فهرس الكتاب

الصفحة 4012 من 18580

مِنْ أَنْوَاعِ الْكِبْرِ مَحَبَّةُ وَقُوفِ النَّاسِ احْتِرَامًا

(د) , عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ - رضي الله عنهما - عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَامِرٍ , فَقَامَ ابْنُ عَامِرٍ , وَجَلَسَ ابْنُ الزُّبَيْرِ , فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِابْنِ عَامِرٍ: اجْلِسْ , فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجَالُ قِيَامًا [1] فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ" [2]

الشرح [3]

(1) أي: أن ينتصب الجالسون قيامًا للداخل إليهم , لإكرامه وتعظيمه. صحيح الأدب المفرد - (1/ 381)

(2) (د) 5229 , (ت) 2755 , (حم) 16962 , انظر الصَّحِيحَة: 357

(3) قال الألباني في صحيح الأدب المفرد 752: أي: دخل النار إذا سَرَّه ذلك، هذا هو المعنى المتبادر من الحديث , واحتجاج معاوية رضي الله عنه به على من قام له , وأقره عبد الله بن الزبير ومن كان جالسًا معه , ولذلك فإني أقطع بخطأ من حمل الحديث على القيام له وهو قاعد , كما في حديث جابر المتقدم (742/ 960) ففيه أن هذا من فعل فارس , أي: الأعاجم الكفار , ولقد أحسن المؤلف رحمه الله بالترجمة له هناك بـ:"باب من كره أن يقعد ويقوم له الناس"وترجم لحديث معاوية هنا بـ""باب قيام الرجل للرجل تعظيمًا", وهذا من فقهه ودقة فهمه رحمه الله , ولم يتنبه له كثير من الشُّراح , والذين تكلموا في معناه , كقول ابن الأثير وغيره: أي: يقومون له قيامًا , وهو جالس"!

فحملوا معنى هذا الحديث على معنى هذا الحديث على معنى حديث جابر , وهذا خلط عجيب , كنت أود أن لا يقع فيه شيخ الإسلام ابن تيمية , فإنه رحمه الله مع تقريره أن القيام للقادم خلاف السنة , وما كان عليه السلف , وقوله:"ينبغي للناس أن يعتادوا اتباع السلف", واحتج لذلك بحديث أنس المتقدم (728/ 946) , ولم يَفُتْهُ رحمه الله أن ينبِّه أن الأصلح القيام للجائي إذا خشي من تركه وقوع مفسدة , مثل التباغض والشحناء , وهذا من علمه وفقهه الدقيق جزاه الله خيرًا , ولكنه مع ذلك أتْبَعَهُ بقوله:"وليس هذا [هو] القيام المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم:"من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار", فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد , وليس هو أي: يقوموا لمجيئه إذا جاء ..."! , كذا قال رحمه الله , ولعل ذلك كان منه قبل تضلُّعه في علمه , فقد رأيتُ تلميذه ابن القيم قد أنكر حمْلَ الحديث هذا المَحْمل , وهو قلَّما يخالفُه , فأظنُّه مما حمله عنه بعدُ , فقال ابن القيم رحمه الله في"تهذيب السنن" (8/ 93) بعد أن ساق حديث جابر المشار إليه آنفًا:"وحمْلُ أحاديث النهيِ عن القيام على مثل هذه الصورة مُمْتنع , فإن سياقَها يدل على خلافِه , ولأنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن القيام له إذا خرج عليهم , ولأن العرب لم يكونوا يعرفون هذا , إنما هو من فعل فارس والروم , ولأن هذا لا يقال له: قيام للرجل , وإنما هم قيام عليه , ففرقٌ بين القيام للشخص المنهيِّ عنه , والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم , والقيام إليه عند قدومه الذي هو سنة العرب , وأحاديث الجواز تدل عليه فقط".

وهذا غاية التحقيق في هذه المسألة , مع الإيجاز والاختصار , فجزاه الله خيرًا , فعض عليه بالنواجذ , فإنه مما يجهله كثير من الدعاة اليوم , ويخالفه عمليًا الأكثرون , فاعتادوا خلاف ما كان عليه السلف , حتى في مجالسهم الخاصة , والله المستعان. أ. هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت