قَالَ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا , وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا , وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا , كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [1]
(ت حم) , وَعَنْ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: ("إِنَّ اللهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا - عليه السلام - بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا , وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِهَا , فَقَالَ عِيسَى - عليه السلام: إِنَّ اللهَ أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بِهَا , وَتَأمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا , فَإِمَّا أَنْ تَأمُرَهُمْ , وَإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ , فَقَالَ يَحْيَى: أَخْشَى إِنْ سَبَقْتَنِي بِهَا أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ , فَجَمَعَ النَّاسَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ , فَامْتَلَأَ الْمَسْجِدُ , وَتَعَدَّوْا عَلَى الشُّرَفِ [2] فَقَالَ: إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ , وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ , أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ [3] فَقَالَ: هَذِهِ دَارِي , وَهَذَا عَمَلِي , فَاعْمَلْ وَأَدِّ إِلَيَّ , فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ , فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟) [4] (وَإِنَّ اللهَ - عز وجل - خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ , فَاعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) [5] (وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَلَاةِ , فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فلَا تَلْتَفِتُوا , فَإِنَّ اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ , وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ , فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ [6] مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ , فَكُلُّهُمْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا , وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ , وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ , فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَهُ الْعَدُوُّ , فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إِلَى عُنُقِهِ , وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ) [7] (فَقَالَ: هَلْ لَكُمْ أَنْ أَفْتَدِيَ نَفْسِي مِنْكُمْ؟ , فَجَعَلَ يَفْتَدِي نَفْسَهُ مِنْهُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ حَتَّى فَكَّ نَفْسَهُ , وَآمُرُكُمْ بِذِكْرِ اللهِ كَثِيرًا , فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ) [8] (كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ فِي أَثَرِهِ سِرَاعًا [9] [10] (فَأَتَى حِصْنًا حَصِينًا [11] فَتَحَصَّنَ فِيهِ) [12] (فَأَحْرَزَ نَفْسَهُ مِنْهُمْ [13] وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ , لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنْ الشَّيْطَانِ إِلَّا بِذِكْرِ اللهِ , ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم:"وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ , اللهُ أَمَرَنِي بِهِنَّ: بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ [14] وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ , وَالْهِجْرَةِ [15] وَالْجَمَاعَةِ [16] [17] (فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ [18] فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ [19] مِنْ عُنُقِهِ , إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ , وَمَنْ ادَّعَى دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ [20] فَهُوَ مِنْ جُثَاءِ جَهَنَّمَ [21] ") [22] (فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ , وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ؟) [23] (قَالَ:"وَإِنْ صَلَّى وَصَامَ , وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ , فَادْعُوا الْمُسْلِمِينَ) [24] (بِدَعْوَى اللهِ الَّذِي سَمَّاكُمْ: الْمُسْلِمِينَ الْمُؤْمِنِينَ , عِبَادَ اللهِ - عز وجل -") [25] "
(1) [آل عمران/103]
(2) (الشُّرَفِ) :جَمْعُ شُرْفَةٍ. تحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 183)
(3) أَيْ: فِضَّة.
(4) (ت) 2863
(5) (حم) 17833 , وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.
(6) العِصَابة: الجماعة من الرجال.
(7) (ت) 2863
(8) (حم) 17833
(9) أَيْ: مُسْرِعِينَ. تحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 183)
(10) (ت) 2863
(11) الْحِصْنُ: كُلُّ مَكَانٍ مَحْمِيٍّ مَنِيعٍ لَا يُوصَلُ إِلَى جَوْفِهِ.
وَالْحَصِينُ مِنْ الْأَمَاكِنِ: الْمَنِيعُ، يُقَالُ: دِرْعٌ حَصِينٌ: أَيْ: مُحْكَمَةٌ , وَحِصْنٌ حَصِينٌ: لِلْمُبَالَغَةِ. تحفة الأحوذي - (ج 7 / ص 183)
(12) (حم) 17833
(13) أَيْ: حَفِظَهَا مِنْهُمْ.
(14) أَيْ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِلْأَمِيرِ فِي غَيْرِ الْمَعْصِيَةِ.
(15) الْهِجْرَةُ: الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ , وَمِنْ دَارِ الْبِدْعَةِ إِلَى دَارِ السُّنَّةِ، وَمِنْ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم:"الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ"تحفة الأحوذي (7/ 183)
(16) الْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ: الصَّحَابَةُ , وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ , وَتَابِعِي التَّابِعِينَ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ، أَيْ: آمُرُكُمْ بِالتَّمَسُّكِ بِهَدْيِهِمْ وَسِيرَتِهِمْ , وَالِانْخِرَاطِ فِي زُمْرَتِهِمْ. تحفة الأحوذي (7/ 183)
(17) (ت) 2863
(18) الْمُرَاد بِالْخُرُوج: السَّعْيُ فِي حَلِّ عَقْدِ الْبَيْعَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لِذَلِكَ الْأَمِيرِ وَلَوْ بِأَدْنَى شَيْء، فَكُنِّيَ عَنْهَا بِمِقْدَارِ الشِّبْر , لِأَنَّ الْأَخْذَ فِي ذَلِكَ يَئُولُ إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ بِغَيْرِ حَقٍّ. (فتح) - (ج 20 / ص 58)
(19) الرِّبْقَةُ فِي الْأَصْلِ: عُرْوَةٌ فِي حَبْلٍ , يُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْبَهِيمَةِ أَوْ يَدِهَا , تُمْسِكُهَا , فَاسْتَعَارَهَا لِلْإِسْلَامِ، يَعْنِي: مَا شَدَّ الْمُسْلِمُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ عُرَى الْإِسْلَامِ , أَيْ: حُدُودِهِ وَأَحْكَامِهِ , وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ. تحفة (7/ 183)
(20) هذا إِيذَانٌ بِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْجَمَاعَةِ وَعَدَمَ الْخُرُوجِ عَنْ زُمْرَتِهِمْ مِنْ شَأنِ الْمُؤْمِنِينَ , وَالْخُرُوجَ مِنْ زُمْرَتِهِمْ مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ , كَمَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ , لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ , مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً", فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ تُفَسَّرَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ بِسُنَنِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ , لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَيْهَا. تحفة الأحوذي (ج 7 / ص 183)
وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنهما - قَالَ: (غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَدْ ثَابَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى كَثُرُوا , وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلٌ لَعَّابٌ , فَكَسَعَ أَنْصَارِيًّا , فَغَضِبَ الْأَنْصَارِيُّ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَدَاعَوْا , فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا لَلْأَنْصَارِ , وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهَاجِرِينَ) (فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -) (فَخَرَجَ فَقَالَ:) ("مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ؟) (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ") .
(21) أَيْ: مِنْ جَمَاعَاتِ جَهَنَّمَ , وجُثَى: جَمْعُ جُثْوَةٍ، كَخُطْوَةٍ , وَخُطًى , وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمَجْمُوعَةُ، وَرُوِيَ"مِنْ جُثِيِّ"بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ , جَمْعُ جَاثٍ , مِنْ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ , وَقُرِئَ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} .فتح الباري (ج13ص 199)
(22) (حم) 17833
(23) (ت) 2863
(24) (حم) 17833
(25) (ت) 2863 , صَحِيح الْجَامِع: 1724 , صحيح الترغيب والترهيب: 552