فهرس الكتاب

الصفحة 930 من 1942

وهذا كما رأينا بعض البر والعدل الذي حثَّ عليه القرآن الكريم ، حين ذكر أهل الذمة المسالمين الذين لا يعتدون على المسلمين، فقال: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ( الممتحنة: 8 ) .

ويفصل الإمام القرافي في شرحه للبر والعدل المأمور به في معاملة غير المسلمين، فيقول:"وأما ما أمر به من برِّهم من غيرمودة باطنية، فالرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم ، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم .. وصون أموالهم، وعيالهم، وأعراضهم، وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم لجميع حقوقهم...".143

ويقول القرشي المالكي في شرحه على مختصر خليل:"دفع الضرر وكشف الأذى عن المسلمين أو ما في حكمهم من أهل الذمة من فروض الكفايات، من إطعام جائع وستر عورة، حيث لم تفِ الصدقات ولا بيت المال بذلك".144

ووفق هذا الهدي سلك أصحاب النبي r من بعده ، فكتب خالد بن الوليد t لنصارى الحيرة:"وجعلتُ لهم أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًا فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله".145

وروى ابن زنجويه بإسناده أن عمر بن الخطاب رأى شيخًا كبيرًا من أهل الجزية يسأل الناس فقال: (ما أنصفناك إن أكلنا شبيبتك، ثم نأخذ منك الجزية، ثم كتب إلى عماله أن لا يأخذوا الجزية من شيخ كبير) .146

وفي رواية أن عمر أخذ بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: (انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ] إنما الصدقات للفقراء والمساكين[ والفقراء هم المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب) ، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.147

وكان مما أمر به رضي الله عنه:"من لم يطق الجزية خففوا عنه، ومن عجز فأعينوه".148

ومر t في الجابية على مجذومين من أهل الذمة، فأمر أن يعطوا من صدقات المسلمين، وأن يجرى عليهم القوت من بيت المال.149

وكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى واليه عدي بن أرطأة:"وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه".150

وقد سجل هذه الرعاية الفريدة المستشرق بارتولد في كتابه"الحضارة الإسلامية"، فقال:"إن النصارى كانوا أحسن حالًا تحت حكم المسلمين، إذ أن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل".151

المبحث الثاني: الجزية

ما يزال البعض - ممن حرم التحقيق والإنصاف - يعيب على المسلمين ما قرره القرآن من الجزية على الذين رفضوا الدخول في الإسلام، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة: 29) واعتبروا ذلك نوعًا من الإكراه على الإسلام، واعتبروها جزاء على الكفر، وأنها نوع من الظلم لأهل الذمة، وزاد نفورهم من هذه الشرعة حين قرؤوا قوله تعالى: ] وهم صاغرون [ فأخطؤوا في فهمها.

ولسوف نعرض في هذه الدراسة لمعنى الجزية والصغار، والحكمة منها ومقدارها، كما نلقي إيماءة على تاريخها:

أ. الجزية في اللغة والاصطلاح والتاريخ الإنساني

الجزية في اللغة مشتقة من مادة (ج ز ي) ، تقول العرب:"جزى ، يجزي، إذا كافأ عما أسدي إليه"، والجزية مشتق على وزن فِعلة من المجازاة، بمعنى"أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن"، وقال ابن المطرز: بل هي من الإجزاء"لأنها تجزئ عن الذمي". 152

وعلى كلا المعنيين فهي ليست - كما زعم بعض الفقهاء وتلقفها المتربصون - عقوبة ينالها الكافر على كفره، فإن عقوبة الكفر لن تكون بضعة دنانير.

ولو كانت الجزية عقوبة على الكفر لما أسقطت عن النساء والشيوخ والأطفال لاشتراكهم في صفة الكفر، بل لو كان كذلك لزاد مقدارها على الرهبان ورجال الدين، بدلًا من أن يُعفوا منها.

قال الباجي:"الجزية تؤخذ منهم على وجه العوض، لإقامتهم في بلاد المسلمين والذبِّ عنهم والحماية لهم".153

وقد تبين لنا قبلُ أن الله هو يتولى حساب من كفر به في الآخرة: قل الله أعبد مخلصًا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (الزمر: 14-15) .

وأما الجزية عند أهل الاصطلاح فعرفها ابن قدامة بقوله:"هي الوظيفة المأخوذة من الكافر لإقامته بدار الإسلام في كل عام".154

الجزية قبل الإسلام

لم يكن الإسلام بدعًا بين الأديان، كما لم يكن المسلمون كذلك بين الأمم؛ حين أخذوا الجزية من الأمم التي دخلت تحت ولايتهم، فإن أخذ الأمم الغالبة للجزية من الأمم المغلوبة أشهر من علم ، والتاريخ البشري أصدق شاهد على ذلك.

وقد نقل العهد القديم والجديد شيوع هذه الصورة ، ففي إنجيل متى أن المسيح عليه السلام قال لسمعان:"ماذا تظن يا سمعان؟ ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية، أمن بنيهم أم من الأجانب؟ قال له بطرس من الأجانب. قال له يسوع: فإذًا البنون أحرار" (متى 17/24-25) .

ويذكر العهد القديم شرعة الجزية في شرائع التوراة ، وأن الأنبياء عليهم السلام أخذوا الجزية من الأمم المغلوبة حين غلبوا على بعض الممالك ، كما صنع النبي يشوع مع الكنعانيين حين تغلب عليهم"فلم يطردوا الكنعانيين الساكنين في جازر، فسكن الكنعانيون في وسط افرايم إلى هذا اليوم، وكانوا عبيدًا تحت الجزية" (يشوع 16/10) ، وقد جمع لهم بين العبودية والجزية.

وفي المسيحية أمر المسيح أتباعه بدفع الجزية للرومان، وسارع هو إلى دفعها ، فقد ذكر إنجيل متى أنه قال لسمعان بطرس:"اذهب إلى البحر وألق صنارة، والسمكة التي تطلع أولًا خذها، ومتى فتحت فاها تجد أستارًا، فخذه وأعطهم عني وعنك" (متى 17/24-27) .

ويذكر إنجيل متّى أنه في مرة أخرى سئل:"أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟ .. فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذًا ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه" (متى 22/17-21) .

ويعتبر العهد الجديد أداء الجزية للسلاطين حقًا مشروعًا، بل ويعطيه قداسة، ويجعله أمرًا دينيًا، إذ يقول بولس:"لتخضع كل نفس للسلاطين، السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله، والمقاومون سيأخذون لأنفسهم دينونة ... إذ هو خادم الله، منتقم للغضب من الذي يفعل الشر، لذلك يلزم أن يخضع له ليس بسبب الغضب فقط، بل أيضا بسبب الضمير، فإنكم لأجل هذا توفون الجزية أيضًا، إذ هم خدام الله مواظبون على ذلك بعينه، فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام" (رومية 13/1-7) .

ب. شرعة الجزية في الإسلام

إن أصل شرعة الجزية في الإسلام قوله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة: 29) ، وأول ما نلحظه أن الآية خطاب إلى المؤمنين تأمرهم بأخذ الجزية من المقاتلين دون غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت