{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ } [التوبة: 101] .
(خوض ولعب)
لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى في هذا البرنامج الهابط وغيره من البرامج الفاسدة، وكشَّر دعاة الرذيلة عن أنيابهم، وأفرزوا توجهاتهم خلال السنوات الماضية كلها في بثهم الجريء في الباطل، وازداد ذلك بعد الأحداث الأخيرة التي حصلت في بلاد الحرمين مؤخرًا ـ حماها الله ـ إذ صيروها واستغلوها لصالح فكرهم وأهدافهم، وكان من الطبعي أن تلتفت الأنظار للاستهزاء اللامحدود ،والمطلق وبدون قيود بدين الله، والعلماء، والصالحين من عباد الله، وحِلَق القرآن، والمساجد، والقضاة، والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والحكام، والمسئولين، وثوابت، ومبادئ، وعادات الناس وأعرافهم، دون خوف من الخالق، أو حياء من المخلوقين فصنعوا ماشاءوا خوضًا ولعبًا { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ } [التوبة: 65] ،هذا بعض الواقع من الهجمات التي تسمُّ العقول، وتحرف السلوك، وتسيء إلى الدين، وتقضي على الأصالة، وتشكك في الولاء وصدق الانتماء { أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } [النحل: 45] .
(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ)
لنعلم أن أولئك الساقطين والعصبة المستهزئة الساخرة ترتدي قفازًا من حرير، وتحتمي وراء مظاهر الوطنية؛ لتعمل عملها، وتبث سمومها؛ لتدفع الجيل إلى التمرد وتمييع دينه وثوابته؛ ليكون لقمة سائغة في فم التغريب الذي هو من أخطر أسلحة الدمار لتخريب مجتمعات المسلمين،ووسائل الإعلام بهذه الصورة تخلط بين الحق والباطل، ولا تميز بين الصالحين الغيورين على الإسلام ومجتمعاتهم وبين الفئات الضالة المنحرفة العلمانية والإلحادية والحداثية ومن على شاكلتهم من أصحاب الفكر المنحرف بطرفيه: الإفراط والتفريط الذين يسعون لإطفاء نور الله ـ زعمواـ بأفعالهم وأقوالهم، { يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ } [ الصف: 8] .
أتطفئ نور الله نفخة ساخرٍ *** تعالى الذي بالكبرياء تفرَّدا
{ اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا } [فاطر: 42] .
(الإعلام بوابته)
هل يليق بهؤلاء السخفاء ومن على شاكلتهم وفي ظل ما تعيشه الأمة المسلمة اليوم عمومًا وما تعيشه بلاد الحرمين ـ حماها الله ـ على وجه الخصوص أن يقوموا بهذه الأعمال التي تؤدي إلى إيغار صدور الناس وتأليبهم وتأجيج ما في نفوسهم من غيره مما قد ينعكس سلبًا على غير المتأني ويصل به إلى أمور لا تحمد عقباها { إِنْ هَذَا إِلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا } [الفرقان: 4] .
كيف يُطْمَأنُّ على الأمن الفكري وهناك من يجوس خلال الأمة بأفكار ضالة ومنحرفة، أفكار تدميرية ثائرة تجأر بالتطاول على مقام الألوهية والربوبية والإسلام؟! كيف يُطْمَأنُّ على الأمن الفكري وهناك من يجاهر بالقول بفصل الدين عن الدولة بعقول وأفكار وكتابات ونداءات تأبى أن يكون لدين الإسلام موقع في تصريف شؤون الحياة ؟!
هل يليق بهم ـ ونحن في فترة إخماد الفتن ـ ولله الحمد ـ وجمع الكلمة وتوحيد الصف ـ أن يهيجوا مشاعر الناس مما يؤدي إلى البلبلة والقلق وغرس الوساوس والمخاوف في الصدور فهذا البرنامج وغيره يدعو إلى تفكك الصف وإثارة الناس، فهو برنامج متطرف إرهابي ساخر داعٍ وداعم للإرهاب جملةً وتفصيلًا { فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ } [الأنعام:5] .
إن الأمن الفكري يجب أن يأتي في مقدمة الاهتمام بمفهوم الأمن كله؛ لأن فيه أمنَ الأرواح، وأمنَ الأعراض، وأمنَ الأموال، وأمنَ الغذاء، وأمنَ الصحة، وأمنَ العمل .
وماذا يرجى من أمة أصيبت في فكرها، واضطربت في توجهها، واهتزت في قيمها، وتزعزت في عقيدتها؟!!
إنها لا تفقد الأمن وحده ولكنها ـ والله ـ تفقد الوجود كلَّه، نعم تفقد الوجود كلَّه وتخسر الكيان كلَّه دفعةً واحدة دون سابق إنذارٍ أو وعيد، وهي إذ تخسر ذاك إنما تفقد في الوقت نفسه هويتها وإنسانيتها بين سائر الشعوب والأمم .
هاجس الأمن الفكري هاجس الجميع، والإعلام هو بوابته،وإذا راق لبعض الناس المرح واللعب في زمن من الأزمان؛ فينبغي في هذا الزمان ألاّ يخطر لنا على بالٍ، في زمان داهمنا فيه الأعداءُ من فوقنا، ومن تحت أرجلنا، وحاصرونا من كل مكان،وخرّبوا ـ ولا يزالون يخرّبون ـ بلاد المسلمين في فلسطين وأفغانستان والعراق وهكذا دواليك دواليك, وقد كشرت الصليبية الحاقدة عن أنياب الغدر والوحشية الهمجية بعداوتها حتى على هذه البلاد حماها الله بالإسلام والإيمان { وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ } [الأنفال: 71] .
أتضحكون وصوت القدس منتحبُ *** والقردُ مستبسلٌ في ساحة الحَرمِ
طيّشتم الفكر في لهو وفي لعبِ *** فطاشت القدسُ بين الخصم والحكمِ
طفل الحجارة تحت القصف منتفضٌ *** ضاعت نداءاته في نشوة النغمِ !!
وعيشكم ضحك قد طاش من ضحكِ *** وأرضهم لغمٌ قد ثار من لغَم
أرى على وجهه المجهود أسئلةً *** تستمطر الدمع في حزنِ وفي سقم ِ
ماذا دهى أمة الإقدام فانخذلتْ *** أين الإخاءُ ؟! أما أشجاكم ألمِي ؟!!
أما لكم في نشيج الأم من شجنٍ *** والقردُ يُذكي لظى أحقاده بدمِي
إذًا فلنعرف إلى أي أمة ننتمي؟! وأي فكر يجب أن نحمل؟! ومن أي المعارف نستقي؟! فأمتنا تنتمي إلى خير فكر، معارفنا هي أصح المعارف، وقرآننا وحده هو الذي يهدي للتي هي أقوم، وهو الذي يثير هذا السؤال { فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنعام: 81] فيأتي الجواب فيه صريحًا قاطعًا { الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ } [الأنعام: 82] ، فلنلتزم كتاب ربنا، ولنسر على نهج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وبهما تحفظ بوابة أمننا، ونتميز عن غيرنا.
(هل راق لكم فعلكم؟)
هل يروق لهؤلاء وغيرهم من السخفاء في مثل هذا الشهر والموسم العظيم أن يلهوا عباد الله عن دين الله ويبعدوا الخلق عن الخالق ويزرعوا في نفوسهم الشُّبه وحب الشهوة {لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنفال: 27] .