أحدهما: إلغاء"الحق الإلهي المقدس"الذي كان مفروضا من الكنيسة فيما قبل الثورة الفرنسية ، فقد كانت الكنيسة قد أضفت هذا الحق على السلطة ، فلما قامت الثورة الفرنسية بفكرة الديمقراطية ، أخضعت الحكومة لرقابة الشعب علي تصرفاتها ، وعملت بمبدأ فصل السلطات ، فجعلت الحكومة سلطة تنفيذية فحسب ، لا سلطة تشريعية ..
الثاني: إعطاء الشعب حقوقه"الإنسانية"التي حرم منها أكثر من ألف عام في ظل نظام الإقطاع الذي كان سائدا في أوربا.
وبهذا يعلم أن الديمقراطية لها شقان:
أحدهما: منع الظلم والإستبداد ، ومنح الشعوب حقوقها ، ومنها المشاركة السياسية ، وهذا الشقّ جاء به الإسلام ، شريطة أن تكون الحقوق تبعا لأحكام الله تعالى .
الشق الثاني: جعل السيادة المطلقة بيد الشعب ، لا يخضع لشريعة الله تعالى ، ولا يلزمه الإنقياد لها .
ذلك أنه لما كانت تلك الثورة على الظلم والإستبداد ، التي انبثقت عنها فكرة الديمقراطية ، منطلقة من غير هدى من الله تعالى ، ومصحوبة بكراهيتة شديد لإرث الكنيسة المقيت في الظلم ومحاربة العلم في تلك العصور، إضافة إلى أنه لم يكن يمثّل الهدى ، بل هو دين محرف عن دين الحق الذي جاء به عيسى عليه السلام ،
لما كان الأمر كذلك ، تولد من الثورة نظام حكم نقل السيادة المطلقة إلى الشعب ، جاحدا أن لله تعالى شريعة له السيادة المطلقة على العباد ، لأنهم أصلا لم يعرفوا شريعة سوى شريعة الكنيسة المحرفة لرسالة الرسل ،
الشق الأخطر للديمقراطية
وبهذا يعلم أن هذا الشق من الديمقراطية بمفهومها الغربي ما هي سوى التمرد على شريعة الله تعالى ، والحكم بغير ما أنزل الله تعالى ،
ولئن كانت في إنطلاقتها الأولى في أوربا صادقت بيئة لاتعرف دينا إلاّ الدين المحرف الذي كان سببا لشقاءهم ، فتمردت عليه ، فإن استنساخها إلى بلاد المسلمين ،وبين أيديهم هدى الله الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ليس سوى تقليد أعمى لايأتيه إلا من بدّل نعمة الله التي أنعم الله بها عليه .
وقد سمّى الله تعالى ، الحاكمين بغير شريعته كافرين ، وظالمين ، وفاسقين ، ومرتدّين ، ومتحاكمين إلى الطاغوت ، ومؤمنين به ، ونفي نفيا مقرونا بالقسم بربويته الخاصة المضافة إلى من انزل عليه الشريعة ، نفى عنهم الإيمان ، وسماهم المبدّلين نعمة الله كفرا ، والمتّخذين أربابا من دون الله تعالى ، وجعل إيمان الذين يريدون ـ حتى لو لم يفعلوا ـ التحاكم إلى غير شريعة الله تعالى زعما محضا ، وأنهّم المبتغون حكم الجاهلية ،والمشركون بالله تعالى في الحكم ، وسماهم المنافقين ، والمشاقّين للرسول ، والمتبعين غير سبيل المؤمنين .
فهذه خمسة عشر وصفا ، هي أشدّ الأوصاف ذمّا ، وأعظما جُرما، كلّها قد وُصِم بها الحكم بغير ما أنزل الله تعالى .
فليتأمّل المؤمن برب الشريعة العلية المطهرة ، التي انزلها نورا على خير الناس ، هدى وشفاء للناس ، فليتأمل هذه الآيات الكريمات:
قال تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) ، وقال: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ، وقال: ( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بما أنزل اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون) ، وقال: ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) ، فسمى غير أحكام الله ، أحكام الجاهلية ، وسمى المعرضين عن تحكيم الشريعة مبتغين أحكام الجاهلية ، وإذا كان (أبغض الناس إلى الله تعالى مبتغ في الإسلام سنّة الجاهلية) ، خرجه البخاري من حديث ابن عباس ، فكيف بمن يحكم في الناس بحكم الجاهلية ؟!
وقال: (أَلَمْ تَرَإِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَاأُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَاأُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُو اْإِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) ، فجعل الذين يريدون التحاكم إلى غير ما أنزل الله تعالى ، غير كافرين بالطاغوت ، وهذا يعني أنهم مؤمنون بالطاغوت ، ولهذا جعل إيمانهم بما أنزل الله تعالى زعما ، ومعلوم أن الكفر بالطاغوت أحد ركني الشهادتين ، فالطاغوت كل ما يتخذ من دون الله تعالى من أرباب ، أو آلهة ، أوأنداد ، وقد قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَافِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِاعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) ، وقال ( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَانفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)
وفي هذا بيان واضح أن مريد التحاكم إلى غير ما أنزل الله مؤمنٌ بالطاغوت ، كافرٌ بالله تعالى ، مجانبٌ لما جاءت به الرسل الكرام ، عليهم السلام ، ذلك أن ما أرسلوا به هو الحكم بالكتاب بالحق ، قال تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ) .
وقال تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) . فقد وصفهم بالمنافقين
وقال تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ، ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) . وأيّ مشاقّة للرسول صلى الله عليه وسلم أعظم من الإعراض عن شريعته ؟! وأيّ تولِّ لغير سبيل المؤمنين ، أعظم من نبذ التحاكم إلى التنزيل الذي آمن به المؤمنون واتّبعوه ؟!
وقال تعالى: (اتخذوا أحبارهم وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَاأُمِرُواْ إلا ليعبدوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّإِلَهَ إِلاَّهُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) ، ،ومعلوم أنهم أطاعو الأحبار، والرهبان ، في تحليل ما حرم الله ، وتحريم ما أحل الله تعالى ، فكان ذلك اتخاذهم أحبارهم ، ورهبانهم ، أربابا من دون الله تعالى ، مع أنهم كانوا يفعلون ذلك تدينا ، وتعظيما لدينهم المحرّف ، ظانين أن للأحبار ، والرهبان ، ذلك الحقّ ، وليس تحقيرا للدين ، ولا إقصاء له ، ثم سمّاهم الله تعالى متخذي الأرباب من دون الله تعالى ، فكيف يكون حكم الذين يقصون الشريعة ، من المتحاكمين إلى القوانين الوضعية ؟!
ولهذا قال تعالى: (ولا يشرك في حكمه أحدا) ، فسمى المتخذ الطاغوت يتحاكم إليه ، مشركا بالله تعالى.