ومن أقبح تناقضات الليبرالية ، أنَّه لو صار حكمُ الأغلبيِّة هو الدين ـ في الليبرالية السياسية مثلا ـ واختار عامة الشعب بحرية الحكم بالإسلام ، واتباع منهج الله تعالى ، والسير على أحكامه العادلة الشاملة الهادية إلى كل خير ، فإن الليبراليّة هنا تنزعج انزعاجًا شديدًا ، وتشن على هذا الاختيار الشعبي حربًا شعواء ، وتندِّدُ بالشعب وتزدري اختياره إذا اختار الإسلام ، وتطالب بنقض هذا الاختيار وتسميه إرهابًا وتطرفًا وتخلفًا وظلاميّة ورجعيّة 00الخ
كما قال تعالى ( وإذا ذُكِر الله ُوَحدَهُ اشمَأَزَّت قلوبُ الذين لايُؤمِنُونَ بِالآخرِةِ وَإِذا ذُكِرَ الذينَ مِنَ دونِهِ إذا هُم يَستَبشِروُن) الزمر 45 .
فإذا ذُكر منهج الله تعالى ، وأراد الناس شريعته اشمأزت قلوب الليبراليين ، وإذا ذُكِر أيُّ منهجٍ آخر ، أو شريعة أخرى ، أو قانون آخر ، إذا هم يستبشرون به ، ويرحِّبون به أيَّما ترحيب ، ولايتردَّدون في تأيِّيده.
حكم الاسلام في الليبرالية:
فإذن الليبراليِّة ماهي إلاّ وجه آخر للعلمانيِّة التي بنيت أركانها على الإعراض عن شريعة الله تعالى ، والكفر بما أنزل الله تعالى ، والصد عن سبيله ، ومحاربة المصلحين ، وتشجيع المنكرات الأخلاقيِّة ، والضلالات الفكريِّة ، تحت ذريعة الحريِّة الزائفة ، والتي هي في حقيقتها طاعة للشيطان وعبودية له0
هذه هي الليبراليّة ، وحكمها في الإسلام هو نفس حكم العلمانيّة سواء بسواء ، لأنها فرع من فروع تلك الشجرة ، ووجه آخر من وجوهها
التعددية
التعريف:
التعددية هي فرع عن الليرالية التي هي فرع عن العلمانية ، والديمقراطية الغربية تجعل التعددية من صور الحرية التي هي أحد أركانها ، وقد بينا فيما مضى أن الحرية هنا ، حرية زائفة ، يقصد بها العبودية للعقل الغربي في توصيف حتى معنى الحرية .
والتعددية تعني أن يسمح في المجتمع بالاختلاف والتعدد في كلّ شيء ، حتى لو كان هذا الإختلاف بين الحق والباطل ، بل لايوجد في التعددية ، حق مطلق ، وباطل مطلق ، ولهذا ترى التعددية أن الاختلاف مهما كان هو في حد ذاته ظاهرة محمودة بإطلاق ، تجب رعايتها ، وتشجيعها ، ومحاربة من يقف في طريقها ،
وحتى لو كان في المجتمع من يعبد إبليس نفسه ، فيجب أن يسمح لهم ـ في نظر التعددية ـ بإظهار دعوتهم ، وتمكينهم من دعوة الناس إليها ، ونشر كل ما يزينها ويشجع على إعتناقها ، وعلى الصعيد السياسي يجب أن يسمح لهم بتأسيس حزب سياسي يحمي معتقداتهم ، ويسمح لهم بنشرها .
وكذلك يجب أن يسمح العالم كله بعبور كلّ العقائد ، والأفكار ، والديانات ، ونشرها عبر المجتمعات من غير حجر ولا تضييق ولامنع .
والعجب من التعددية ـ كسائر ما يأتي من الغرب الأعور المنافق ـ أنها عندما يأتي دور الإسلام ، لايسمح لها بالتعددية ، بل يحارب حربا شعواء ، ويضيق عليه ، كما فعلت فرنسا مع الحجاب ، فإنها عندما رأت انتشار الحجاب في المدارس ، أعلنت حربا على التعددية الثقافية ، بل الحرية الشخصية ،
ومن الأمثلة الأخرى تلك القوانين الغربية التي تحظر مناقشة تاريخ الهلوكوست ، ( المذبحة اليهودية المزعومة ) ، ولا تسمح هنا بالتعددية في الآراء ، وقد تمت مطاردة عدة مفكرين غربيين قضائيا ، ومنهم من سجن ، لتشكيكهم في صحة ما تزعمه اليهود من وقوع الهلوكوست بالصورة التي وقعت بها .
وهاهي أمريكا تمارس أبشع أنواع التمييز العنصري ضد المسلمين ، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول ، وتحذوا حذوها دول أوربية ، ضاربة عرض الحائط بمزاعمها عن التعددية الثقافية !
حكم التعددية
الأصل الجامع لهذا الدين ، وكل دين أرسل الله به المرسلين والنبيين ، أن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ، أن يُعلوا أحكام هذا الدين ، وهو كلمة الحق ، وأن ينصروه .
وأن يقيموا العدل ، وينصبوه ، وأن يمنعوا الباطل من العلوّ والظهور ، وكذا الظلم والفجور .
وأن معيار العلم بالحق والباطل ، إنما هو الوحي ، هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال ، قال سبحانه"فاسْتَقْمْ كَمَا أُمِرَتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا"
وذلك أن الله تعالى هو الحق ، وهو ربّ الناس ، ملك الناس ، إله الناس ، له الأمر كلّه ، كما له الملك و الخلق كلّه ، وقد أقام هذه السموات والأرض على الحق والعدل ، وأنزل به الوحي ، حاكما بين الناس ، وأمر المرسلين والمؤمنين أن يقوموا به في الأرض ، ويجاهدوا في سبيل إقامته ، بالعلم واللسان ، وبالقوة والسنان .
قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ) .
وقال تعالى (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمُور ) ِ
وقال تعال: ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ )
فأمر الناس أن يقيموا دين الله وأن يجتمعوا عليه ، ولا يتفرقوا .
والقرآن مليء بالأمر بالاجتماع على الحق ومدحه ، وذم الافتراق عنه والتفرق فيه ، والأمر بجهاد الباطل وأهله ، وقد سماهم أهل الشقاق ، وأهل النفاق ، وأهل الكفر ، أو الفسق والفجور ، وجمع لهم أوصاف الذم وأسماءه.
هذا هو الأصل العظيم الجامع ، المعلوم من الدين بالضرورة ، من دفعه كفر وارتد ، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه بإتفاق العلماء .
وعلى هذا الأصل أقيمت شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام ، بل جعل النظام السياسي كله قائما على هذا الأصل ، فمقصوده إظهار الحق الذي تحمله الأمّة بالوحي ، إظهاره أي جعله ظاهرا بالقوة والعلوّ ، بين المؤمنين ، وعلى الأرض كلها بجهاد الطلب .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"وإذا كان جماع الدين وجميع الولايات هو أمر ونهي ؛ فالأمر الذي بعث الله به رسوله هو الأمر بالمعروف والنهي الذي بعثه به هو النهي عن المنكر وهذا نعت النبي والمؤمنين ؛ كما قال تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} "
وهذا واجب على كل مسلم قادر وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره والقدرة هو السلطان والولاية فذوو السلطان أقدر من غيرهم ؛ وعليهم من الوجوب ما ليس على غيرهم .
فإن مناط الوجوب هو القدرة ؛ فيجب على كل إنسان بحسب قدرته قال تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم}