فهرس الكتاب

الصفحة 974 من 1942

وبعد أن ساوى بين الطرفين، أخذ يتباكى على ضحايا هذا الصراع، ولو كانوا من اليهود الغاصبين المحتلين، ويصفهم بالأبرياء عازفًا على وتر الإنسانية، مع أنّ الشعب اليهودي كلّه مجند ضد الفلسطيني المسلم صاحب الأرض، يقول:"للأسف نحن لم ننظر إلى العنف نظرة محايدة، بوصفه ظاهرة لا إنسانية، تطال الإنسان، أيًّا كان هذا الإنسان، سواء كان فلسطينيًا أو إسرائيليًا. ضحايا العنف في معظم الأحيان من الأبرياء (!!!) وحتى ما سوى ذلك، فإنه يبقي خلفه مآسي تطال أبرياء لا محالة. يجب ألا يغيب عن الوعي أن لهؤلاء وهؤلاء أمهات وأبناء وأزواج وأحباب تكاد قلوبهم تتفطر حزنًا وألمًا بعد كل مشهد من مشاهد العنف، تلك المشاهد التي ليست مقصورة على طرف دون آخر. هل انغرس في وعينا أن الإنسان هو الإنسان على هذا الطرف من أطراف الصراع أو ذاك، مهما حاول أحدهما قصر الإنساني عليه ؟! ما لم يكن هناك إحساس عميق ومشترك بالمأساة التي تطال الإنسان من كلا الطرفين ؛ فستبقى دائرة العنف اللاإنسانية تدور رحاها دون توقف".

ولم يفته في هذا المقام أن يعرض بحركات المقاومة الإسلامية في فلسطين _ على عادته في لمز كل ما هو إسلامي _ ، فيقول:"لا شك أن الأيديولوجيا حاضرة بقوة في هذا العنف المتبادل (!) ، بدليل أن العنف في طرفي الصراع يصدر بالدرجة الأولى من المحاضن الأيديولوجية، وكلما تضخمت الأيديولوجيا زادت حدة العنف ، زادت فعلًا وتهديدًا"..

ثم ينكر على المثقفين على امتداد العالم العربي والإسلامي الوقوف مع المقاومة الفلسطينية وتأييدها فيقول:"تزداد المسألة قتامة حين نرى الطلائع الثقافية والفكرية على امتداد العالم العربي والإسلامي تبارك هذا العنف (!) بل وتهتف له، إلا فيما ندر مما يعدّ نشازًا في سياق العنف الذي تباركه جماعات اليقين (!) ، بل أصبح هذا الصوت النادر _ المنطوي على تصورات إنسانية _ موضع اتهام وتخوين".. وصدق من قال: كاد المريب أن يقول خذوني!! أمّا جماعات اليقين التي يسخر منها فهي الواثقة بوعد الله بقتل اليهود ونطق الحجر والشجر لصالح المسلمين كما صحّت بذلك الأخبار، وليسمّ الكاتب ذلك ما يسميه، فإن وعد الله آت لا مرية فيه... هذا وإنّ مما يلاحظ في مقال هذا الكاتب _ مع طوله _ أنّه لم يصف المحتل بالوصف الشرعي الذي وصفه الله به وهو اليهودي، وإنّما يصفه بالإسرائيلي، ولذلك دلالته العقدية التي تدل على فكر هذا الكاتب، ونظرته العلمانية ( الإنسانية ) لهذا الصراع التي أفصح عن شيء منها في هذا المقال.

وأخطر ممّا سبق وأشدّ وضوحًا ما سطّره أحدهم _ وكان تكفيريًا ثم تحوّل بمقدار 180درجة إلى مرجيء غالٍ _ في مقال له بعنوان: ( كثيرًا من الإنسانية قليلًا من الرهبانية ) الرياض: 12928: يقول وهو يقرر مذهب الإرجاء:"إنّ الله يكفيه منّا أن نحمل الشعلة في قلوبنا، أن نكون دائمًا على أهبّة الاستعداد للعكوف بمحرابه لنقدّم شيئًا ( لعياله ) لعباده، فهو غنيّ عن عبادتنا (!) ".. فهو يزعم _ مفتريًا على الله _ أنّ مجرّد حمل الإيمان في القلب كاف عند الله، دون الإتيان بالشعائر التعبدية المعروفة من صلاة وصيام وحج.. الخ

ويؤكّد ذلك فيقول:"الرسول r يذكر أنّ رجلًا دخل الجنّة لم يعمل خيرًا ولا حسنة في حياته، وارتكب الكثير من الذنوب، ومع ذلك دخل الجنّة، لأنّهم وجدوا له بطاقة يعلن فيها صادقًا مخلصًا عن حبّه له وإيمان به: ( لا إله إلا الله ) ".. هذه هو فهمه لكلمة ( لا إله إلا الله ) ، وتالله لقد كان أبو جهل ومشركو قريش أعلم منه بهذه الكلمة، فلو أنّ مجرّد الإيمان بها في القلب كاف في دخول الجنّة، لما وقفت قريش بخيلها ورجلها في وجه رسول الله r، ولقالتها وظلت على شركها وطقوسها، ثم كيف يكون المرء صادقًا مخلصًا وهو لم يعمل بمقتضى هذه الكلمة، إلا أن يكون قد منعه مانع، أو حال بينه وبين العمل حائل، كمن أسلم ثم مات قبل أن يعمل ونحو ذلك، وعلى هذا يحمل الحديث المذكور، أمّا أن يطلق هذا الحكم، فهو أمر في غاية الخطورة، إذ فيه ترغيب للناس على ترك الخير والاكتفاء بمجرد ترديد هذه الكلمة دون عمل، وهذا هو مذهب الإرجاء..

ثم يختم حديثه _ وهذا هو الشاهد _ فيقول:"لتعلموا أنّ دينًا لا يسعى لسعادة الإنسان لحفظ مصالحه الحقيقية، ليس إلا وبالًا، وتذكروا قول النبيّ محمّد r: (( إنّ هدم الكعبة أهون عند الله من سفك دم مؤمن ) )كلّ المؤمنين من كلّ الأديان: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا.. ) ) (البقرة:62) ، الإيمان عندي هو كثير من الإنسانية، قليل من الرهبانية، ربما يكون لحياتنا طعم آخر".. ولا شكّ أنّ الدين الذي لا يسعى لسعادة الإنسان فهو وبال، ولكن ما الحل إذا رفض الإنسان هذا الدين، وأصرّ على دين باطل منسوخ محرّف يسعى لشقائه؟ ويبدو أنّ عدوى التحريف قد انتقلت إلى الكاتب نفسه فحرّف الحديث الشريف، كما حرّف معنى الآية الكريمة.. فأمّا الحديث فلفظه الصحيح:".. أهون عند الله من سفك دم مسلم"، والكاتب حرّفها إلى ( مؤمن ) لتشمل جميع المؤمنين بزعمه من الأديان الأخرى ممّن أدرك النبيّ الخاتم، ثمّ راح يؤكّد تحريفه مستشهدًا بالآية الشريفة التي لم يفهم معناها الصحيح، فإنّ المقصود بها من آمن بالله من الطوائف المذكورة في زمن نبيّهم قبل بعثة نبينا r،وليس بعد البعثة، وسبب نزول الآية يبيّن معناها، فقد نزلت في أصحاب سلمان الفارسي t، فإنّه لما قدم على رسول الله r جعل يخبر عن عبادة أصحابه واجتهادهم وقال: يا رسول الله، كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك ويشهدون أنّك تبعث نبيًا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال رسول الله r: (( يا سلمان، هم من أهل النار ) )، فأنزل الله: (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُوا.. ) )وتلا إلى قوله: (( وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) ). ( أسباب الن_زول للواحدي ص 13 ) ، فتبين من سبب الن_زول أنّ الآية نزلت في قوم من أهل الكتاب قبل مبعث النبيّ، كانوا يؤمنون بمبعثه، ويشهدون أنّه رسول من عند الله، لكنّهم لم يدركوه، فأين هؤلاء من قوم أدركوا بعثته، بل راحوا يسخرون منه r، ويصورونه في رسوم ساخرة بأنّه إرهابي، أو امرأة، ويتواطئون على ذلك غير مبالين بمشاعر الملايين من أتباعه؟!!!

أمّا مرجعيّة هذه الإنسانية عندهم، فيبيّنها أحدهم _ وهو مقيم في لندن _ في مقال له بعنوان تفوح منه رائحة العلمنة والسخرية وهو: ( الإسلام السياسي وتجديد الأحكام السلطانية ) الوطن: 1188، يقول:"إنّ الأخذ بالمفاهيم الإنسانيّة يجب أن يكون على أساس عقلي في المقام الأوّل، بعيدًا عن كلّ الاعتبارات المتعلّقة بالنصوص (!) "وليس هذا التأصيل بغريب عليهم إذا كانوا يطمحون إلى إحلال الإنسانية محلّ الرابطة الدينية، وتحطيم عقيدة الولاء والبراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت