل الزمن في الصراع من أجل المعرفة (37) .
واذا كان ابن خلدون ـ فيما سبق ـ يقف عند حدود العلاقة بين درجة التحضر عموما ومستوى التعليم والتعلم، فأنه لا ينسى أن يشير الى بعض المفردات (المساعدة) التي تعين على تحسين العملية التعليمية والتربوية عموما. منها ـ بطبيعة الحال ـ الاكثار من بناء المؤسسات التعليمية من مدرسة وزاوية ومسجد ورباط، ومنها وقف الاوقاف المنحلة على هذه المؤسسات من أجل أن تسير العملية بنجاح، ويجد المعلم والمتعلم فرصته لتجاوز الانهماك بالضرورات فيتحرر منها، بالضمان المعاشي الاكيد، لكي يتفرغ لما هو بصدده: ذاك لمهنته وهذا لمهمته. فحيثما كثرت الاوقاف والضمانات وعظمت الغلات والفوائد حيثما كثر طالب العلم ومعلمه وأحسنوا مهمتهم (ونفقت اسواق العلوم وزخرت بحارها) (38) .
وبما ان التعليم يعني توصيل الحقائق المعرفية بين طرفين، فأن ابن خلدون يقف بعض الوقت عند نوعين من صيغ التوصيل: الصيغة الشفافية التي تتم مباشرة بين العلم والمتعلم، والصيغة الكتابية التي تتم بشكل غير مباشر بينهما من خلال الكتب والمؤلفات (39) ، هي الصيغة الاكثر ذيوعا وانتشارا بسبب من أن المؤلف كخزين للمعرفة اكثر دواما من صاحبه، واكثر قدرة على الانتشار في المكان. وهكذا يكون دور المعلم ضروريا على هذا المستوى كذلك، بما أن التدليف تحتاج الى من يتقن توصيلها بمهنته المتخصصة في فنه، الى عقول المتعلمين (40) .
وابن خلدون يتخذ ازاء (الكتاب) كواحد من أهم الوسائل التعليمية، طريقا وسطا يتميز بالمرونة، ويلاحظ جيدا سايكولوجية التعلم، والقدرات النفسية للمتعلم فهو من جهة يرفض فكرة الاكثار من التأليف وتحميل المناهج التعليمية بالمزيد من الكتب التي تعالج موضوعا واحدا، لأن ذلك يعوق الطالب عن التحصيل ويحدث لديه نوعا من الارباك الذهني (41) ، فضلا عن انه يستغرق وقته فيما لا مبرر له ثم ان اختلاف الكتب في المادة الواحدة يعني عند ابن خلدون اختلاف الطرائق المنهجية في العرض والشرح والتعليل الامر الذي يقود الى السلبيات آنفة الذكر ويرى، بدلا من الدخول الى التفاصيل والجزئيات التي تكرر نفسها بصيغ مختلفة، أن يقدم للطالب جوهر المادة العلمية وخطوطا العريضة ـ دون الحاح في الايجاز ـ في كتاب واحد لكي يعينه ذلك على كسب الوقت والتمكن من الالمام بالملامح الاساسية للمادة (42) .
وهو ـ بالمقابل ـ يندد بالتلخيصات والاختصارات في المؤلفات المنهجية ويرى أن ذلك بدوره يخل بالتعليم بسبب من الحاحه في الايجاز الامر الذي يجعل المادة عسرة على الفهم بتركيزه المعاني الكثيرة في الفاظ محدودة (43) .
ولا ينسى ابن خلدون ان يقدم تصوره لعقلانية التعلم، وصي توصل العقل لحقائق الاشياء، داعيا المتعلم الى إدراك كنه هذا النشاط لكي يتمكن من تجاوز صعابه وعقابيله، ولكي ينفذ الى المعاني من وراء حجب الالفاظ والاستدلالات المنطقية الصناعية باعمال الفكر (الطبيعي) مباشرة في الحقائق المستغلقة وصولا الى الجوهر والمعنى (44) .
كما انه لا ينسى ان يفرد فصلا لمسألة التخصص العلمي، أو المهني، أو سايكولوجيته بعبارة أدق، ويرى ان المرء اذا اجاد مهنة ما ورسخت في نفسه فانه قد لا يجيد بعدها مهنة أخرى (45) .
