{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا، وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ، رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ، وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [1]
(خ حم) , عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - قَالَ [2] قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: ("إنَّ أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ [3] مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ , اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ [4] ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ , حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ , عِنْدَ دَوْحَةٍ [5] فَوْقَ زَمْزَمَ , فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ [6] وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ , وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ , فَوَضَعَهُمَا هُنَاكَ , وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ , وَسِقَاءً [7] فِيهِ مَاءٌ , ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ [8] مُنْطَلِقًا , فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ , فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ , أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ؟ , فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا , وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا , فَقَالَتْ لَهُ: اللهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ , قَالَ: نَعَمْ , قَالَتْ: إِذَنْ لَا يُضَيِّعُنَا , ثُمَّ رَجَعَتْ , فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ , حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ [9] حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ , اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ , ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ [10] وَدَعَا بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ , فَقَالَ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ , رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَلَاةَ , فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ , وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [11] وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ , وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ , حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ , وَعَطِشَ ابْنُهَا , وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى , فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ , فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا , فَقَامَتْ عَلَيْهِ , ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْ الْوَادِيَ تَنْظُرُ , هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ , فَلَمْ تَرَ أَحَدًا , فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا , حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا , ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ [12] حَتَّى جَاوَزَتْ الْوَادِيَ , ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَةَ , فَقَامَتْ عَلَيْهَا , وَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا؟ , فَلَمْ تَرَ أَحَدًا , فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: فَذَلِكَ سَعْيُ النَّاسِ بَيْنَهُمَا , فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ , سَمِعَتْ صَوْتًا , فَقَالَتْ: صَهٍ [13] - تُرِيدُ نَفْسَهَا - ثُمَّ تَسَمَّعَتْ , فَسَمِعَتْ أَيْضًا , فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غَوَاثٌ [14] فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ , أَوْ قَالَ: بِجَنَاحِهِ , حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ , فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا , وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنْ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا , وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَمَا تَغْرِفُ , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ , لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ , أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنْ الْمَاءِ , لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا [15] [16] (تَجْرِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) [17] (قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا , فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لَا تَخَافُوا الضَّيْعَةَ [18] فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْتُ اللهِ , يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلَامُ وَأَبُوهُ , وَإِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَهْلَهُ , وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ [19] تَأتِيهِ السُّيُولُ , فَتَأخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ , فَكَانَتْ كَذَلِكَ [20] حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ [21] مِنْ جُرْهُمَ [22] مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءٍ [23] فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ , فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا [24] فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ) [25] (فَبَعَثُوا رَسُولَهُمْ فَنَظَرَ, فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ, فَأَتَاهُمْ فَأَخْبَرَهُمْ , فَأَتَوْا إِلَيْهَا) [26] (فَقَالُوا: أَتَأذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ , قَالَتْ: نَعَمْ , وَلَكِنْ لَا حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ , قَالُوا: نَعَمْ , قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ , وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ , فَنَزَلُوا , وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ , حَتَّى كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ , وَشَبَّ الْغُلَامُ , وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ [27] وَأَنْفَسَهُمْ [28] وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ , فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ , وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ , فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ يُطَالِعُ تَرِكَتَهُ [29] فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ , فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا [30] ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ , فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ , نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ , فَشَكَتْ إِلَيْهِ , قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ, وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ [31] فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا , فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ , قَالَتْ: نَعَمْ , جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا , فَسَأَلَنَا عَنْكَ , فَأَخْبَرْتُهُ , وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا , فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا فِي جَهْدٍ [32] وَشِدَّةٍ, قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ , أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلَامَ , وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ , قَالَ: ذَاكِ أَبِي , وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ , الْحَقِي بِأَهْلِكِ , فَطَلَّقَهَا , وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى , فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللهُ , ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ , فَلَمْ يَجِدْهُ , فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ , فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا , قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ , وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ , فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ , وَأَثْنَتْ عَلَى اللهِ - عز وجل - فَقَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ , قَالَتْ: اللَّحْمُ , قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ , قَالَتْ: الْمَاءُ , قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ , قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ , وَلَوْ كَانَ لَهُمْ , دَعَا لَهُمْ فِيهِ , قَالَ: فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ , قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَامَ , وَمُرِيهِ يُثْبِتُ عَتَبَةَ بَابِهِ , فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ , قَالَتْ: نَعَمْ , أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ , وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ , فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ , فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا , فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ , قَالَتْ: نَعَمْ , هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ , وَيَأمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ , قَالَ: ذَاكِ أَبِي , وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ , أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ , ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ , ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا [33] لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ , قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ , فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ , فَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ , وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ [34] ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ , إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ , قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ , قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ , قَالَ: وَأُعِينُكَ , قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَاهُنَا بَيْتًا - وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةٍ [35] مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا - قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ [36] فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأتِي بِالْحِجَارَةِ , وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي , حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ , جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ [37] فَوَضَعَهُ لَهُ , فَقَامَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبْنِي , وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ , وَهُمَا يَقُولَانِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [38] ") [39]
(1) [إبراهيم: 35 - 37]
(2) هذا الحديث رواه ابن عباس موقوفا في بدايته , لكنه صرح بالتحديث عند قَوْلُهُ: (يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ , لَوْ تَرَكْت زَمْزَم، أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِف مِنْ زَمْزَم) , قال الحافظ في الفتح (ج 10 / ص 146) : وَهَذَا الْقَدْر صَرَّحَ اِبْنُ عَبَّاس بِرَفْعِهِ عَنْ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ جَمِيع الْحَدِيث مَرْفُوع. أ. هـ
(3) (الْمِنْطَق) : مَا يُشَدّ بِهِ الْوَسَط.
(4) قال الحافظ في الفتح: وَكَانَ السَّبَب فِي ذَلِكَ أَنَّ سَارَةَ كَانَتْ وَهَبَتْ هَاجَرَ لِإِبْرَاهِيم , فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِإِسْمَاعِيل، فَلَمَّا وَلَدَتْهُ غَارَتْ مِنْهَا , فَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّ مِنْهَا ثَلَاثَة أَعْضَاء , فَاِتَّخَذَتْ هَاجَرُ مِنْطَقًا فَشَدَّتْ بِهِ وَسَطهَا وَهَرَبَتْ , وَجَرَّتْ ذَيْلهَا لِتُخْفِي أَثَرهَا عَلَى سَارَةَ، وَيُقَال: إِنَّ إِبْرَاهِيم شَفَعَ فِيهَا , وَقَالَ لِسَارَةَ: حَلِّلِي يَمِينك بِأَنْ تَثْقُبِي أُذُنَيْهَا وَتَخْفِضِيهَا , وَكَانَتْ أَوَّل مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ.
وَيُقَال: إِنَّ سَارَةَ اِشْتَدَّتْ بِهَا الْغَيْرَة , فَخَرَجَ إِبْرَاهِيم بِإِسْمَاعِيل وَأُمِّه إِلَى مَكَّة لِذَلِكَ.
(5) الدوحة: الشَّجَرَة الْكَبِيرَة.
(6) أَيْ: مَكَان الْمَسْجِد، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بُنِيَ حِينَئِذٍ. فتح الباري (ج 10 / ص 146)
(7) السِّقَاء: قِرْبَة صَغِيرَة.
(8) أَيْ: وَلَّى رَاجِعًا إِلَى الشَّام.
(9) الثَّنِيَّةُ: مَا اِرْتَفَعَ مِنْ الْأَرْضِ , وَقِيلَ: الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ.
(10) فيه دليل على استحباب استقبال القبلة عند الدعاء , وكذلك رفع اليدين فيه. ع
(11) [إبراهيم/37]
(12) أَيْ: سَعْيَ الْإِنْسَانِ الَّذِي أَصَابَهُ الْجَهْد , وَهُوَ الْأَمْر الْمُشِقُّ. (ج10 ص 146)
(13) قكَأَنَّهَا خَاطَبَتْ نَفْسهَا فَقَالَتْ لَهَا: اُسْكُتِي. فتح الباري (ج 10 / ص 146)
(14) أَيْ: غَوْث.
(15) أَيْ: عَيْنًا ظَاهِرًا جَارِيًا عَلَى وَجْه الْأَرْض.
قَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ: كَانَ ظُهُور زَمْزَم نِعْمَة مِنْ اللهِ مَحْضَة بِغَيْرِ عَمَل عَامِل، فَلَمَّا خَالَطَهَا تَحْوِيط هَاجَرَ , دَاخَلَهَا كَسْب الْبَشَر , فَقَصُرَتْ عَلَى ذَلِكَ. فتح (10/ 146)
(16) (خ) 3184 , (حم) 3390
(17) (حم) 2285 , وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.
(18) أَيْ: لَا تَخَافُوا الْهَلَاك.
(19) الرَّابية: ما ارْتفع من الأرض.
(20) قَوْلُهُ: (فَكَانَتْ) أَيْ: هَاجَرُ , (كَذَلِكَ) أَيْ: عَلَى الْحَال الْمَوْصُوفَة، وَفِيهِ إِشْعَار بِأَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَذِي بِمَاءِ زَمْزَم , فَيَكْفِيهَا عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب. فتح الباري (ج 10 / ص 146)
(21) (الرُّفْقَة) : الْجَمَاعَة الْمُخْتَلِطُونَ , سَوَاء كَانُوا فِي سَفَر أَمْ لَا.
(22) (جُرْهُم) : اِبْن قَحْطَان بْن عَامِر بْن شَالِخٍ بْن أرفخشد بْن سَام بْن نُوح. فتح الباري (ج 10 / ص 146)
(23) كُدَى: منطقة فِي أَسْفَل مَكَّة.
(24) (العَائِف) : الَّذِي يَحُوم عَلَى الْمَاء , وَيَتَرَدَّد , وَلَا يَمْضِي عَنْهُ.
(25) (خ) 3184
(26) (خ) 3185
(27) فِيهِ إِشْعَار بِأَنَّ لِسَان أُمّه وَأَبِيهِ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيًّا، وَفِيهِ تَضْعِيف لِقَوْلِ مَنْ رَوَى أَنَّهُ أَوَّل مَنْ تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث اِبْن عَبَّاس عِنْد الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرَك بِلَفْظِ:"أَوَّل مَنْ نَطَقَ بِالْعَرَبِيَّةِ إِسْمَاعِيل".
وَرَوَى الزُّبَيْر بْن بَكَّارٍ فِي النَّسَب مِنْ حَدِيث عَلِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ:"أَوَّل مَنْ فَتَقَ الله لِسَانه بِالْعَرَبِيَّةِ الْمُبِينَة إِسْمَاعِيل", وَبِهَذَا الْقَيْد يُجْمَع بَيْن الْخَبَرَيْنِ , فَتَكُون أَوَّلِيَّتُه فِي ذَلِكَ بِحَسَبِ الزِّيَادَة فِي الْبَيَان , لَا الْأَوَّلِيَّة الْمُطْلَقَة , فَيَكُون بَعْد تَعَلُّمِه أَصْلَ الْعَرَبِيَّة مِنْ جُرْهُم , أَلْهَمَهُ اللهُ الْعَرَبِيَّة الْفَصِيحَة الْمُبِينَة , فَنَطَقَ بِهَا. فتح (10/ 146)
(28) أَيْ: كَثُرَتْ رَغْبَتهمْ فِيهِ.
(29) أَيْ: يَتَفَقَّد حَال مَا تَرَكَهُ هُنَاكَ.
قَالَ اِبْن التِّين: هَذَا يُشْعِر بِأَنَّ الذَّبِيح إِسْحَاق , لِأَنَّ الْمَأمُور بِذَبْحِهِ كَانَ عِنْدَمَا بَلَغَ السَّعْي، وَقَدْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث:"إِنَّ إِبْرَاهِيم تَرَكَ إِسْمَاعِيل رَضِيعًا وَعَادَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُتَزَوِّج", فَلَوْ كَانَ هُوَ الْمَأمُور بِذَبْحِهِ , لَذُكِرَ فِي الْحَدِيث أَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ فِي خِلَال ذَلِكَ بَيْن زَمَان الرَّضَاع وَالتَّزْوِيج.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث نَفْيُ هَذَا الْمَجِيء، فَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون جَاءَ وَأُمِرَ بِالذَّبْحِ , وَلَمْ يُذْكَر فِي الْحَدِيث.
قُلْت: وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ مَجِيئِهِ بَيْن الزَّمَانَيْنِ فِي خَبَر آخَر، فَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم:"كَانَ إِبْرَاهِيم يَزُور هَاجَرَ كُلّ شَهْر عَلَى الْبُرَاق , يَغْدُو غَدْوَة فَيَأتِي مَكَّة , ثُمَّ يَرْجِع فَيُقِيل فِي مَنْزِله بِالشَّامِ".
وَرَوَى الْفَاكِهِيّ مِنْ حَدِيث عَلِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ نَحْوه , وَأَنَّ إِبْرَاهِيم كَانَ يَزُورُ إِسْمَاعِيلَ وَأُمَّهُ عَلَى الْبُرَاق.
فَعَلَى هَذَا , فَقَوْله:"فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيل"أَيْ: بَعْد مَجِيئِهِ قَبْل ذَلِكَ مِرَارًا , وَاللهُ أَعْلَمُ. فتح (10/ 146)
(30) أَيْ: يَطْلُب لَنَا الرِّزْق.
(31) (عَتَبَة البَاب) : كِنَايَة عَنْ الْمَرْأَة، وَسَمَّاهَا بِذَلِكَ لِمَا فِيهَا مِنْ الصِّفَات الْمُوَافِقَة لَهَا , وَهُوَ حِفْظُ الْبَاب , وَصَوْنُ مَا هُوَ دَاخِله , وَكَوْنُهَا مَحَلَّ الْوَطْء. فتح الباري (ج 10 / ص 146)
(32) الجَهد: المشقة.
(33) (النَّبْل) : السَّهْم قَبْل أَنْ يُرَكَّب فِيهِ نَصْلُه وَرِيشه. فتح الباري (ج10ص146)
(34) أَيْ: كَمَا يَصْنَع الْوَالِد بِالْوَلَدِ , وَالْوَلَد بِالْوَالِدِ , مِنْ الِاعْتِنَاق وَالْمُصَافَحَة وَتَقْبِيل الْيَد , وَنَحْو ذَلِكَ.
(35) الأَكَمَة: ما ارتفع من الأرض دون الجبل.
(36) وفِي رِوَايَة أَحْمَد عَنْ اِبْن عَبَّاس:"الْقَوَاعِدُ الَّتِي رَفَعَهَا إِبْرَاهِيم , كَانَتْ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ قَبْل ذَلِكَ".
وَفِي رِوَايَة مُجَاهِد عِنْد اِبْن أَبِي حَاتِم"أَنَّ الْقَوَاعِد كَانَتْ فِي الْأَرْض السَّابِعَة"وَمِنْ طَرِيق سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس"رَفَعَ الْقَوَاعِدَ الَّتِي كَانَتْ قَوَاعِدَ الْبَيْت قَبْل ذَلِكَ".
وَمِنْ طَرِيق عَطَاء قَالَ:"قَالَ آدَم يَا رَبّ: إِنِّي لَا أَسْمَع أَصْوَات الْمَلَائِكَة، قَالَ: اِبْنِ لِي بَيْتًا , ثُمَّ اُحْفُفْ بِهِ كَمَا رَأَيْت الْمَلَائِكَة تَحُفُّ بَيْتِيَ الَّذِي فِي السَّمَاء", وَفِي حَدِيث عُثْمَان وَأَبِي جَهْم"فَبَلَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ الْأَسَاسِ أَسَاسَ آدَم , وَجَعَلَ طُولَه فِي السَّمَاءِ تِسْعَةَ أَذْرُع , وَعَرْضه فِي الْأَرْض - يَعْنِي دُوره - ثَلَاثِينَ ذِرَاعًا"وَكَانَ ذَلِكَ بِذِرَاعِهِمْ.
وَزَادَ أَبُو جَهْم:"وَأَدْخَلَ الْحِجْرَ فِي الْبَيْت، وَكَانَ قَبْل ذَلِكَ زَرْبًا لِغَنَمِ إِسْمَاعِيل، وَإِنَّمَا بَنَاهُ بِحِجَارَةٍ بَعْضهَا عَلَى بَعْض , وَلَمْ يَجْعَل لَهُ سَقْفًا وَجَعَلَ لَهُ بَابًا , وَحَفَرَ لَهُ بِئْرًا , عِنْد بَابه خِزَانَة لِلْبَيْتِ , يُلْقَى فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْبَيْتِ".
وَفِي حَدِيثه أَيْضًا:"أَنَّ الله أَوْحَى إِلَى إِبْرَاهِيم أَنْ اِتَّبِعْ السَّكِينَة، فَحَلَّقَتْ عَلَى مَوْضِع الْبَيْت كَأَنَّهَا سَحَابَة , فَحَفَرَا يُرِيدَانِ أَسَاسَ آدَمَ الْأَوَّل",
وَفِي حَدِيث عَلِيّ عِنْد الطَّبَرِيِّ وَالْحَاكِم:"رَأَى عَلَى رَأسه فِي مَوْضِع الْبَيْت مِثْل الْغَمَامَة , فِيهِ مِثْلُ الرَّأس , فَكَلَّمَهُ فَقَالَ: يَا إِبْرَاهِيم , اِبْنِ عَلَى ظِلِّي - أَوْ عَلَى قَدْرِي - وَلَا تَزِدْ وَلَا تَنْقُص، وَذَلِكَ حِين يَقُول الله: {وَإِذْ بَوَّأنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} الْآيَةَ". فتح الباري (ج 10 / ص 146)
(37) أَيْ: الْمَقَام، وَفِي رِوَايَة إِبْرَاهِيم بْن نَافِع:"حَتَّى اِرْتَفَعَ الْبِنَاء , وَضَعُفَ الشَّيْخ عَنْ نَقْل الْحِجَارَة , فَقَامَ عَلَى حَجَر الْمَقَام" (خ) 3185
وزَادَ فِي حَدِيث عُثْمَان:"وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّكْن وَالْمَقَام , فَكَانَ إِبْرَاهِيم يَقُوم عَلَى الْمَقَام يَبْنِي عَلَيْهِ , وَيَرْفَعهُ لَهُ إِسْمَاعِيل، فَلَمَّا بَلَغَ الْمَوْضِع الَّذِي فِيهِ الرُّكْن , وَضَعَهُ يَوْمئِذٍ مَوْضِعَه , وَأَخَذَ الْمَقَامَ , فَجَعَلَهُ لَاصِقًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ بِنَاء الْكَعْبَة , جَاءَ جِبْرِيلُ فَأَرَاهُ الْمَنَاسِك كُلَّهَا، ثُمَّ قَامَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْمَقَامِ , فَقَالَ: يَا أَيّهَا النَّاس أَجِيبُوا رَبَّكُمْ، فَوَقَفَ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ تِلْكَ الْمَوَاقِف، وَحَجَّهُ إِسْحَاقُ وَسَارَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِس، ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيم إِلَى الشَّامِ , فَمَاتَ بِالشَّامِ".
وَرَوَى الْفَاكِهِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ:"قَامَ إِبْرَاهِيم عَلَى الْحَجَر فَقَالَ: يَا أَيّهَا النَّاس , كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجُّ , فَأَسْمَعَ مَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاء، فَأَجَابَهُ مَنْ آمَنَ , وَمَنْ كَانَ سَبَقَ فِي عِلْم الله أَنَّهُ يَحُجُّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة: لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ".
وَفِي حَدِيث أَبِي جَهْم:"ذَهَبَ إِسْمَاعِيلُ إِلَى الْوَادِي يَطْلُبُ حَجَرًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَد , وَقَدْ كَانَ رُفِعَ إِلَى السَّمَاء حِين غَرِقَتْ الْأَرْض، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيل فَرَأَى الْحَجَر الْأَسْوَدَ , قَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا، مَنْ جَاءَك بِهِ؟ , قَالَ إِبْرَاهِيم: مَنْ لَمْ يَكِلنِي إِلَيْك وَلَا إِلَى حَجَرك". فتح الباري (ج 10 / ص 146)
(38) [البقرة/127]
(39) (خ) 3184