قَال الْبُخَارِيُّ ج1ص56: وَقَالَ حَمَّادٌ: «لاَ بَأسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ»
الشَّرْح:
حَمَّادٌ: هُوَ بن أَبِي سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ. فتح (1/ 343)
(لَا بَأسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ) أَيْ: لَيْسَ نَجِسًا وَلَا يَنْجُسُ المَاء بملاقاته سَوَاء كَانَ ريش مَأكُول أوغيره وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ. فتح (1/ 343)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّيشَ يُوَافِقُ الشَّعْرَ فِي أَحْكَامِهِ، وَمَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى طَهَارَةِ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأكُولِ حَالَ حَيَاتِهِ إِذَا كَانَ مُتَّصِلا بِالطَّيْرِ، أَمَّا إِذَا نُتِفَ أَوْ تَسَاقَطَ فَيَرَى الْجُمْهُورُ - أَيْضًا - طَهَارَتَهُ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الطَّاهِرَ مِنْهُ هُوَ الزَّغَبُ، وَهُوَ مَا يُحِيطُ بِقَصَبِ الرِّيشِ، أَمَّا الْقَصَبُ فَنَجِسٌ، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الرِّيشَ الْمُتَسَاقِطَ وَالْمَنْتُوفَ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ"وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} وَالرِّيشُ مَقِيسٌ عَلَيْهَا، وَلَوْ قُصِرَ الانْتِفَاعُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَى الْمُذَكَّى لَضَاعَ مُعْظَمُ الشُّعُورِ وَالأَصْوَافِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا. أَحَدُ مَوْضِعَيْنِ خُصِّصَتِ السُّنَّةُ فِيهِمَا بِالْكِتَابِ، فَإِنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ". خُصَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا} . الآيَةَ.
وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ - فِي الْجُمْلَةِ - طَهَارَةُ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأكُولِ إِذَا مَاتَ. [1]
وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ: قَالَ صَاحِبُ الاخْتِيَارِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: شَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ، لأَنَّ الْحَيَاةَ لا يُحِلُّهُمَا، حَتَّى لا يَتَأَلَّمَ الْحَيَوَانُ بِقَطْعِهِمَا، فَلا يُحِلُّهُمَا الْمَوْتُ، وَهُوَ الْمُنَجِّسُ، وَكَذَلِكَ الْعَصَبُ وَالْحَافِرُ وَالْخُفُّ وَالظِّلْفُ وَالْقَرْنُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالرِّيشُ وَالسِّنُّ وَالْمِنْقَارُ وَالْمِخْلَبُ لِمَا ذَكَرْنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ} امْتَنَّ بِهَا عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمَأخُوذِ مِنَ الْحَيِّ أَوِ الْمَيِّتِ. [2]
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا"وَفِي رِوَايَةٍ"لَحْمُهَا"فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا اللَّحْمَ لا يَحْرُمُ، فَدَخَلَتِ الأَجْزَاءُ الْمَذْكُورَةُ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ أُخَرُ صَرِيحَةٌ؛ وَلأَنَّ الْمَعْهُودَ فِيهَا قَبْلَ الْمَوْتِ الطَّهَارَةُ فَكَذَا بَعْدَهُ؛ لأَنَّهُ لا يُحِلُّهَا. [3]
وَقَيَّدَهَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: بِأَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنَ الدُّسُومَةِ. [4]
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِرِيشِ الْمَيْتَةِ كَمَذْهَبِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّيشِ الْمَنْتُوفِ وَالْمُنْفَصِلِ، وَهُوَ أَنَّ الزَّغَبَ طَاهِرٌ دُونَ الْقَصَبِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِجَزِّ الزَّغَبِ وَلَوْ بَعْدَ نَتْفِ الرِّيشِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ بَعْدَ جَزِّهِ. [5]
وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ يُوَافِقُونَ الْجُمْهُورَ فِي طَهَارَةِ رِيشِ الْمَيْتَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ مِنْ ذَلِكَ أُصُولَ الرِّيشِ إِذَا نُتِفَ سَوَاءٌ أَكَانَ رَطْبًا أَمْ يَابِسًا؛ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ، أَشْبَهَ سَائِرَهَا؛ وَلأَنَّ أُصُولَ الشَّعْرِ وَالرِّيشِ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ، لَمْ يَسْتَكْمِلْ شَعْرًا وَلا رِيشًا. [6]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ أَصْلَ الرِّيشِ إِذَا كَانَ رَطْبًا، وَنُتِفَ مِنَ الْمَيْتَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ؛ لأَنَّهُ رَطْبٌ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ، وَهَلْ يَكُونُ طَاهِرًا بَعْدَ غَسْلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ طَاهِرٌ كَرُءُوسِ الشَّعْرِ إِذَا تَنَجَّسَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ لأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ شَعْرًا وَلا رِيشًا [7] وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا سَبَقَ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ - فِي الصَّحِيحِ - أَنَّ رِيشَ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ، لأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ كَالأَعْضَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} وَهَذَا عَامٌّ يَشْمَلُ الشَّعْرَ وَالرِّيشَ وَغَيْرَهُمَا.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الرِّيشَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَلَكِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ:"لا بَأسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلا بَأسَ بِصُوفِهَا وَشَعْرِهَا وَقُرُونِهَا إِذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ". [8]
أَمَّا الطَّيْرُ غَيْرُ الْمَأكُولِ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي رِيشِهِ كَمَذْهَبِهِمْ فِي رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأكُولِ أَنَّهُ طَاهِرٌ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى نَجَاسَةِ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَيِّتِ غَيْرِ الْمَأكُولِ، إِلا أَنَّ الْحَنَابِلَةَ لَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ.
قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَكُلُّ حَيَوَانٍ فَشَعْرُهُ - أَيْ وَرِيشُهُ - مِثْلُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ، مَا كَانَ طَاهِرًا فَشَعْرُهُ وَرِيشُهُ طَاهِرٌ، وَمَا كَانَ نَجِسًا فَشَعْرُهُ - رِيشُهُ - كَذَلِكَ، وَلا فَرْقَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَحَالَةِ الْمَوْتِ، إِلا أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهَا لِمَشَقَّةِ الاحْتِرَازِ مِنْهَا، كَالسِّنَّوْرِ وَمَا دُونَهُ فِي الْخِلْقَةِ، فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَجِسَةٌ، لأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً مَعَ وُجُودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لِمُعَارِضٍ، وَهُوَ الْحَاجَةُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْهَا لِلْمَشَقَّةِ، وَقَدِ انْتَفَتِ الْحَاجَةُ، فَتَنْتَفِي الطَّهَارَةُ.
وَالثَّانِي: هِيَ طَاهِرَةٌ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتُ لا يَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا، فَتَبْقَى الطَّهَارَةُ. [9]
(1) ابن عابدين 1/ 138، الاختيار 1/ 16، الروضة 1/ 15، شرح روض الطالب 1/ 11، الشرح الصغير 1/ 44، 49، شرح منح الجليل 1/ 26، 29، جواهر الإكليل 1/ 8، 9، كشاف القناع 1/ 56، المغني 1/ 80، 81، مطالب أولي النهى 1/ 61
(2) الاختيار 1/ 16، والبدائع 1/ 63
(3) ابن عابدين 1/ 137
(4) ابن عابدين 1/ 138
(5) الخرشي 1/ 83
(6) كشاف القناع 1/ 57
(7) المغني 1/ 80
(8) حديث:"لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء". أخرجه الدارقطني (1/ 47 ـ ط دار المحاسن) وقال: يوسف بن السفر متروك، ولم يأت به غيره
(9) المغني 1/ 81، وانظر: كشاف القناع 1/ 57، ابن عابدين 1/ 138، الاختيار 1/ 16، الخرشي 1/ 83، الإقناع للخطيب 2/ 233، المجموع 2/ 547