وبِهِ أَصُولُ على جميع خصومِنَا *** وأعدّه عونًا علَى مَنْ يعتدِي
سَأَسل سَهمًا مِنْ كنانةِ وَحْيهِ *** وَبِهِ أشدّ علَى كَتَائب حُسّدِي
وَبِهِ سأجدعُ أنفَ كلِّ مكابرٍ *** وَبِهِ سأرصدُ للكَفُورِ الملحدِ
وسأَسْتجِيرُ بِذِي الجلالِ وذِي العُلاَ *** لا لن أضام إذا استجرت بسيدِي
وسأستمد العون منه على الذي *** لمز الأحبة بالكلام المفسدِ
حتى أُشتت شملهم بأدلة *** مثل الصواعق في السحاب الأسودِ
وبنور وحي الله أكشف جهلهم *** حتى يبين على رؤوس المشهدِ
والناظر في عالمنا اليوم يدرك أن مناطق الصراع المنتشرة على مساحة واسعة كلها بُئر صراع فكري الطابع، عقائدي المحتوى، إنها سنة الله في الصراع بين الحق والباطل.ومن هنا تأتي هذه الأسئلة ، أين دور إعلام المسلمين؟! وما أهدافه؟! وماذا عن خططه؟! ،وهل الأعمال والأفكار والآراء المطروحة في الإعلام تتفق مع الإسلام وأصوله ومبادئه وتعاليمه وأحكامه، أم أن الإسلام من أفعالها براء؟
إذًا لابد أن يجلَّى هذا الأمر ويفضح ويبين فكر أصحابه وتوجههم من أجل صيانة الأمن الفكري ومن هنا جاءت هذه الرسالة.
(محفوفة بالأخطار)
من المعلوم أن حياة المسلمين المتمسكين بدينهم اليوم محفوفة بالأخطار من كل جانب تعرض لها أمراض الشبهات والشهوات أمراض يروجها ويعمقها في حياة المسلمين دعاة الباطل والرذيلة حتى تحوّل كثير من المسلمين إلى سائمة تُسام , وقطيعٍ مهزوز اعتقاده, غارق في شهواته, مستغرق في ملذاته , متبلد في إحساسه , لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا, إنهم يسعون إلى لف الحبال حول الأعناق لجرّ الناس نحو أعدائهم جرًّا، وهي نذر سوء تنال من الأمن الفكري ومن انتماء النفس المسلمة و تقود إلى إفراز مجتمع ممسوخ متذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء،حتى انقلب من غلبت عليه الشقاوة على عقبيه خاسرًا؛ فارتد عن دينه فالحذر منهم { وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطً } [الكهف: 28] .
(أشأم المساعي)
لنعلم جميعًا أن مِنْ أشأم المساعي الهدَّامة وأشدها خطرًا في تمييع الأمة وإفسادها فكرًا وخلقًا الإعلام الفاسد وسعي دعاته الذين لم يقولوا خيرًا ولم يصمتوا؛ بل ولم يألوا جهدًا في إشاعة الشر والانحراف والرذيلة في مجال من أخطر المجالات تأثيرًا على الناشئة والجيل والأمة ألا وهو مجال الإعلام المرئي، فهم يتنافسون تنافسًا غير شريف في ترفيه غير بريء، وتسلية غير عفة، فضائيات وإعلام فيه يعكر صفو المؤمنين، ويؤدي إلى انحراف المشاهدين والمتابعين متلبسين بقناعات وأفكار تسربت إليهم وتشربت بها قلوبهم فجعلوا أيام الناس ولياليهم أوقاتًا ضائعة وحياة لاهية وسمرًا عابثًا يبث فيه الفكر الملحد والتطاول على الدين مع السلوك المنحرف، واللقطات الراقصة، والحركات الفاتنة، والأحوال المزرية وكأن في آذانهم صممًا عن النداء الإيماني، يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ماذا دهاهم ليجعلوا من وسائلهم وقنواتهم مشروعات تجارية بحتة في صور محرمة، وبضائع ممنوعة، وسلع فاسدة، ومن المؤلم والمحزن أن بعضها بل أكثرها تؤدي بلا شك إلى التمرد على الدين وإفساد الخلق { لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } [التوبة: 37] .
(ديمومة الصراع بين الحق والباطل)
نحن نؤمن بأن من سنن الله سنةَ التدافع بين الحق والباطل، وأنهما في صراعين دائمين دائبين إلى قيام الساعة؛ ولكن لأن التكليفَ الشرعيَّ يقتضي منَّا أن نطبَِّق أحكام ديننا الحنيف، وأن نقفَ في وجه أي إلحاد فيه أو تحريف لنصوصه أو تعطيل لأحكامه أو تعدٍّ عليه بغض النظر عن الموقع الذي نكون فيه أو الحالة التي نكون عليها، وفي خضم هذا العبث ظهرت نداءات متبصرة من بعض الغيورين المتبصرين ينادون بها وهم فيها محقون إنهم ينادون بضرورة النظر الجاد في الأمن الفكري والتحصين للعقول من الوافد، والحفاظ على خصوصية المسلم في عقيدته الخالصة وشخصية المسلم .
نداء صادق لتحصين الأفكار من كلِّ ما يلطخها ويدنِّسها، وإلا ستغزى العقول، وتغير المفاهيم، وتنسلخ الشعوب عن معتقداتها، وينتشر الباطل، والقوي العزيز لا ينصر إلا من نصره، وبالمدافعة يكون النصر { وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحج: 40]
(حذو النعل بالنعل)
إن هذا البرنامج الهابط الذي يبث مرئيًّا هاجم الساخرون الفاسقون فيه ومن خلاله دينَ الله، والمتمسكين به ،وثوابت المجتمع وأعرافه التي دانت الأمة باحترامها،وهو نموذج واضح وصريح لما يبثه الإعلام من فساد، والعجب كل العجب أنه إعلام ينطلق من ديار أهل الإسلام ويدعم بأموال المسلمين مردِّدًا كالصدى كلَّ ما ينعق به أعداء هذا الدين؛ ليعلن تبعية قاتلة لا يرجى فيها تحصين فكر ولا حفظ دين؛ بل إن هذه الفئة المسكينة هزيلة مهزومة قتلها اللهث وراء ما يسمونه: المنافسة الإعلامية، وهنا تأتي قاصمة الظهر حين تكون المنافسة في الهزيمة حتى يدخلوا معهم جحر الضب الخرب ويسيروا خلفهم حذو النعل بالنعل، والذيل بالذيل، وهذا من العيب والأمر المشين، أن تعيش وسائل إعلام الأمة في هذا التنافس البائس لبث الفكر المنحرف وتأكيد التبعية للإلحاد الغربي والمادية المعاصرة .
ولقد طفحت كثير من هذه الوسائل بنشر الفلسفات التي تعزز المادية وتضعف الجوانب الإيمانية، وهي ـ باختصارـ لفيف وخليط وأمشاج من المعتقدات والتصورات بدءًا من الوثنية اليونانية ثم ديانات محرفة من يهودية ونصرانية وانتهاء بالمذاهب المادية المعاصرة، { بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ 12} وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ {13} وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ {14} [الصافات:12 ـ 14] .
(شعارات مضلِّلة)
من المؤلم حقًّا أن كل هذا الهجوم والاعتداء والسخرية والاستهزاء كان من خلال دعوات آثمة وشعارات مضلِّلة يطلقونها تارة باسم ( معالجة القضايا الاجتماعية ) وتارة باسم (المشاركة الوطنية) وتارة باسم ( الترفيه البريء) , وتارة باسم ( مقاومة الفكر الجامد أو الرجعي ) وتارة باسم ( الإسهام في بناء الوطن من خلال النقد البناء ) زعموا أو كما يحلو لهم أن يسموها { بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ } [الحجرات: 11] .
وهي في الحقيقة ليست سوى أفلام وبرامج وأقلام عربية الحرف أجنبية الفكر ضالة المعتقد مترددة الولاء ، عقولٌ مسترقة، ونفوس مستعبدة، وأفكار مستوردة، التحرر عندهم: الخروج من الدين، والتقدم في فهمهم: الجري في ساحة الإلحاد، والتغيير المنشود عندهم: هو التقلب في عرصات الجاهلية الوثنية القديمة والحديثة { إِنْ هِيَ إِلا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ } [النجم: 23] ، ومع هذا كله يدّعون الإصلاح.
وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى *** طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهْوُ عَلِيلُ