وبصدد المراحل المبكرة للتعليم، فيما يسمى بتعليم الولدان، يمنحنا ابن خلدون مادة مقارنة يستمدها من طرائق التعليم الاسلامية واختلافها ويكاد يكون تعلم القرآن الكريم القاسم المشترك، والاساس في هذه الطرائق جميعا عبر مراحل التعليم المبكرة. فالقرآن الكريم كتاب هذه الامة، وهاديها ودليلها، وهو دستور عقيدتها، ومنهاج حركتها في العالم.. وتعليمه لاجيال الناشئة ضرورة محتومة اذا ما اريد لهذه الاجيال ان تكون مسلمة حقا (46) .
لكن الذي يختلف فيه بين مصر ومصر ومدرسة وأخرى، هو منهج التعليم وهاهنا يقدم ابن خلدون عرضا مقارنا لهذا المنهج في تعليم كتاب الله في كل من المغرب والانلس، والمشرق، والنتائج التي ترتبت عليه في كل من هذه الاقاليم. (47) .
وابن خلدون وهو يتحدث عن محتوى التعليم يشير الى صنفين من العلوم عقلي ونقلي دون أن يغفل عن أن هذا الاخير يتحتم ان يتم التعامل معه عقليا بالقياس والتفريع والاجتهاد. كما ان الرجل لا يفوته كذلك ان يؤكد هاهنا رؤيته الاسلامية وخصوصيته العقيدية اسوة بما كان يفعل في جل مساحات مقدمته الخصبة، بصيغ مباشرة حينا وغير مباشرة حيانا اخرى، فكأنه يرد بذلك على الذين جاءوا في قرون تالية لكي يخرجوه عن الرحم الذي تخلق فيه، ويضعوه على غير إرادة منه في دائرة (الوضعية) هجينا غريبا (48) .
ثالثا: الحركة التاريخية
وضع ابن خلدون (مقدمته) في الاساس، وكما يؤكد في تمهيده لها اكثر من مرة (49) لكي تكون اداة أو معيارا في التعامل مع الواقعة التاريخية. فهناك، في نسيج هذه الواقعة، ما يمكن قبوله والتسليم به، وما يستعصي على القبول والتسليم.. ما يمكن ان يصدق وما يخرج الى دائرة الكذب والتلفيق.
واذا كان المؤرخون قبله، في معظمهم، قد اكتفوا بأن يكونوا جماعين للرواية، أو المادة التاريخية، دونما اخذها بما يتطلبه من منهج يمحص ويعزل.. يقبل ويرفض.. يثبت وينفي.. كي لا يمر الا ما هو متحقق في حركة التاريخ، أو مقارب للحقيقة في أقل تقدير، فأنه رأى أن قد آن الاوان لاعتماد منهج مرسوم لكي يصير النشاط التاريخي علما منضبطا لا عواطف وتحزبات واهواء وميولا.
ولقد قيل الكثير في هذه المسألة، ولذا سنجد انفسنا مضطربين لتجاوزها صوب بعض التأشيرات التي تؤكد (اسلامية) هذا التوجه (العلمي) في التعامل مع التاريخ، واستمداده الكثير من الخصائص والمواصفات من البيئة التي انتمى اليها الرجل لا من أية بيئة أخرى. وهكذا ستكون النتائج التي توصل اليها الرجل من خلال منهجه هذا وتساوقه في نسيجها العام، وفي معظم مفرداتها، مع المنظور والمعطيات الاسلامية.
ابتداء وعى سبيل المثال، يطرح ابن خلدون هذه المقولة الاستقرائية ذات التأثير البالغ في صميم الحركة التاريخية للجماعات والشعوب انه ما من دولة (كبيرة) الا وأصلها الدين «اما من نبوة أو دعوة حق» والدول الكبيرة التي يسميها البعض بالامبراطوريات ويسميها ابن خلدون (الدول العامة الاستيلاء، العظيم الملك) هي الدول الاكثر ثقلا وتأثيرا في حركة التاريخ، ليس فقط في مجرياته السياسية، بل في نموه الحضاري، وهذا هو الاهم.