_ ومن سماتهم البيّنة _ وهي لب مشروعهم الذي يبشرون به _: الدعوة إلى علمنة الحياة، وإقصاء الدين بحيث لا يكون له أي سلطان على مناحي الحياة المختلفة، ومن هذا المنطلق فإنّهم يهزؤن من فكرة أسلمة العلوم _ أي صبغها بالصبغة الإسلامية بعد تنقيتها من الشوائب الكفرية والإلحادية _، ويقللون جدًا من شأن الإعجاز العلمي في الكتاب والسنّة، ويرفضون أن يكون ( الإسلام هو الحلّ ) ، ويحاربون كل من يرفع هذا الشعار، بل ويفسّرون التاريخ والأحداث بشكل عامّ تفسيرًا سياسيًا بمعزل عن الدين، وفيما يلي شواهد من أقوالهم على كلّ ما سبق:
يقول أحدهم في مقال له تفوح منه رائحة العلمانية بعنوان: ( ممارسة السياسة شأن مدني خالص ) الرياض: 13756:"من نافلة القول أنّ مثل هذه الشمولية لا تختصّ بها قومية معينة، أو دين بعينه، ولكنّ العبرة تكمن في النهاية في قدرة المجتمع من خلال تجاوز مرحلة تزييف وعيه، ومن ثم عبور ذلك الوهم الأيديولوجي عبر الإيمان المطلق بنسبيّة السياسة ووضعيتها، ومن ثم تعرضها للتغير والتبدل وفقًا لقوانين الاجتماع البشري وليس ثباتها المتوهم وفقًا لما يعرف بمفهوم الحقّ الإلهي في الحكم.."فالكاتب هنا يشير أوّلًا إلى ضرورة إقصاء الدين عن السياسة، وأنّ هذا الإقصاء لا يختصّ بدين بعينه، فيشمل حتى الإسلام، فلا يحقّ لأحد كائنًا من كان أن يزعم أنّ دينًا بعينه هو الحلّ (!) ، أمّا مفهوم الحقّ الإلهي في الحكم، فيريد به قول الله تعالى: (( إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ.. ) ) (يوسف:40) فيرى أنّه وهم لا بدّ من تجاوزه (!) ، أو على حدّ تعبيره في المقال نفسه:"إنزالها [ إي السياسة ] من السماء إلى الأرض"..
ثم لا يفوته في آخر المقال أن يعرّج على بعض خصومه التقليديين من الإسلاميين، الذين يرفعون شعار ( الإسلام هو الحلّ ) فيسخر منهم بحجج واهية لا تخلو من مغالطات وجهالات، ثم يختم المقال بطامّة كبرى من طاماته فيقول:"ويبقى القول بأنّه لا خيار في مجال السياسة الإسلاميّة إلا استخدام المنطق الذي أعلنه الرسول r في وجه مؤسلمي السياسة عندما أعلنها مدويّة بقوله (( أنتم أعلم بشؤون دنياكم ) )وهو منطق مدني على أيّة حال.."إنّه _ لعمر الله _ عبث بالنصوص، واعتداء على حرمة الدين، ومقام سيد المرسلين، فهل ترك النبيّ r السياسة لغيره واعتكف في مسجده، أم أنّه أقام دولة الإسلام، وجيّش الجيوش، وفتح الفتوح، وساس الأمة، أم أنّه _ عليه الصلاة والسلام _ كما صوّره الكاتب يقول خلاف ما يفعل ؟!!، وهل قوله r"أنتم أعلم بأمور دنياكم"مراد به أمور السياسة وشؤون الأمّة، أم المراد قضية عين في أمر دنيوي خالص لا علاقة له بالسياسة العامّة كما يدل على ذلك سبب الحديث؟.. إنّها مهزلة يجب إيقافها ومحاسبة أصحابها احترامًا لديننا وعقيدتنا..
أمّا المجتمع المدني الذي يدندنون حوله كثيرًا، ويعدونه النموذج الأمثل للدولة الحديثة، فيصفه أحدهم _ وهو متخصّص في الكتابة السياسية _ في مقال له بعنوان: ( الخطاب الديني هل يستمرّ كعائق في الحرب على الإرهاب ) الوطن: 1160، بأنّه:"مجتمع مدني رحب، ليس هناك مساحة لأوصاف من قبيل: ( كافر ) ، أو ( مبتدع ) ، أو ( علماني ) ، أو غير ذلك (!) .."، هذا هو المجتمع المدني الذي يريدونه، والذي لا يقوم إلا على أنقاض التوحيد، وعقيدة الولاء والبراء التي وصفها النبيّ r بأنّها أوثق عرى الإيمان، وكأنّهم لم يقرأوا قوله الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ ) ) (آل عمران:118) ، ولكنّ هؤلاء القوم لا يعقلون، وإن كانوا يدّعون العقلانية.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله عند تفسير هذه الآية 1/398:"قيل لعمر بن الخطاب t إن ههنا غلامًا من أهل الحيرة ( أي نصراني ) حافظ كاتب فلو اتخذته كاتبًا، فقال: قد اتخذتُ إذًا بطانة من دون المؤمنين.."قال ابن كثير رحمه الله:"ففي هذا الأثر مع هذه الآية دليل على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب".. هذه في مجرد الكتابة، فكيف بغيرها من شؤون الدولة ؟!! وهو أيضًا في الذمي الذي يدفع الجزية وهو صاغر، فكيف بمن يرى أنّه مساو لك في جميع الحقوق والواجبات في ظل مجتمعهم المدني المزعوم.
وفي سياق العلمنة يقول الكاتب نفسه في مقال له بعنوان: ( الحالة الدينية في السعودية.. ) الوطن: 1139: وهو يتحدث عن التفجيرات الأخيرة"هل كان هذا بسبب ذنوبنا حسبما يخبرنا رجال الدين (!) نعم، ولكن الذنب هذه المرة هو التطرّف الديني والغلو المتضخم (!) في ثقافة المجتمع. الذنب هو في القبول بصبغ الحياة الاجتماعية كلّها بصبغة الأيديولوجيا الإسلامية، والإصرار على إقحام الدين في شؤون الدنيا لإعاقة الحداثة"، إنّ إقحام الدين _ حسب تعبيره _ في شؤون الدنيا لإعاقة الحداثة المارقة ذنب عند هذا الكاتب، وهكذا تصبح العلمنة وإقصاء الدين عن شؤون الحياة حسنة يُدعى إليها.
ويقول آخر _ وهو أشدّهم تطرّفًا وبذاءة _ في مقال له بعنوان: ( الإرهاب من الفكر الخارجي إلى السلوك القرمطي ) الرياض: 13436:"ليس صحيحًا ما يروّج له الإسلامويّ (!) من أنّ الزجّ بالدين في كلّ صغيرة وكبيرة هو عنوان التدين الحقيقي، أو أنّ ممارسه والمتحمّس له من أفراد المجتمع هو الأكثر تديّنًا من غيره".. إلى أن يقول:"تحييد الديني في الوقائع المدنية (!) التي ليس فيها حكم شرعي صريح، أمر ضروري لئلا تمنح القداسة إلا للديني الخالص الذي نصّ عليه الشرع الحنيف..".. أنّها علمنة خفية، تتدثر بلباس العلمية، ولو أنّا أخذنا بقول هذا الكاتب، واقتصرنا على ما فيه نصّ صريح، لما بقي لنا من ديننا إلا القليل، وهذا ما يريده أهل العلمنة.. وإنّ من المعروف لدى صغار طلبة العلم، أنّ الشريعة جاءت بكليات تندرج تحتها جميع الجزئيات، فلم ينصّ الله تعالى على كل جزئية بعينها، إذ إنّ ذلك يطول ولا يكاد ينتهي، مع ما يستجدّ من الجزئيات التي لم تكن قد وجدت عند نزول النصّ، ومهمة العالم أن يرجع هذه الجزئيات إلى كلياتها، ليبين حكمها، وما من قضية ولا مسألة إلا وفي كتاب الله وسنة رسوله r بيان لها، إمّا بالنصّ الصريح، وإمّا بالتلميح من خلال الكليات المذكورة، قال تعالى: (( ما فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ) ) (الأنعام:30) ، وقال تعالى (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) ) (المائدة:3) .