فهرس الكتاب

الصفحة 1841 من 18580

(خ م) , وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: ("سُحِرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا , وَلَمْ يَصْنَعْهُ) [1] (فَيَرَى أَنَّهُ يَأتِي النِّسَاءَ , وَلَا يَأتِيهِنَّ [2] [3] (حَتَّى إذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي , دَعَا وَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ , أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ [4] ؟، أَتَانِي رَجُلَانِ , فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأسِي , وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟، قَالَ: مَطْبُوبٌ [5] قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟) [6] (قَالَ: يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ , يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ) [7] (قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟، قَالَ: فِي مُشْطٍ [8] وَمُشَاطَةٍ [9] [10] (قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟، قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ [11] تَحْتَ رَاعُوفَةٍ [12] فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ [13] [14] وفي رواية:(فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ , وَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، وَالسِّحْرُ فِي بِئْرِ فُلَانٍ) [15] (قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) [16] (حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ) [17] (فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يَحُلَّ الْعُقَدَ , وَيَقْرَأَ آيَةً، فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَيَحُلُّ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ) [18] (ثُمَّ رَجَعَ , قَالَتْ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حِينَ رَجَعَ) [19] (يَا عَائِشَةُ , كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ [20] [21] (وَكَأَنَّ نَخْلُهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ [22] ") [23] (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟) [24] وفي رواية: (أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟) [25] وفي رواية: (أَفَلَا تَنَشَّرْتَ [26] ؟) [27] (فَقَالَ:"لَا , أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ , وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا [28] [29] (ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِالْبِئْرِ فَدُفِنَتْ") [30] (قَالَتْ: فَكَانَ الرَّجُلُ بَعْدُ يَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -"فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا مِنْهُ, وَلَمْ يُعَاتِبْهُ") [31]

الشرح [32]

(1) (خ) 3004

(2) قَالَ الْمَازِرِيّ: أَنْكَرَ الْمُبْتَدِعَةُ هَذَا الْحَدِيث , وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَحُطُّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ وَيُشَكِّكُ فِيهَا، قَالُوا: وَكُلّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِل، وَزَعَمُوا أَنَّ تَجْوِيزَ هَذَا يُعْدِمُ الثِّقَةَ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الشَّرَائِع , إِذْ يُحْتَمَلُ عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى جِبْرِيلَ , وَلَيْسَ هُوَ ثَمَّ، وَأَنَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ , وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ.

قَالَ الْمَازِرِيّ: وَهَذَا كُلّه مَرْدُودٌ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ اللهِ تَعَالَى , وَعَلَى عِصْمَتُهُ فِي التَّبْلِيغِ، وَالْمُعْجِزَاتُ شَاهِدَاتٌ بِتَصْدِيقِهِ.

وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لِأَجْلِهَا , وَلَا كَانَتْ الرِّسَالَةُ مِنْ أَجْلهَا , فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِمَا يَعْتَرِضُ الْبَشَرَ , كَالْأَمْرَاضِ، فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ , مَعَ عِصْمَتِهِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي أُمُورِ الدِّين.

قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّاس: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ - صلى الله عليه وسلم - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاتِهِ , وَلَمْ يَكُنْ وَطِأَهُنَّ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ تَخَيُّلُهُ لِلْإِنْسَانِ فِي الْمَنَامِ , فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي الْيَقِظَةِ.

وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْقَصَّارِ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ كَانَ مِنْ جِنْس الْمَرَض , لِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث:"فَأَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ"فتح الباري (16/ 296)

(3) (خ) 5432

(4) أَيْ: أَجَابَنِي فِيمَا دَعَوْتُهُ، فَأَطْلَقَ عَلَى الدُّعَاءِ اِسْتِفْتَاءً لِأَنَّ الدَّاعِي طَالِبٌ وَالْمُجِيبُ مُفْتٍ.

أَوْ الْمَعْنَى: أَجَابَنِي بِمَا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، لِأَنَّ دُعَاءَهُ كَانَ أَنْ يُطْلِعَهُ اللهُ عَلَى حَقِيقَةِ مَا هُوَ فِيهِ , لِمَا اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْر. فتح (16/ 296)

(5) أَيْ: مَسْحُورٌ , يُقَالُ: كَنَّوْا عَنْ السِّحْرِ بِالطِّبِّ تَفَاؤُلًا , كَمَا قَالُوا لِلَّدِيغِ: سَلِيم.

(6) (خ) 5430

(7) (م) 2189

(8) الْمُشْط: الْآلَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي يُسَرَّح بِهَا شَعْر الرَّأس وَاللِّحْيَة. فتح (16/ 296)

(9) (الْمُشَاطَة) الشَّعْرُ الَّذِي سَقَطَ مِنْ الرَّأسِ إِذَا سُرِّحَ بِالْمُشْطِ، وَكَذَا مِنْ اللِّحْيَة. (فتح الباري) (ج16 / ص 296)

(10) (خ) 5430

(11) (الجُفّ) : الْغِشَاءُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الطَّلْعِ , وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِالذَّكَرِ فِي قَوْله"طَلْعَةُ ذَكَر". (فتح الباري) (16/ 296)

(12) هِيَ صَخْرَةٌ تُنْزَلُ فِي أَسْفَلِ الْبِئْر إِذَا حُفِرَتْ , يَجْلِسُ عَلَيْهَا الَّذِي يُنَظِّفُ الْبِئْرَ، وَهُوَ حَجَرٌ يُوجَدُ صُلْبًا , لَا يُسْتَطَاعُ نَزْعُهُ فَيُتْرَك. فتح الباري (16/ 300)

(13) (ذَرْوَان) : بِئْر فِي بَنِي زُرَيْق. (فتح الباري) - (ج 16 / ص 296)

(14) (خ) 5432

(15) (مسند عبد بن حميد) : 271 , انظر الصَّحِيحَة: 2761

(16) (خ) 5430

(17) (خ) 5432

(18) (مسند عبد بن حميد) : 271 , انظر الصَّحِيحَة: 2761

(19) (خ) 3095

(20) أَيْ: أَنَّ لَوْنَ مَاءِ الْبِئْرِ لَوْنُ الْمَاءِ الَّذِي يُنْقَعُ فِيهِ الْحِنَّاء , قَالَ اِبْن التِّين: يَعْنِي أَحْمَر.

قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَأَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ قَدْ تَغَيَّرَ , إِمَّا لِرَدَاءَتِهِ بِطُولِ إِقَامَتِهِ، وَإِمَّا لِمَا خَالَطَهُ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي أُلْقِيَتْ فِي الْبِئْر. (فتح الباري) (16/ 296)

(21) (خ) 5430

(22) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَ طَلْعَهَا فِي قُبْحِهِ بِرُءُوسِ الشَّيَاطِينِ , لِأَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِالْقُبْحِ, وَإِذَا قَبَّحُوا مُذَكَّرًا قَالُوا: شَيْطَان، أَوْ مُؤَنَّثًا قَالُوا: غُول. فتح (16/ 296)

(23) (خ) 3095

(24) (م) 2189

(25) (خ) 5430

(26) ظَاهِرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَنَّهُ مِنْ النَّشْرَة , ونَشْرُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى إِظْهَارِهِ.

وَكَيْف يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلهَا"فَأُخْرِجَ"وَبَيْنَ قَوْلِهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى:"هَلَّا اِسْتَخْرَجْته"؟.

وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِخْرَاجَ الْوَاقِعَ كَانَ لِأَصْلِ السِّحْرِ , وَالِاسْتِخْرَاجُ الْمَنْفِيُّ كَانَ لِأَجْزَاءِ السِّحْر. فتح الباري - (ج 17 / ص 229)

قال ابن الأثير: النُّشْرة بالضم: ضرْبٌ من الرُّقْيةِ والعِلاجِ , يُعالَجُ به مَنْ كانَ يُظَنُّ أنَّ بِهِ مَسًَّا من الجِنّ , سُمِّيَت نُشْرةً لأنَّهُ يُنْشَرُ بِهَا عَنْهُ ما خَامَرَهُ من الدَّاء , أي: يُكْشَفُ ويُزَال. النهاية في غريب الأثر (ج 5 / ص 128)

(27) (خ) 5432

(28) قَالَ النَّوَوِيّ: خَشِيَ مِنْ إِخْرَاجِهِ وَإِشَاعَتِهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ , مِنْ تَذَكُّرِ السِّحْر , وَتَعَلُّمِهِ , وَنَحْو ذَلِكَ؛ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْمَصْلَحَةِ خَوْفَ الْمَفْسَدَة , وَمِنْ ثَمَّ حَكَى عِيَاض فِي"الشِّفَاء"قَوْلَيْنِ: هَلْ قُتِلَ، أَمْ لَمْ يُقْتَل؟.

وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا حُجَّةَ عَلَى مَالِكٍ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة، لِأَنَّ تَرْكَ قَتْلِ لَبِيدِ بْن الْأَعْصَم كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يُثِيرَ بِسَبَبِ قَتْلِهِ فِتْنَةً، أَوْ لِئَلَّا يُنَفِّرَ النَّاسَ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ , وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَا رَاعَاهُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ مَنْعِ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ , حَيْثُ قَالَ:"لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَه".فتح الباري (16/ 296)

(29) (خ) 3095

(30) (خ) 5433 , (م) 2189

(31) (ك) 8074 , (طب) 5018 , انظر الصَّحِيحَة: 2761

(32) قَالَ ابْن الْقَيِّم: مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ , وَأَقْوَى مَا يُوجَدُ مِنْ النُّشْرَة , مُقَاوَمَةُ السِّحْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَأثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَة , بِالْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّة , مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ، فَالْقَلْبُ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنْ اللهِ , مَعْمُورًا بِذِكْرِهِ , وَلَهُ وِرْدٌ مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوَجُّهِ لَا يُخِلُّ بِهِ , كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَم الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ إِصَابَةِ السِّحْر لَهُ , فَسُلْطَانُ تَأثِيرِ السِّحْرِ عَلَى الْقُلُوبِ الضَّعِيفَة، وَلِهَذَا غَالِبُ مَا يُؤَثِّر فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْجُهَّالِ، لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ إِنَّمَا تَنْشَطُ عَلَى أَرْوَاحٍ تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّةً لِمَا يُنَاسِبُهَا.

قال الحافظ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَاب، وَجَوَازُ السِّحْرِ عَلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَ عَظِيمِ مَقَامِهِ , وَصِدْقِ تَوَجُّهِهِ , وَمُلَازَمَةِ وِرْدِهِ.

وَلَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِب، وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ - صلى الله عليه وسلم - لِبَيَانِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَالله أَعْلَم. (فتح الباري) (16/ 300)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت