فهرس الكتاب

الصفحة 9092 من 18580

{قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ , قُلْ للهِ , كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ , لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ , الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}[1]

(خ م جة حم) , عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ اللهَ خَلَقَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِائَةَ رَحْمَةٍ [2] وفي رواية:(مِائَةَ جُزْءٍ) [3] كُلُّ رَحْمَةٍ طِبَاقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ [4] [5] (أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ , وَالْإِنْسِ , وَالْبَهَائِمِ , وَالْهَوَامِّ) [6] (فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ) [7] (وَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ) [8] (فَبِهَا تَعْطِفُ الْوَالِدَةُ عَلَى وَلَدِهَا) [9] (وَبِهَا تَعْطِفُ الْوُحُوشُ عَلَى أَوْلَادِهَا) [10] (وَالطَّيْرُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ) [11] (حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ) [12] (وَادَّخَرَ عِنْدَهُ لِأَوْلِيَائِهِ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً) [13] (فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ) [14] (ضَمَّهَا إِلَيْهَا) [15] (فَأَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ) [16] (وَرَحِمَ بِهَا عِبَادَهُ) [17] (فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ) [18] (بِمَا) [19] (عِنْدَ اللهِ مِنْ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَيْئَسْ مِنْ الْجَنَّةِ) [20] (أَحَدٌ [21] [22] (وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ) [23] (بِمَا) [24] (عِنْدَ اللهِ مِنْ الْعَذَابِ) [25] (مَا طَمِعَ فِي الْجَنَّةِ أَحَدٌ") [26]

(1) [الأنعام: 12]

(2) قَالَ الْمُهَلَّب: الرَّحْمَة الَّتِي خَلَقَهَا الله لِعِبَادِهِ وَجَعَلَهَا فِي نُفُوسهمْ فِي الدُّنْيَا هِيَ الَّتِي يَتَغَافَرُونَ بِهَا يَوْم الْقِيَامَة التَّبَعَات بَيْنَهمْ , قَالَ: وَيَجُوز أَنْ يَسْتَعْمِل اللهُ تِلْكَ الرَّحْمَة فِيهِمْ , فَيَرْحَمهُمْ بِهَا , سِوَى رَحْمَته الَّتِي وَسِعَتْ كُلّ شَيْء , وَهِيَ الَّتِي مِنْ صِفَة ذَاته , وَلَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، فَهِيَ الَّتِي يَرْحَمهُمْ بِهَا , زَائِدًا عَلَى الرَّحْمَة الَّتِي خَلَقَهَا لَهُمْ.

قَالَ: وَيَجُوز أَنْ تَكُون الرَّحْمَة الَّتِي أَمْسَكَهَا عِنْدَ نَفْسه , هِيَ الَّتِي عِنْدَ مَلَائِكَته الْمُسْتَغْفِرِينَ لِمَنْ فِي الْأَرْض؛ لِأَنَّ اِسْتِغْفَارهمْ لَهُمْ دَالٌّ عَلَى أَنَّ فِي نُفُوسهمْ الرَّحْمَة لِأَهْلِ الْأَرْض.

قُلْت: وَحَاصِل كَلَامه: أَنَّ الرَّحْمَة رَحْمَتَانِ: رَحْمَة مِنْ صِفَة الذَّات , وَهِيَ لَا تَتَعَدَّد، وَرَحْمَة مِنْ صِفَة الْفِعْل , وَهِيَ الْمُشَار إِلَيْهَا هُنَا , وَلَكِنْ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث أَنَّ الَّتِي عِنْدَ الله رَحْمَة وَاحِدَة , بَلْ اِتَّفَقَتْ جَمِيع الطُّرُق عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ تِسْعَة وَتِسْعِينَ رَحْمَة، وَزَادَ فِي حَدِيث سَلْمَان أَنَّهُ يُكْمِلهَا يَوْم الْقِيَامَة مِائَة بِالرَّحْمَةِ الَّتِي فِي الدُّنْيَا، فَتَعَدُّدُ الرَّحْمَة بِالنِّسْبَةِ لِلْخَلْقِ. فتح الباري (17/ 133)

(3) (م) 2572

(4) طباقُ الشيءِ: مِلْؤُه.

(5) (م) 2753

(6) (م) 2752

(7) (م) 2752 , (خ) 5654

(8) (جة) 4293 , (م) 2752

(9) (م) 2753

(10) (م) 2752 , (جة) 4293

(11) (م) 2753

(12) (م) 2752 , (خ) 5654

(13) (حم) 10680 , (م) 2752 , انظر صحيح الجامع: 1766

(14) (م) 2753 , (حم) 11548

(15) (حم) 11548 , وقال الشيخ شعيب الأرناءوط: إسناده حسن.

(16) (م) 2753 , (حم) 10680

(17) (م) 2752 , (جة) 4293

(18) (خ) 6104 , (م) 2755

(19) (حم) 8396

(20) (خ) 6104 , (م) 2755

(21) الْمُرَاد أَنَّ الْكَافِر لَوْ عَلِمَ سَعَة الرَّحْمَة , لَغَطَّى عَلَى مَا يَعْلَمهُ مِنْ عِظَم الْعَذَاب فَيَحْصُل بِهِ الرَّجَاء.

فالْحَدِيث اِشْتَمَلَ عَلَى الْوَعْد وَالْوَعِيد الْمُقْتَضَيَيْنِ لِلرَّجَاءِ وَالْخَوْف، فَمَنْ عِلْم أَنَّ مِنْ صِفَات الله تَعَالَى الرَّحْمَة لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَرْحَمَهُ , وَالِانْتِقَام مِمَّنْ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ , لَا يَأمَنُ اِنْتِقَامَه مَنْ يَرْجُو رَحْمَتَه , وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَحْمَتِه مَنْ يَخَافُ اِنْتِقَامَهُ، وَذَلِكَ بَاعِثٌ عَلَى مُجَانَبَة السَّيِّئَة , وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَة , وَمُلَازَمَةِ الطَّاعَة , وَلَوْ كَانَتْ قَلِيلَة، وهَذِهِ الْكَلِمَة سِيقَتْ لِتَرْغِيبِ الْمُؤْمِن فِي سَعَةِ رَحْمَةِ الله , الَّتِي لَوْ عَلِمَهَا الْكَافِر الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُخْتَم عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا حَظّ لَهُ فِي الرَّحْمَة , لَتَطَاوَلَ إِلَيْهَا , وَلَمْ يَيْأَس مِنْهَا، لِقَطْعِ نَظَره عَنْ الشَّرْط , مَعَ تَيَقُّنه بِأَنَّهُ عَلَى الْبَاطِل , وَاسْتِمْرَاره عَلَيْهِ عِنَادًا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ حَال الْكَافِر , فَكَيْف لَا يَطْمَع فِيهَا الْمُؤْمِن الَّذِي هَدَاهُ الله لِلْإِيمَانِ؟.

وَالْمَقْصُود مِنْ الْحَدِيث أَنَّ الْمُكَلَّف يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُون بَيْن الْخَوْف وَالرَّجَاء , حَتَّى لَا يَكُون مُفْرِطًا فِي الرَّجَاء , بِحَيْثُ يَصِير مِنْ الْمُرْجِئَة الْقَائِلِينَ: لَا يَضُرّ مَعَ الْإِيمَان شَيْء , وَلَا فِي الْخَوْف , بِحَيْثُ لَا يَكُون مِنْ الْخَوَارِج وَالْمُعْتَزِلَة , الْقَائِلِينَ بِتَخْلِيدِ صَاحِب الْكَبِيرَة إِذَا مَاتَ عَنْ غَيْر تَوْبَة فِي النَّار، بَلْ يَكُون وَسَطًا بَيْنهمَا , كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: {يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ , وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء: 57] وَمَنْ تَتَبَّعَ دِين الْإِسْلَام , وَجَدَ قَوَاعِدَه أُصُولًا وَفُرُوعًا , كُلَّهَا فِي جَانِب الْوَسَط. فتح الباري (ج 18 / ص 291)

(22) (م) 2755

(23) (خ) 6104 , (م) 2755

(24) (حم) 8396 , وقال الشيخ شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح.

(25) (خ) 6104 , (م) 2755

(26) (حم) 8396 , (م) 2755 , صَحِيح الْجَامِع: 1766 , والصحيحة: 1634

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت