فهرس الكتاب

الصفحة 931 من 1942

قال القرطبي:"قال علماؤنا: الذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من المقاتلين ... وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين، وهم الذين يقاتلون، دون النساء والذرية والعبيد والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني".155

قال مالك:"مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة".156

قال ابن حجر:"لا تؤخذ من شيخ فانٍ ولا زمِن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من أصحاب الصوامع والديارات في قولٍ, والأصح عند الشافعية الوجوب على من ذكر آخرًا [أي أصحاب الصوامع] ". 157

وقد كتب عمر بذلك إلى أمراء الأجناد: (لا تضربوا الجزية على النساء والصبيان، ولا تضربوها إلا على من جرت عليه المواسي) 158 أي ناهز الاحتلام، وهو من يقدر عادة على حمل السلاح.

والتزم بذلك أمراء الإسلام ، ومنهم عمرو بن العاص والي مصر، فقد اصطلح مع المقوقس (على أن يفرض على جميع من بمصر أعلاها وأسفلها من القبط ديناران ديناران، عن كل نفس، شريفهم ووضيعهم، من بلغ الحلم منهم، ليس على الشيخ الفاني ولا على الصغير الذي لم يبلغ الحلم ولا النساء شيء) .159

ويشهد آدم متز بالتزام المسلمين بذلك في البلاد التي تحت سلطانهم، فيقول:"فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار". 160

وبمثله شهد ول ديورانت:"ولم يفرض عليهم أكثر من ارتداء زي ذي لون خاص، وأداء ضريبة عن كل شخص تختلف باختلاف دخله، وتتراوح بين دينار وأربعة دنانير .. ويعفى منها الرهبان، والنساء، والذكور الذين هم دون البلوغ، والأَرِقَّاء، والشيوخ، والعَجَزة، والعُمي، والشديد الفقر". 161

ومن النص السابق والشهادتين اللتين بعده يبين لنا أن المبلغ المدفوع للجزية لم يكن كبيرًا يعجز عن دفعه الرجال، بل كان ميسورًا يطيقه كل أحد.

ففي زمن النبي r لم تجاوز جزية الفرد الدينار الواحد في كل سنة، فحين أرسل النبي معاذًا إلى اليمن أخذ من كل حالم منهم دينارًا، يقول معاذ: (بعثني النبي r إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعًا، أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنة [هذه زكاة على المسلمين منهم] ، ومن كل حالم دينارًا، أو عدله مَعافر [للجزية] ) .162 والمعافري: الثياب.

وعلى عهد عمر بن الخطاب r كانت الجزية على أهل الذهب: أربعة دنانير، وعلى أهل الورِق: أربعين درهمًا؛ مع ذلك أرزاق المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام.163

وقد تفاوت مقدار الجزية في عصور الإسلام، وقد مر معنا أن عمرو بن العاص أوجب على أهل مصر دينارين فقط في كل سنة ، تدفع عن الرجال دون النساء والأطفال والشيوخ، فيما لم تتجاوز جزية الشخص الواحد الأربعة دنانير زمن الدولة الأموية.

والذي يظهر من هذا التفاوت أن مقدار الجزية متروك للإمام، قال ابن أبي نجيح: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبل اليسار.164

لكنه على كل حال لن يجاوز هذه المبالغ البسيطة التي تراعي حالة الناس ويسارهم، ولا تكلفهم فوق طاقتهم، وهو ما نفهمه من وصية عمر للخليفة بعده بأهل الذمة، إذ يقول: ( وألا يكلفوا فوق طاقتهم) . 165

قال ابن حجر:"ويستفاد من هذه الزيادة أن لا يؤخذ من أهل الجزية إلا قدر ما يطيق المأخوذ منه". 166

وفي هذا الصدد ينقل آدم متز عن المؤرخ بنيامين قوله:"إن اليهود في كل بلاد الإسلام يدفعون دينارًا واحدًا".167

ويقول دربير في كتابه"المنازعة بين العلم والدين":"إن المسلمين ما كانوا يتقاضون من مقهوريهم إلا شيئًا ضئيلًا من المال لا يقارن بما كانت تتقاضاه منهم حكوماتهم الوطنية".168

ويقول مونتسكيو في كتابه"روح الشرائع":"إن هذه الأتاوات المفروضة كانت سببًا لهذه السهولة الغريبة التي صادفها المسلمون في فتوحاتهم، فالشعوب رأت - بدل أن تخضع لسلسلة لا تنتهي من المغارم التي تخيلها حرص الأباطرة - أن تخضع لأداء جزية خفيفة يمكن توفيتها بسهولة، وتسلمها بسهولة كذلك".169

وأما من عجز عن دفع هذا المبلغ الزهيد، فإن الفقهاء أسقطوها عنه، يقول ابن القيم:"تسقط الجزية بزوال الرقبة أو عجزها عن الأداء".170

قال القاضي أبو يعلى:"وتسقط الجزية عن الفقير وعن الشيخ وعن الزَمِن".171

وفي مقابل هذه الدنانير المعدودات فإن المسلمين يلتزمون بالدفاع عن أهل الذمة وحمايتهم، ولو أدى ذلك إلى إزهاق أرواحهم في سبيل حماية أهل ذمتهم.

فقد ضمنه كتاب النبي r لربيعة الحضرمي، إذ يقول:"وأن نَصْرَ آل ذي مرحب على جماعة المسلمين ، وأن أرضهم بريئة من الجور". 172

وبمثله ضمن عبادة بن الصامت للمقوقس عظيم القبط ، حين قال:"نقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا ، وكان لكم به عهد علينا ...".173

وكتب خالد لأهل بعض النواحي في العراق:"فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم".174

قال أبو الوليد الباجي:"وذلك أن الجزية إنما تؤخذ منهم على وجه العوض لإقامتهم في بلاد المسلمين والذب عنهم والحماية لهم". 175

وأكد فقهاء الإسلام على حق أهل الذمة بالحماية، واعتبروا قيام المسلمين به من الوفاء بالعهود الذي تحرسه الشريعة وتأمر به.

قال الماورديّ:"ويلتزم ـ أي الإمام ـ لهم ببذل حقَّين: أحدهما: الكفُّ عنهم. والثانِي: الحماية لهم، ليكونوا بالكفِّ آمنين، وبالحماية محروسين". 176

وقال النوويّ:"ويلزمنا الكفُّ عنهم، وضمان ما نُتلفه عليهم، نفسًا ومالًا، ودفعُ أهلِ الحرب عنهم". 177

قال ابن قدامة:"الجزية تجب على أهل الذمة في كل عام، وهي بدل عن النصرة".178

وينقل القرافي عن ابن حزم إجماعًا للمسلمين لا تجد له نظيرًا عند أمة من الأمم، فيقول:"من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله r؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة".179

ويعلق القرافي فيقول:"فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صونًا لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم".180

ولا يسقط واجب المسلمين بحماية أهل الذمة وهم في ديار الإسلام، بل يمتد إلى إطلاق أسراهم الذين غُلبنا عليهم، يقول ابن النجار الحنبلي:"يجب على الإمام حفظ أهل الذمة، ومنع من يؤذيهم، وفكُّ أسرهم، ودفع من قصدهم بأذى". 181

ولما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود عددًا، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من العلماء، وطلبوا فك الأسرى، فسمح له بالمسلمين، ولم يطلق الأسرى الذميين، فقال له شيخ الإسلام:"لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع لديك أسيرًا، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا"، فأطلقهم الأمير التتري جميعًا. 182

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت