وهو أن يكون مصدر التشريع هو حكم الأغلبيّة بحسب العدّ المحض ، الذي يعدّ الرؤوس ولا يزنها ، فيجعل العاقل الحكيم المصلح ، مساويا للجاهل الأحمق المفسد ، والمؤمن الصالح الأمين ، مكافئا للكافر الفاسق الخائن ، وسيد القوم الشريف سديد الرأي ، معادلا للمرأة التي ربما تكون عاهرة تسعى بفرجها !
فكلهم سواء في ميزان هذا الدين الجديد ، فتُعدّ أصواتهم عدّا فحسب ، ثم يُعرف بأكثر العدّ ، الشرعُ الذي يجب أن يسيروا عليه ، والنهج الذي يهديهم سواء السبيل !
ولئن قال قائل إن هذا الحمق ،والجهل ، والضلال المبين ، لايمكن أن يتواطأ عليه العقلاء ، لأنه يعرف بالبداهة فساده ، ويتبين بمنطق الأمور مناقضته للعقل الصريح .
فالجوب أنهم علموا أنّه لافرق ـ في الحقيقة ـ بين هذا الدين الجديد ، وما قبله ، لأنّ فئة قليلة قادرة على التأثير على الغالب بالترغيب والترهيب ، ستسيطر على عدد الأصوات ، فيصير التشريع بأيديهم ،علموا ذلك ، غير أنهم وجدوا أنّ إبقاء اللعبة التي تُسمّى الديمقراطية ، في ظاهرها تخدع الشعوب ، وتخدّرهم يوم التصويت، أنفع لهم من المجاهرة بأنهم مستبدون ، يبتغون الإستيلاء والهيمنة بشعارات خداعة .
وهذا يُشبه ـ من وجه ـ ما يسمى الشركات المساهمة، حيث يظنّ المساهمون أنهم تّجار بما يملكون من أسهم في الشركات ، بينما يتحكم في الشركات الكبار الذين يخدرونهم بتلك الخدعة ، حتى يملكوا أموالهم ، كما ملكت تلك الخدعة المسماة الديمقراطية عقولهم وإرادتهم ، ولهذا قال احد المفكّرين الغربيين: إنّ أكبر كذبتين في التاريخ هما الديمقراطية ، والشركات المساهمة !
ولهذا كان ما فيهما من الفساد العام ، ومحق البركة من المجتمعات ما فيهما .
والمقصود أنّ سدنة هذا الصنم قالوا: إنّ التشريعات التي تنتج عن حكم الأغلبيّة ، مقدمة على كلّ حكم آخر حتى شريعة الله تعالى ، وأنها ملزمة للشعوب ، فهي شريعة كاملة ، وأحكام نافذة ، والخارج عليها مجرم ، والمتمرد عليها خائن ، والساعي في تعطليها مرتد يحكم عليه أحيانا بالإعدام ، أو الحبس المؤبد ، أوالنكال الشديد ، ثم جعلوا لهذا الدين خبراء يطوّرونه ، أطلقوا عليهم إسم ( فقهاء القانون ) كما أطلقوا على آراءهم ( الفتوى ) ، إمعانا في المضادة لشريعة الله تعالى واستبدالها بغيرها .
وبهذا يتبين أن هذه القوانين الوضعية ، ترجع إلى أصل عقدي ، هو دين الديمقراطية ، تنبثق منها على أساس إعتقاد أنّ الحكم بين الناس ، والتشريع لهم ، لايرجع فيه إلى الله تعالى خالق البشر بل إلى البشر أنفسهم .
والخلاصة أن الديمقراطية بشقها الثاني مناقضة تمام المناقضة لدين الإسلام ، عقيدة وشريعة .
الليبرالية
التعريف
هذا المصطلح الغربي من أشد المصطلحات غموضا ، وقد اختلف معرفوه الغربيون في تعريفه اختلافا كبيرا ، غير أنها كلها ترجع إلى أحد أركان الديمقراطية الغربية ، وهي الحرية ، والحرية بالمفهوم الغربي فحسب ، فهي حرية زائفة ترجع إلى كونها عبودية للغرب حتى في تعريف الحرية!
وبهذا يعلم أن الليبراليَّة هي وجه آخر من وجوه العلمانيِّة بمعناها العام الذي هو التمرد على الدين والتحلل من الإلتزام به ، ولهذا فمعتنقوها يقصدون بها أن يكون الإنسان حرًا في أن يفعل ما يشاء ، ويقول ما يشاء ، ويعتقد ما يشاء ، ويحكم بما يشاء ، بدون التقيد بشريعة إلهية ، فالإنسان عند الليبراليين إله نفسه ، وعابد هواه ، غير محكوم بشريعة من الله تعالى ، ولا مأمور من خالقه باتباع منهج إلهيّ ينظم حياته كلها، كما قال تعالى ( قُل إنَّ صَلاتي ونُسُكِي وَمَحيايَ وَمَماتي للهِ رَبَّ العالَمِينَ ، لاشَريكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرتُ وَأَنا أَوَّلُ المِسلِمين) الأنعام 162، 163 ، وكما قال تعالى ( ثمَُّ جَعَلنَاكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمرِ فَاتَّبِعها وَلاتتَّبِع أَهواءَ الذِينَ لايَعلَمُون ) الجاثية 18
هل تملك الليبرالية إجابات حاسمة لما يحتاجه الإنسان:
الليبراليَّة لاتُعطيك إجابات حاسمة على الأسئلة التالية مثلا: هل الله موجود ؟ هل هناك حياة بعد الموت أم لا ؟ وهل هناك أنبياء أم لا ؟ وكيف نعبد الله كما يريد منّا أن نعبده ؟ وما هو الهدف من الحياة ؟ وهل النظام الإسلاميُّ حق أم لا ؟ وهل الربا حرام أم حلال ؟ وهل القمار حلال أم حرام ؟ وهل نسمح بالخمر أم نمنعها ، وهل للمرأة أن تتبرج أم تتحجب ، وهل تساوي الرجل في كل شيء أم تختلف معه في بعض الأمور ،
وهل الزنى جريمة أم علاقة شخصية وإشباع لغريزة طبيعية إذا وقعت برضا الطرفين ، وهل القرآن حق أم يشتمل على حق وباطل ، أم كله باطل ، أم كله من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم ولا يصلح لهذا الزمان ، وهل سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وحي من الله تعالى فيحب أتباعه فيما يأمر به ، أم مشكوك فيها ، وهل الرسول صلى الله عليه وسلم رسول من الله تعالى أم مصلح اجتماعي ،
وما هي القيم التي تحكم المجتمع ؟ هل هي تعاليم الإسلام أم الحرية المطلقة من كل قيد ، أم حرية مقيدة بقيود من ثقافات غربية أو شرقية ، وماهو نظام العقوبات الذي يكفل الأمن في المجتمع ، هل الحدود الشرعية أم القوانين الجنائية الوضعية ، وهل الإجهاض مسموح أم ممنوع ، وهل الشذوذ الجنسي حق أم باطل ، وهل نسمح بحرية نشر أي شيء أم نمنع نشر الإلحاد والإباحية ، وهل نسمح بالبرامج الجنسية في قنوات الإعلام أم نمنعه ، وهل نعلم الناس القرآن في المدارس على أنه منهج لحياتهم كلها ، أم هو كتاب روحي لاعلاقة له بالحياة ؟؟؟؟
المبدأ العام الليبرالية:
فالليبراليّة ليس عندها جواب تعطيه للناس على هذه الأسئلة ، ومبدؤها العام هو: دعوا الناس كلُّ إله لنفسه ومعبود لهواه ، فهم أحرار في الإجابة على هذه الأسئلة كما يشتهون ويشاؤون ، ولن يحاسبهم رب على شيء في الدنيا ، وليس بعد الموت شيء ، لاحساب ولا ثواب ولاعقاب
ماالذي يجب أن يسود المجتمع في المذهب الليبرالي:
وأما ما يجب أن يسود المجتمع من القوانين والأحكام ، فليس هناك سبيل إلا التصويت الديمقراطي ، وبه وحده تعرف القوانين التي تحكم الحياة العامة ، وهو شريعة الناس لاشريعة لهم سواها ، وذلك بجمع أصوات ممثلي الشعب ، فمتى وقعت الأصوات أكثر وجب الحكم بالنتيجة سواء وافقت حكم الله وخالفته 0
السمة الأساسية للمذهب الليبرالي:
السمة الأساسية للمذهب الليبرالية أن كل شيء في المذهب الليبراليِّ متغيِّر ، وقابل للجدل والأخذ والردِّ حتى أحكام القرآن المحكمة القطعيِّة ، وإذا تغيَّرت أصوات الأغلبية تغيَّرت الأحكام والقيم ، وتبدلت الثوابت بأخرى جديدة ، وهكذا دواليك ، لايوجد حقّ مطلق في الحياة ، وكل شيء متغير ، ولا يوجد حقيقة مطلقة سوى التغيُّر.
إله الليبرالية:
فإذن إله الليبراليِّة الحاكم على كل شيء بالصواب أو الخطأ ، حرية الإنسان وهواه وعقله وفكره ، وحكم الأغلبيِّة من الأصوات هو القول الفصل في كل شئون حياة الناس العامة ، سواءُُ عندهم عارض الشريعة الإلهيّة ووافقها ، وليس لأحد أن يتقدَّم بين يدي هذا الحكم بشيء ، ولا يعقب عليه إلا بمثله فقط 0
تناقض الليبرالية: