فهرس الكتاب

الصفحة 964 من 1942

يقول أحدهم _ وهو مقيم في لندن _ في مقال له بعنوان: (الحالة الدينية في السعودية..هل تستمر القاعدة بتجنيد السعوديين) (الوطن: 1139) : ما هي وضعية الحالة الدينية اليوم في السعودية ؟.. لا يمكن القول إنّها متسامحة وعصرية، فالأحداث الإرهابية هي نتاج غلو ديني اشترك بعض أفراد المذهبيّة الدينية السلفية السائدة، والأيديولوجيا الصحوية في صنعها في المقام الأوّل بغض النظر عن المسببات الأخرى التي وضعتها في موضع التنفيذ. ومظاهر التشدد الديني التي تلمس كل يوم في خطب الجوامع وأدعية القنوت، والفتاوى المتشددة، والخطاب الديني بمجمله مغرق في التزمت بعيد كل البعد عن حال التسامح واليسر المنتظرة منه"، وهكذا تطلق التهم جزافًا بلا بيّنة سوى أنّ الذين قاموا بالتفجيرات يستشهدون ببعض أقوال السلف، ولو أننا أخذنا بهذا المنطق المعوج لحكمنا على القرآن نفسه بأنّه سبب الإرهاب، لأنّ الخوارج الأوّلين استدلوا به على مذهبهم، وكذلك سائر الفرق الضالة."

ثم، ومن أجل حلّ هذه الأزمة يرى الكاتب أنّ الحل يكمن في:"تغيير الطريقة التي يتم التعامل بها مع الأفكار والطوائف أو الأديان بوصفها كافرة أو مبتدعة أو علمانية، وينبغي أن ينظر إلى نقد وتقييم المناهج والمؤسسات الدينية، وإصلاحها (!) بالطريقة العصرية، والحدّ (!) من تضخّم الأدلجة الإسلاموية.. وهو كلام في غاية الخطورة والضلال، والغلو المضاد، حيث يدعو الكاتب إلى عدم وصف الأديان - ويريد بها بطبيعة الحال أصحابها المتدينين بها اليوم - بالوصف الذي وصفها الله به في كتابه الكريم، ووصفها به رسوله الأمين كما في قوله تعالى: (( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ َ. ) ) (المائدة:17) ."

وقوله: (( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ.. ) ) (المائدة:73) ، وقول النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ) )أخرجه مسلم.

ولا خلاف عند أهل الإسلام في كفر اليهود والنصارى وغيرهم من أصحاب الملل الأخرى، فمن لم يكفرهم فهو مكذب للقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وكذلك يدعو الكاتب إلى عدم تبديع أهل البدع وأهل العلمنة، وفي ذلك مضادة لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: (( كل بدعة ضلالة ) ).

وهذا في نظر الكاتب يعدّ إصلاحًا بالطريقة العصرية، وصدق الله إذ يقول: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَ_كِن لاَّ يَشْعُرُونَ ) ) (البقرة:11) .

ويقول آخر - وهو أشدّهم تطرّفًا - في مقال له بعنوان: (الإنترنت والخطاب الديني) (الرياض: 13247) : - .. كما أظهر هذا الخطاب (يعني خطاب التطرّف ) أنّ مرجعيّة التطرّف والغلو، ومن ثم الإرهاب، ليس الفكر القطبي، ولا طرح الجماعات المتأسلمة (!) وإنّما مصدر الاستدلال _ في الغالب العام _: السلفية التقليدية، بمرجعيّاتها المشهورة التي لها اعتبارها في الخطاب السلفي"."

إذن، السلفية بمرجعياتها المشهورة هي مصدر الإرهاب، فيجب محاربتها، والقضاء عليها، هذا ما يهدف إليه الكاتب. والردّ عليه كالرد على الذي قبله.

أمّا المرجعيات المشهورة فيريدون بها: أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الوهاب رحمهم الله..، وقد صرّح أحدهم بذلك _ وهو أكثرهم تعالمًا، وأشدّهم جهلًا - في مقال له بعنوان: (الإنسان والوطن أهمّ من ابن تيمية) الوطن: (965) ، زعم فيه - زورًا وبهتانًا _ أنّ ابن تيمية هو منظّر الجهاديين، وأنه سبب الإرهاب، معتمدًا على نص لابن تيمية مبتور من سياقه، وهو إذ يعيب على من أسماهم بالجهاديين سوء الفهم؛ يقع في الخطأ نفسه وهو لا يشعر.

وأخطر من ذلك، ما سطّره الكاتب الأوّل في مقال له بعنوان: (واحذرهم أن يفتنوك) (الرياض: 13128) ، يتحدّث فيه عمّا أسماه بالفرادة، يقول منظرًّا لهذه الفرادة: إنّ الأصل في الكائن الإنساني خاصّة هو الاختلاف والتنوّع والتفرّد، وليس التشابه والتماثل كما يحاول دعاة المحافظة والتقليد ترويجه - تطبيقًا - في بيئتنا الاجتماعيّة، وإن ادّعوا تنظيرًا غير ذلك".. وهذا كلام مجمل يحتاج إلى تفصيل، فالفرادة إن كانت فيما لا يتعارض مع أصل الدين وثوابته، ونصوصه القاطعة، فهي مطلوبة، وإلا فإنّها ابتداع وخروج عن الدين، وحقّها _ لفظًا _ أن تكون بالمثناة (قرادة) ، لكنّ الكاتب تعمد الإطلاق للوصول إلى ما يهدف إليه، لذا فهو يواصل مقاله قائلًا - بعد أن قرّر أنّ إلغاء هذه الفرادة المطلقة جريمة: ويبقى السؤال الأهم في هذا الطرح: إذا كان إلغاء معالم التفرد في الإنسان جريمة، فهل تمارس هذه الجريمة في محيطنا الثقافي والاجتماعي؟، وإذا كانت تمارس، فهل هي مقصودة أم أنها جزء من الحراك الاجتماعي التلقائي؟، وعلى أية صورة تمارس هذه الجريمة؟، هل هي فردية أم جريمة منظمة؟، وما مدى انتشارها وذيوعها؟ ومن الفاعل؟، وأين؟، ومتى؟."

وإذا كان بعض هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عليها تفصيلًا؛ لهذا السبب أو ذاك، فإن الإجابة العامة التي ينطق بها الواقع (الثقافي/ الاجتماعي) لدينا إجابة لا تدعو للتفاؤل، من حيث الوقوع المتعين لهذه الجريمة المعنوية"."

ثم تبدأ معركته مع السلفية، أو على حدّ تعبيره: ( الاتجاه المحافظ التقليدي لدينا ) ، وهذا هو المقصود، فيقول:"إن ما فعله - ويفعله - الاتجاه المحافظ التقليدي لدينا إنما هو عملية قتل متعمد لكل معالم الفرادة الطبيعية، إنه في الحقيقة (اغتيال للعقل) على نحو تدريجي، وبأساليب قد لا تكون واضحة في كل الأحيان، وفي كل الحالات. لا أستطيع أن أقول: إن عملية المسخ الاختياري (والقسر في بعض الأحيان) التي يمتزج بها الاجتماعي بالديني ( وفق رؤية خاصة يتم تعميمها) ، بالثقافي، بالواقعي، وبطريقة لا تبقي أي خيار، لا أظن أن لها مثيلًا على مستوى التجمعات الإنسانية المعاصرة كافة..".

وبعد الطعن في السلفية _ خصمه اللدود _ بإجمال، يبدأ في التفصيل، فيستعرض المراحل الدراسية جميعها إلى مرحلة الدراسات العليا، فيقرّر أنّ هذه المراحل كلّها عندنا تقضي على هذه الفرادة المزعومه، والسبب أنّها تلتزم بمذهب أهل السنّة والجماعة وسلف الأّمة، أو على حدّ تعبيره:"نمط التربية المستمد من موروث اجتماعي موغل في القدم يبدأ عمله منذ السنوات الأولى للطفولة؛ لكون القائم على التربية الأولى ابنًا بارًا لثقافة التقليد والمحافظة في الغالب"أو بتعبير آخر له:"أفكار مغرقة في محافظتها وسلفيتها وتزمتها.."، أو بتعبير ثالث عن النشاط اللامنهجي:"وفق المنطلقات ذات الزوايا الحادة للمنظومة السلفية التقليدية التي تجتهد في التنميط؛ فضلًا عن أن التنميط كامن في البنية العامة للمناهج"..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت