وقال تعالى: ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بدَّلُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ* جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار) ، وأعظم نعمة هي الشريعة المنزلة على خير النبيين محمد صلى الله عليه وسلم ، كما قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَمُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌرَّحِيمٌ) ، وقد ذكر الله تعالى هذه الآية بعد أحكام الذّكاة ، وتحريم الميتة ، وقرن ذلك بشرك الذبح على الأنصاب ، والإستقسام بالأزلام ، وفيها بيان أنّ النعمة إنمّا تّمت على هذه الأمّة المرحومة ، بشريعتها الشاملة لكل مناحي الحياة ، حتى المآكل والمشارب ، فمن بدل شريعة الله بغيرها ، فقد بدل نعمة الله كفرا وأحل قومه دار البوار.
وقال تعالى): إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ* ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَانَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ )
فهؤلاء قالوا للذين يكرهون ما نزل الله ، أنهم سيطيعونهم في بعض الأمر ، لاكله ، وقالوا ذلك سرا لا جهرا ، صارا مرتدين بذلك ، فكيف بالذين يطيعون الكارهين للشريعة من الكفار ، بتبديل الشريعة كلها ، ويفعلون ذلك جهرا لا سرا ، ويتبجحون بذلك زاعمين أن قوانينهم الوضعية عدل ، وصلاح ، وإصلاح للبلاد والعباد ؟!
وقال تعالى): فَلاَوَرَبِّكَ لاَيُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَبَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَيَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا( ، فقد أقسم الله تعالى بروبيته الخاصة على محمد صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه الشريعة الحاكمة ، وشرفه بكونه المبلغ لها ، الحاكم بها ، الذي قوله حكمٌ ، وفعله حكمٌ ، وإقراره حكمٌ ، يتفرّق الناس على أساس ما جاء به ، إلى الإيمان والكفر ، والهدى والضلال ، والحق والباطل ، والسعيد والشقي ، أقسم عز وجل ، أنّ أحدًا لن ينال حقيقة الإيمان حتى يجعل ما يأتي به الرسول صلى الله عليه وسلم ، هو الحُكمُ الفصلُ في كلّ شيء ، ثم لايجد في نفسه حرجا مسلِّما بذلك تسليما ، إذ كان هذا هو معنى الإسلام ، ولهذا ، وبهذا ، صار صلى الله عليه وسلم خير الأولين والآخرين ، ورحمة الله تعالى للناس أجمعين ،
ومعلوم أن دين الإسلام قائم على الإستسلام لأحكام الله تعالى ، والإنقياد التام لما أنزله سبحانه ، ولهذا عطف الله تعالى تفرده بالحكم على كلمة التوحيد ، (وَلاتَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلها آخر لاإِلَهَ إِلاَّ هُوَكُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وجهه لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(، وعطف كلمة التوحيد على تفرده بالحكم وسماه الدين القيم ) : إِنِ الْحُكْمُ إلا لله أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إلا إياه ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَيَعْلَمُونَ)، وهذا مثل قوله تعالى)وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّتَعْبُدُو اْإِلاَّ إِيَّاهُ ( أي لماكان هو الحكم وإليه الحكم ، حكم أن لايُعبد سواه ، ولهذا قال ) قل أعوذ برب الناس ، ملك الناس ، إله الناس) ( ، أي:كون الرب الخالق المدبر ، والملك الحاكم الآمر ، استحق العبادة وحكمَ أنْ تكون العبادةُ له وحده ،وأن من جعلها لغيره ،فهو كافرٌ به سبحانه
ولهذا كان أوّل أسباب الشقاء ، التي وقعت في الوجود ، الخروج عن حكمه سبحانه ، كما فعل إبليس لعنه الله ، فاستحق اللعنة الأبديّة ،
كما كان عنوان السعادة الأبدية طاعة أحكامه ، والخضوع لسلطانه ، وفي الحديث: (كلّ أمّتي يدخلون الجنة إلاّ من أبى ، قالوا: ومن يأبى يارسول الله ، قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) خرجه البخاري من حديث أبي هريرة
ولهذا قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لاتقدموا بين يدي الله ورسوله) ، أي لاتقولوا حتى يقول ، ولا تأمروا حتى يأمر ، ولا تفتوا حتى يفتي ، ولا تقطعوا أمرا حتى يكون هو الذين يحكم فيه ويُمضي .
وسبب هذه العناية العظيمة في القرآن بالحكم بما أنزل الله تعالى ، والتحذير العظيم من تعطيلها أن تعطيلها هو أعظم جريمة تقترف ،
ذلك أنها كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: (فالشريعة عدل الله بن عباده ، ورحمته بين خلقه ، وظله في أرضه ، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله صلى الله عليه وسلم ، أتم دلاله وأصدقها ، وهي نوره الذي أبصر به المبصرون ، وهداه الذي به اهتدى المهتدون ، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل ، وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه في استقام على سواء السبيل ، فهي قرة العيون ، وحياة القلوب ، ولذة الأرواح ، فهي بها الحياة ، والغذاء ، والدواء ، والنور ، و الشفاء ، والعصمة ، وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها ، وحاصل بها ، وكل نقص في الوجود ، فسببه من إضاعتها ، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطوي العالم ، وهي العصمة للناس وقوام العالم ، وبها يمسك الله السموات والأرض أن تزولا ، فإذا أراد الله سبحانه وتعالى خراب الدنيا وطي العالم ، رفع إليه ما بقي من رسومها ، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم ، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة ) .
إذا تبيّن هذا ، فليُعلم أنّ ما يُسمى ( الديمقراطية ) بمعناها الذي أراده مخترعوها ، والدعاة إليها ـ فقد يُراد بإطلاقها جهلا أنها ما يُضاد الإستبداد فحسب ـ هي أعظم مناقضٍ للشريعة ، والداعون إليها ، هم الدعاة إلى أبواب جهنم ، لأنهم هم الداعون إلى رفض الحكم بما أنزل الله تعالى، المبتغون حكم الجاهلية ، المشركون بالله تعالى في حكمه ، الزاعمون الإيمان المنفيَّ عنهم ، الكافرون ، الظالمون ، الفاسقون ، المرتدون ، المتحاكمون إلى الطاغوت ، المؤمنون به ، المتخذون أربابا من دون الله ، المبدلون نعمة الله كفرا ، المنافقون ، المشاقون للرسول صلى الله عليه وسلم ، المتبعون غير سبيل المؤمنين .
ذلك أن الديمقراطية تعني إتخاذ أحكام البشر بإعتبار أصوات غالب ممثليهم ،شريعة بديلة عن شريعة الله تعالى ، مهيمنة بأحكامها على الأقوال ، والأفعال ،والأفكار ، وجميع السلوك الإنساني ، والعلاقات الدولية الداخلية ، والخارجية ، لها أنْ تحلّ ما حرّم الله ، وتحرّم ما أحلّ الله تعالى .
فهي أمّ القوانين التي تخلقها إفكا ، وهي منبع الطواغيت التي تحدثها باطلا ، وهي مصنع الجاهلية المعاصرة التي تصدّ عن سبيل الله تعالى ، وتحارب شريعته .
ومعلوم أن سدنة هذا الدين الجديد ، يقولون إنّه لايُحكم على السلوك الإنساني منفردا أومجتمعا في صورة دولة ، بأنه صواب أو خطأ ، فيكون جريمة ، أم سلوكا مباحا ، إلاّ بقانون ، ولابد للقانون من مشرِّع يشرّعه ، ومصدر يُحدثه ،ويُنشئه:
فإمّا إن يكون مصدره من غير البشر ، وهو الله تعالى ، عند أتباع الرسل.
وإما أن يكون من البشر ، وهذا الأخير لايخلو:
إمّا أن يكون من حاكم مستبد ، يفصل في الأمور برأيه ، ويقضي فيها بحكمه وهذه هي الدكتاتورية التي ثارت عليها الشعوب في القرن الماضي ، حتى ساد المذهب الثالث.