(خ م د حم) , عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنهما - قَالَ:
("كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُصَلِّي عَلَى رَجُلٍ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ) [1] فَـ (إِذَا أُتِيَ بِجَنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا) [2] (سَأَلَ: هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ؟", فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ , قَالَ:"هَلْ لَهُ وَفَاءٌ؟", فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ ,"صَلَّى عَلَيْهِ", وَإِنْ قَالُوا: لَا، قَالَ:"صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ , فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ - عز وجل - عَلَيْهِ الْفُتُوحَ، قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [3] (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [4] } [5] فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا , فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا , وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا [6] فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ") [7] وفي رواية: (فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ , وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً , فَعَلَيْنَا قَضَاؤُهُ , وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ") [8] "
(1) (د) 3343
(2) (عب) 15260 , (م) 14 - (1619) , (حم) 8937
(3) (حم) 7886 , (خ) 2175 , (م) 14 - (1619) , (ت) 1070 ,
(س) 1963, (د) 3343 , (جة) 2415
(4) أَيْ: أَحَقّ بِهِمْ , وَأَقْرَب إِلَيْهِمْ.
وَقِيلَ: مَعْنَى الْأَوْلَوِيَّة: النُّصْرَة وَالتَّوْلِيَة , أَيْ: أَنَا أَتَوَلَّى أُمُورهمْ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ , وَأَنْصُرُهُمْ فَوْقَ مَا كَانَ مِنْهُمْ لَوْ عَاشُوا. عون المعبود - (ج 6 / ص 432)
قال القرطبي في تفسيره (14/ 121) : هَذِهِ الْآيَةُ أَزَالَ اللهُ تَعَالَى بِهَا أَحْكَامًا كَانَتْ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، مِنْهَا:"أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كان لَا يُصَلِّي عَلَى مَيِّتٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ , قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ , فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ , فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ , وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ"أَخْرَجَهُ الصَّحِيحَانِ.
وَفِيهِمَا أَيْضًا:"فَأَيُّكُمْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا , فَأَنَا مَوْلَاهُ".
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: فَانْقَلَبَتِ الْآنَ الْحَالُ بِالذُّنُوبِ، فَإِنْ تَرَكُوا مَالًا , ضُويِقَ الْعَصَبَةُ فِيهِ، وَإِنْ تَرَكُوا ضَيَاعًا , أُسْلِمُوا إِلَيْهِ.
فَهَذَا تَفْسِيرُ الْوَلَايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِتَفْسِيرِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَتَنْبِيهِهِ، (وَلَا عِطْرَ بَعْدَ عَرُوسٍ) .
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْعَارِفِينَ: هُوَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّ أَنْفُسَهُمْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهَلَاكِ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى النَّجَاةِ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم:"أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ , وَأَنْتُمْ تَقْتَحِمُونَ فِيهَا تَقَحُّمَ الْفَرَاشِ".
قُلْتُ: هَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ فِي مَعْنَى الْآيَةِ وَتَفْسِيرِهَا، قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحُجْزَةُ لِلسَّرَاوِيلِ، وَالْمَعْقِدُ لِلْإِزَارِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ إِمْسَاكَ مَنْ يَخَافُ سُقُوطَهَ , أَخَذَ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهُ وَهَذَا مَثَلٌ لِاجْتِهَادِ نَبِيِّنَا - صلى الله عليه وسلم - فِي نَجَاتِنَا، وَحِرْصِهِ عَلَى تَخَلُّصِنَا مِنَ الْهَلَكَاتِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا، فَهُوَ أَوْلَى بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، وَلِجَهْلِنَا بِقَدْرِ ذَلِكَ , وَغَلَبَةِ شَهَوَاتِنَا عَلَيْنَا , وَظَفَرِ عَدُوِّنَا اللعين بنا , صِرْنَا أَحْقَرَ مِنَ الْفَرَاشِ , وَأَذَلَّ مِنَ الْفَرَاشِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ!.
وَقِيلَ:"أَوْلَى بِهِمْ"أَيْ: أَنَّهُ إِذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ , وَدَعَتِ النَّفْسُ إِلَى غَيْرِهِ , كَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْلَى.
وَقِيلَ:"أَوْلَى بِهِمْ"أَيْ: هُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَحْكُمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , فَيُنَفَّذُ حُكْمُهُ فِي أَنْفُسِهِمْ، أَيْ: فِيمَا يَحْكُمُونَ بِهِ لِأَنْفُسِهِمْ , مِمَّا يُخَالِفُ حُكْمَهُ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْضِيَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دَيْنَ الْفُقَرَاءِ اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَإِنَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ , حَيْثُ قَالَ:"فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ". أ. هـ
(5) [الأحزاب/6]
(6) الضَّيَاع: اِسْم لِكُلِّ مَا هُوَ يُفْتَرَض أَنْ يُضَيَّع إِنْ لَمْ يُتَعَهَّد , كَالذُّرِّيَّةِ الصِّغَار , وَالْأَطْفَال, وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يَقُومُونَ بِكَلِّ أَنْفُسِهِمْ , وَسَائِرِ مَنْ يَدْخُل فِي مَعْنَاهُمْ. عون المعبود - (ج 6 / ص 432)
وَسُمِّيَتِ الْأَرْضُ ضَيْعَةً , لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلضَّيَاعِ , وَتُجْمَعُ ضِيَاعًا بِكَسْرِ الضَّادِ.
القرطبي (14/ 121)
(7) (خ) 2269 , (م) 15 - (1619) , (د) 2954 , (جة) 2416 , (حم) 8399
(8) (خ) 6350 , (م) 14 - (1619) , (ت) 1070 , (س) 1963 ,
(جة) 2415 , (حم) 14192 , انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: 1813