فهرس الكتاب

الصفحة 1376 من 18580

(م ت جة حم) , وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: ("كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ", فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ وَأَهْلُهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ) [1] (وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ [2] ؟) [3] (قَالَ:"نَعَمْ) [4] (إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ) [5] (يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ) [6] (- وَأَشَارَ الَأَعْمَشُ بِإِصْبَعَيْهِ -) [7] (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ, اصْرِفْ قُلُوبَنَا إِلَى طَاعَتِكَ") [8]

الشرح [9]

(1) (حم) 13721 , (ت) 2140

(2) أَيْ أَنَّ قَوْلَك هَذَا لَيْسَ لِنَفْسِك , لِأَنَّك فِي عِصْمَةٍ مِنْ الْخَطَأِ وَالزَّلَّةِ، خُصُوصًا مِنْ تَقَلُّبِ الْقَلْبِ عَنْ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ، فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا مِنْ زَوَالِ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ؟ , أَوْ الِانْتِقَالِ مِنْ الْكَمَالِ إِلَى النُّقْصَانِ؟.تحفة (5/ 428)

(3) (جة) 3834

(4) (ت) 2140

(5) (م) 2654

(6) (ت) 2140

(7) (جة) 3834

(8) (حم) 6569 , (م) 2654

(9) فِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى أَنَّ أَعْمَالَ الْقَلْبِ مِنْ الْإِرَادَات , وَالدَّوَاعِي , وَسَائِر الْأَعْرَاضِ بِخَلْقِ الله تَعَالَى.

قَالَ الرَّاغِب: تَقْلِيبُ اللهِ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَار: صَرْفهَا عَنْ رَأيٍ إِلَى رَأيٍ، وَالتَّقَلُّبُ التَّصَرُّف، قَالَ تَعَالَى {أَوْ يَأخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} قَالَ: وَسُمِّيَ قَلْبُ الْإِنْسَانِ لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِ.

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ: الْقَلْب جُزْء مِنْ الْبَدَن , خَلَقَهُ الله , وَجَعَلَهُ لِلْإِنْسَانِ مَحَلّ الْعِلْم وَالْكَلَام , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الصِّفَات الْبَاطِنَة، وَجَعَلَ ظَاهِر الْبَدَن مَحَلَّ التَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ، وَوَكَّلَ بِهَا مَلَكًا يَأمُر بِالْخَيْرِ , وَشَيْطَانًا يَأمُر بِالشَّرِّ، فَالْعَقْل بِنُورِهِ يَهْدِيهِ , وَالْهَوَى بِظُلْمَتِهِ يُغْوِيهِ , وَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ مُسَيْطِرٌ عَلَى الْكُلِّ , وَالْقَلْبُ يَتَقَلَّبُ بَيْن الْخَوَاطِر الْحَسَنَة وَالسَّيِّئَة , وَاللَّمَّة مِنْ الْمَلَك تَارَةً وَمِنْ الشَّيْطَان أُخْرَى , وَالْمَحْفُوظُ مَنْ حَفِظَهُ اللهُ تَعَالَى. فتح الباري (18/ 483)

وَمَعْنَى قَوْله تعالى {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ} أَيْ: نُصَرِّفُهَا بِمَا شِئْنَا , كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيره، وَقَالَ الْمُعْتَزِلِيّ: مَعْنَاهُ نَطْبَعُ عَلَيْهَا فَلَا يُؤْمِنُونَ , وَالطَّبْع عِنْدهمْ: التَّرْك، فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا:"نَتْرُكُهُمْ وَمَا اخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ".

وَلَيْسَ هَذَا مَعْنَى التَّقْلِيب فِي لُغَة الْعَرَب؛ وَلِأَنَّ اللهَ تَمَدَّحَ بِالِانْفِرَادِ بِذَلِكَ، وَلَا مُشَارَكَة لَهُ فِيهِ، فَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُ الطَّبْع بِالتَّرْكِ , فَالطَّبْعُ عِنْد أَهْل السُّنَّة: خَلْقُ الْكُفْرِ فِي قَلْبِ الْكَافِرِ , وَاسْتِمْرَارُهُ عَلَيْهِ إِلَى أَنْ يَمُوت.

فَمَعْنَى الْحَدِيث: أَنَّ الله يَتَصَرَّف فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ بِمَا شَاءَ , لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا , وَلَا تَفُوتُهُ إِرَادَة.

وَقَالَ الْبَيْضَاوِيّ: فِي نِسْبَة تَقَلُّب الْقُلُوبِ إِلَى الله إِشْعَار بِأَنَّهُ يَتَوَلَّى قُلُوبَ عِبَاِده وَلَا يَكِلُهَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِه، وَفِي دُعَائِهِ - صلى الله عليه وسلم -"يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِك"إِشَارَةٌ إِلَى شُمُولِ ذَلِكَ لِلْعِبَادِ , حَتَّى الْأَنْبِيَاء , وَرَفْعِ تَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّم أَنَّهُمْ يُسْتَثْنَوْنَ مِنْ ذَلِكَ، وَخَصَّ نَفْسَهُ بِالذِّكْرِ إِعْلَامًا بِأَنَّ نَفْسَهُ الزَّكِيَّةَ إِذَا كَانَتْ مُفْتَقِرَةً إِلَى أَنْ تَلْجَأ إِلَى اللهِ سُبْحَانه , فَافْتِقَارُ غَيْرِهَا مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ أَحَقُّ بِذَلِكَ. فتح الباري (ج 20 / ص 464)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت