فهرس الكتاب

الصفحة 11006 من 18580

قَال الْبُخَارِيُّ ج1ص56: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «لاَ بَأسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ»

الشَّرْح:

(لَا بَأسَ بِالْمَاءِ) أَيْ: لَا حَرَجَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَيْ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ رِيحٍ مِنْهُ أَوْ لَوْنٍ وَلَفْظُ يُونُسَ عَنْهُ كُلُّ مَا فِيهِ قُوَّةٌ عَمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْأَذَى حَتَّى لَا يُغَيِّرَ ذَلِكَ طَعْمَهُ وَلَا رِيحَهُ وَلَا لَوْنَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِلَّا بِالْقُوَّةِ الْمَانِعَةِ لِلْمُلَاقِي أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدٌ أَوْصَافَهُ فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُ بِالتَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ هَذَا صَارَ إِلَيْهِ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ بَالَ فِي إِبْرِيقٍ وَلَمْ يُغَيِّرْ لِلْمَاءِ وَصْفًا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَهُّرُ بِهِ وَهُوَ مُسْتَبْشَعٌ وَلِهَذَا نَصَرَ قَوْلَ التَّفْرِيقِ بِالْقُلَّتَيْنِ وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ , لَكِنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ , وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ. فتح (1/ 342)

مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:

اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ. وَيَخْتَلِفُونَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، فَيُقَدِّرُهَا الْحَنَفِيَّةُ بِمَا يُوَازِي عَشْرَ أَذْرُعٍ فِي عَشْرٍ دُونَ اعْتِبَارٍ لِلْعُمْقِ مَا دَامَ الْقَاعُ لا يَظْهَرُ بِالاغْتِرَافِ. وَالذِّرَاعُ سَبْعُ قَبَضَاتٍ؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَإِنَّ الْمَاءَ لا يَتَنَجَّسُ بِشَيْءٍ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، اعْتِبَارًا بِالْمَاءِ الْجَارِي. وَالْقِيَاسُ أَنْ لا تَطْهُرَ، لَكِنْ تُرِكَ الْقِيَاسُ لِلآثَارِ، وَمَسَائِلُ الآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الآثَارِ [1] . وَالْمُفْتَى بِهِ الْقَوْلُ بِالْعَشْرِ وَلَوْ حُكْمًا لِيَعُمَّ مَا لَهُ طُولٌ بِلا عَرْضٍ فِي الأَصَحِّ. وَقِيلَ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْقَدْرِ الْكَثِيرِ رَأيُ الْمُبْتَلَى بِهِ، بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ثُبُوتِ تَقْدِيرٍ شَرْعًا. [2]

وَذَهَبَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مِنَ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ إِذَا حَرَّكَهُ آدَمِيٌّ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ لَمْ تَسْرِ الْحَرَكَةُ إِلَى الطَّرَفِ الثَّانِي مِنْهُ، أَمَّا إِذَا سَرَتِ الْحَرَكَةُ فِيهِ فَهُوَ قَلِيلٌ. [3]

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا وَقَالَ: إِنَّ النَّجَاسَةَ تُفْسِدُ قَلِيلَ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْمَاءَ مَكْرُوهٌ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - وَمِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ - إِلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلا أَوْ كَثِيرًا. [4]

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا زَادَ قَدْرُهُ عَنْ آنِيَةِ الْغُسْلِ، وَكَذَا مَا زَادَ عَنْ قَدْرِ آنِيَةِ الْوُضُوءِ، عَلَى الرَّاجِحِ. [5] وَيَتَّفِقُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ [6] لِحَدِيثِ"إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ"وَفِي رِوَايَةٍ:"لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ". وَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ بِرِطْلٍ أَوْ رِطْلَيْنِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْقُلَّتَيْنِ. [7]

مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ وَاعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيُّ بِخَمْسِ قِرَبٍ مِنْ قِرَبِ الْحجاز احْتِيَاطًا وخصص بِهِ حَدِيث بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَهُوَ حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَرْبَعَة وبن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ. فتح (1/ 342)

(1) مجمع الأنهر 1/ 33 ط العثمانية، وحاشية ابن عابدين 1/ 128، 147 ط بولاق.

(2) حاشية ابن عابدين 1/ 134 ط ثالثة بولاق.

(3) بدائع الصنائع 1/ 71

(4) جواهر الإكليل 1/ 5.

(5) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1/ 35 ط الحلبي، وشرح الخرشي 1/ 76 ط الشرفية، وبلغة السالك 1/ 17 ط سنة 1372 هـ.

(6) والقلتان خمسمائة رطل بغدادي تقريبا. والرطل البغدادي 128 درهما وأربعة أسباع الدرهم في الأصح كما في نهاية المحتاج 3/ 72. ومساحة القلتين ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا في الموضع المربع المستوى الأبعاد الثلاثة بذراع الآدمي وهو شبران، والشبر كما في معجم متن اللغة 1/ 88 يساوي 24 سم. ومساحة القلتين في المدور ذراع عرضا، وذراعان عمقا بذراع النجار في العمق، وذراع الآدمي في العرض. وذراع النجار ذراع وربع بذراع الآدمي كما في فتح المعين بحاشية إعانة الطالبين 1/ 31 ط مصطفى الحلبي. وقدر الحنابلة القلتين بأربع قرب، وفي ظاهر المذهب أنها خمس قرب كل قربة مائة رطل عراقي، فتكون القلتان خمسمائة رطل (معجم الفقه الحنبلي 2/ 871، 906 ط الكويت.)

(7) فتح المعين بحاشية إعانة الطالبين 1/ 31، وشرح الإقناع 1/ 30 ط أنصار السنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت